البرنامج السياسي


الباب الأول
الإمبريالية والحركة الصهيونية

1. مدخل: طبيعة الصراع:
احتلّت قضية الصراع مع الحركة الصهيونية العالمية منذ مطلع القرن العشرين، مركزاً أساسياً في قضايا التحرر الوطني والقومي للجماهير العربية، وفي قضايا التحرر العالمي. واستمرّ ذلك الصراع يحتدم كلما أوغلت المشاريع المعادية للجماهير العربية في التنفيذ، بواسطة الإمبريالية العالمية صانعة المشروع الصهيوني الاستيطاني الاستعماري فبدءاً من وعد بلفور عام 1917 وحتى اللحظة الراهنة التي تأخذ فيها المشاريع الإمبريالية أشكالاً أخرى من السيطرة والهيمنة ما زالت الإمبريالية تستخدم الكيان الصهيوني كمفتاح وكمطرقة لتسهيل الطريق أمام تنفيذ المهمات الاستعمارية الإمبريالية في وطننا وبعض أجزاء العالم.
ولقد تخلَّل السنوات الطويلة الفاصلة بين أول إعلان سافر عن النوايا الإمبريالية في المشرق العربي، والدور الذي أُوكِل للحركة الصهيونية العالمية في إطار تحقيق تلك النوايا وبين المرحلة الحالية التي تشهد محاولات توطيد وترسيخ النفوذ والسيطرة الإمبريالية على وطننا، عديداً من التطورات الهامة التي تبرز أهمية الدور المناط بالكيان الصهيوني القائم في فلسطين، والحركة الصهيوننية إجمالاً من ناحية، وأثر ذلك الدور على مختلف التطورات التي شهدتها حركة التحرر العربية منذ بدايات التدخل الإستعماري في بلادنا من ناحية ثانية.
خلال هذه التاريخ برزت قضية فلسطين، والصراع مع العدو الصهيوني، كإحدى أهم القضايا الحساسة في السياسة الدولية على مختلف الأصعدة وبنفس الوقت، ومنذ بدء ظهور النوايا الإمبريالية في بلادنا، وعلى الأرض العربية في فلسطين، خاضت جماهير الشعب العربي الفلسطيني نضالات متواصلة، مترافقة مع نضالات مماثلة للجماهير العربية ضد الإستعمار والصهيونية، واستطاعت القوى الإمبريالية والصهيونية، ومن ثم الكيان الإمبريالي الصهيوني على أرض فلسطين من تثبيت حالة من القهر الوطني والقومي المتواصل لإرادة وطموحات الجماهير العربية، ووسيلة استنزاف متواصلة لإمكاناتها وخيراتها.
إن قضية شعبنا الفلسطيني هي قضية تحرره الوطني وحقه في تقرير مصيره في وطنه ولذلك ما زالت تحتل موقعاً متقدماً في الصراع العربي والعالمي بين قوى التحرر الوطني والقومي والتقدم وقوى القهر والاستغلال والتبعية والتجزئة.
لهذا تبرز أهمية العودة إلى تحديد جوهر القضية الوطنية لشعبنا، فالتعقيدات التي خلقها الصراع الطويل مع الإمبريالية والصهيونية غيبت من حيث الشكل، لا من حيث المضمون، عن أنظار ورؤى كثيرين جوهر هذا الصراع وأساس هذه القضية التي وكما سلف هي قضية تحرر وطني لشعب يُراد طمس هويته وشخصيته الوطنيتين من جملة ما يُراد للأمة العربية من إفقار واستغلال وتجزئة وهيمنة.
2. الرأسمالية الأوروبية في مرحلتها الاستعمارية هي الحاضنة الطبيعية لنشوء وتطور الحركة الصهيونية
ليس من الصدفة البحتة أن يترافق نشوء المشروع الصهيوني وتكون الحركة الصهيونية المنظمة، وتأسيس برنامجها الهادف إلى صهينة فلسطين وطرد شعبها منها، وطمس هويته الوطنية والقومية، مع دخول الرأسماليات الأوروبية مرحلة الاحتكار والصراع على إعادة اقتسام العالم والنفوذ والممتلكات. وليس من الصدفة كذلك أن يترافق المشروع الصهيوني ويتزامن مع مشروعات الدول الإمبريالية وصراعاتها من أجل اقتسام ووراثة الإمبراطورية العثمانية أي ما سُمِّي تاريخياً باسم «المسألة الشرقية».
إن فهم الجذور الاجتماعية والاقتصادية للأيديولوجية الصهيونية العنصرية، يشكِّل منطلقاً لتحديد حقيقة المشروع الصهيوني الإمبريالي الرجعي، وينسف في الأساس ادِّعاءات وتلفيقات الفكرة القومية اليهودية.
إن دخول المجتمعات الأوروبية مرحلة أزمات النظام الرأسمالي التي يطلق عليها اسم الأزمة العامة، وبدء ظهور الوعي الاشتراكي لدى الطبقة العاملة الأوروبية العالمية وما شهدته البلدان الأوروبية من انتفاضات وثورات ضد البؤس والاستغلال، وانخراط الجماهير اليهودية في نضال العمال الأوروبيين، وإفرازها عدداً من قادة الطبقة العاملة من صفوف اليهود، أدى في الأيديولوجيا البرجوازية إلى ظهور فكرة رجعية مؤداها «معاداة السمامية» كانت وظيفتها عملياً تأجيج الصراعات العرقية والإثنية والقومية والدينية بين الشعوب لإبعادها عن جوهر مشكلاتها، وكنقيض ظاهر وشكلي لنزعة اللاسامية نشأت بأوساط البرجوازيين اليهود فكرة «الصهيونية» وترافق ظهور اللاسامية والصهيونية مع تطور الرأسمالية والاستعمار إلى مرحلة الإمبريالية، فمرحلة الثورة البرجوازية التي قامت بها الدول القومية في أوروبا ترافقت باندماج البرجوازيين من اليهود بالأوطان التي يعيشون فيها. ومع انتقال البرجوازية الأوروبية إلى مرحلة جديدة رجعية وتوسعية استعمارية أخذ البرجوازيون اليهود وانسجاماً مع مصالحهم، دور تنفيذ الأهداف الاستعمارية للرأسمال العالمي. كانت فكرة «القومية اليهودية» هي المبرر الأيديولوجي لنشوء الحركة الصهيونية، وبذلك تكون قد قدَّمت للرأسمالية العالمية الاستعمارية خدمات هامة، أوّلها وأهمها في مرحلة النشوء كان تخريب الوعي الأيديولوجي لليهود المناضلين في صفوف الطبقة العاملة التي كانت تقود صراعاً ضد الاستغلال الرأسمالي، وإدخال أجزاء واسعة من يهود البلدان المختلفة في صراع مع الحركات التقدمية وتغذية الروح الشوفينية العنصرية على أساس أيديولوجي مصطنع لفكرة «قومية يهودية» ومن ناحية أخرى شكّل انبثاق الفكرة المصطنعة مرتكزات ما لبثت أن تطورت في سياق التوسع الاستعماري والإمبريالي إلى أشكال ملموسة من الدعم للسياسة الاستعمارية العالمية في المراحلة اللاحقة لتأسيس الحركة الصهيونية.
3. الصهيونية أداة في تنفيذ مخططات الإمبريالية ومعاداة التقدم
يتوضَّح بجلاء كبير زيف الادعاءات الصهيونية بخصوص الربط التاريخي الديني الوهمي بين مصالح اليهود في العالم والأهداف التي عملت الصهيونية على تحقيقها منذ نشأتها، من خلال الأمور التالية:
‌أ. إن استقرار آراء الزعماء الصهاينة على تنفيذ مشروعهم الاستعماري الاستيطاني في فلسطين، والعمل الدؤوب الذي بدأته الصهيونية في أواخر الحرب العالمية الأولى، لم يكن معزولاً عن الأهداف الإمبريالية التي كانت تمثلها بريطانيا في تلك الفترة كأقوى حلقة من حلقات الاستعمار العالمي. وتوطيد العلاقة السياسية والمالية بين الاحتكارات البريطانية والحركة الصهيونية، كان تعبيراً عن انحياز المصالح الصهيونية إلى مركز الثقل في الرأسمال العالمي الاستعماري بعد أن كانت الصهيونية العالمية أداة مشتركة في أيدي مختلف الدول الإمبريالية الأوروبية ليس ذلك فحسب، بل كانت تمد أيديها إلى أعتى الحكومات الرجعية مثل روسيا القيصرية وتركيا وألمانيا، هذه البلدان التي شهدت على أيدي بعض حكوماتها مذابح جماعية ضد اليهود، بالإضافة إلى توافق اللاسامية والصهيونية وانسجام مصالحهما في جرّ اليهود ودفعهم نحو الانخراط في المخططات الإمبريالية الهادفة إلى استخدامهم في تجزئة الوطن العربي ومنعه من التحرر والوحدة، وكذلك في إبعاد الثوريين اليهود عن الانخراط في الحركة الاشتراكية والعمالية، فإن زيف المزاعم الصهيونية بوجود وحدة وقومية يهودية، وبعلاقة تاريخية خالدة بفلسطين، تتجلَّى كذلك في قبول الصهيوينة بمشاريع لإنشاء وطن قومي يهودي خارج فلسطين مثل أوغندا والأرجنتين وغيرهما، وكذلك بالاتفاقات السياسية المبرمة بين الحركة الصهيونية من جهة، وبين غلاة اللاسامية في أوروبا مثل روسيا القيصرية وألمانيا النازية وغيرهما.
‌ب. في إطار مخطط التجزئة، والانتداب الاستعماري، ولضمان المصالح الاستعمارية، خاصة البريطانية ولأطول مدة ممكنة، كانت الضربة الموجهة لحركة التحرر العربي ولطموحات الجماهير العربية بأكملها، وإعلان بريطانيا وعدها للحركات الصهيونية «بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين»ولم يكن وعد بلفور بعيداً عن المصالح الإمبريالية في مواجهة خطوات الثورة الاشتراكية في روسيا عام 1917 حيث ساد الاعتقاد في أوساط الإمبريالية البريطانية، إن تأييداً علنياً للصهيونية يبعد اليهود الروس عن الحزب البلشفي وكان وعد بلفور تطوراً حاسماً في علاقة الإمبريالية البريطانية بالصهيونية العالمية كافة، الأولى للصهيونية في مواجهة أي نهوض للحركة القومية العربية محلياً، ودولياً لاستخدامها ضد الثورة الاشتراكية الروسية وجذب اليهود إلى جانب الحكومة البرجوازية التي قامت بعد سقوط القيصر، والتي بقيت في حلفها العسكري إلى جانب بريطانيا وفرنسا ضد ألمانيا، وخارج هذا الإطار الإمبريالي «الساعي لضرب حركة التحرر القومي العربي، ومواجهة تطورات الوضع الثوري العالمي» لا مجال لتحقيق مصالح الحركة الصهيونية إلا أن تكون جزءاً من الرأسمالية العالمية، تضمن مصالح البرجوازيين اليهود الموزعين على عدة بلدان في العالم، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن نصف اليهود في العالم كان يقطن في أنحاء روسيا القيصرية، وحتى بداية الحرب العالمية الأولى، وخلال الثورة، نستيطع أن نربط بين دوافع الرأسمالية الإمبريالية في ضرب الثورة الروسية والدور الذي حاولت أن تقوم به الصهيونية بتسعير الروح الدينية الشوفينية لجماهير اليهود في روسيا تعبيراً عن ارتباطها بالاستراتيجية الإمبريالية العامة في كل أنحاء العالم أن المرحلة اللاحقة للحرب العالمية الأولى كانت بالنسبة للمشروع الصهيوني في فلسطين من أسرع مراحل تطور نشوء القاعدة الصهيونية، وذلك ليس معزولاً عن تزايد النفوذ الاستعماري وهيمنته على المنطقة العربية وعلى مقدراتها من خلال استعماره المباشر للمنطقة وتقسيمها، ولم يكن بمقدور عملية الهجرة الواسعة والاستيطان أن تجد طريقها إلى فلسطين لولا الوجود الاستعماري ولولا تغذية الروح العنصرية لدى اليهود وادعاء تفوقهم على الشعوب الأخرى بما فيهم العرب.
‌ج. في مرحلة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية وما شهدته هذه الفترة من تزايد في حركة النضال الوطني والقومي للجماهير العربية ضد الانتدابين البريطاني والفرنسي، وقيام عدة ثورات وانتفاضات عجز الاستعمار عن إخمادها واستئصال مبرراتها، وتزايد الدور الملقى من قِبل الإمبريالية على عاتق الحركة الصهيونية العالمية وركائزها البشرية والمادية في فلسطين كان نهوض وتبلور حركة نضال الشعب الفلسطيني في العقد الثاني من هذا القرن، يشير إلى عجز الانتداب البريطاني عن مواجهة تلك الحركة، وعدم مراهنة الاستعمار على الأنظمة الموالية في بلدان المشرق العربي بالسيطرة على حركة الجماهير وكبح طموحاتها نحو الاستغلال فترسخت حاجة الإمبريالية لدور الصهيونية ليس في حدود فلسطين فحسب، بل في إطار استراتيجية الاستعمار لمواجهة الحركة القومية والوطنية في المشرق العربي الذي كان على بوابة الاكتشافات النفطية الهائلة.
وكان تزايد الهجرة وإنشاء المستعمرات الصهيونية في فلسطين، وحركة التسلح الصهيونية وإنشاء الفرق والعصابات يسير بوتيرة متصاعدة برعاية حكومة الانتداب البريطاني ومساعدتها المادية والقانونية والمعنوية.
كل هذا يوضح أن الصهيونية نمت وتطورت بسياق التعاظم الاستعماري لنهب خيرات العالم، والوطن العربي كجزء حيوي منه، وما الركائز الأيديولوجية العنصرية للسياسة الصهيونية سوى إفرازات طبيعية لمرحلة متقدمة من مراحل الاستعمار، حاولت القوى الإمبريالية استخدامها لحلّ مشاكلها السياسية والاجتماعية داخل بلدانها، وتحقيق أهدافها التوسعية في منطقة هامة من العالم هي الوطن العربي.
4. الاستراتيجية الجديدة للإمبريالية ودور الكيان الصهيوني
كانت إحدى نتائج الحرب العالمية الثانية، بروز الولايات المتحدة الأمريكية كمركز لقيادة الإمبريالية العالمية، ونتيجة الظروف الجديدة التي تمثلت في فشل وسقوط أساليب الاستعمار القديم، وعدم قدرة هذا الشكل على فرع وجوده وسيطرته على حركات التحرر الوطني والقومي المناهضة بعد حالة الضعف والخلل التي أصابت الإمبريالية من جراء التنافس الاستعماري والانتصار العظيم للإتحاد السوفيتي على النازية وتحوله إلى قوة مؤثرة في التطورات العالمية بما يخدم نمو وتطور النضالات التحررية لشعوب المستعمرات برزة سياسة الإمبريالية المعروفة باسم «الاستعمار الجديد»التي تقوم على إشراك قوى اجتماعية محلية في عملية النهب والسيطرة ولجم تحركات الجماهير الشعبية الوطنية ولقد ترجمت هذه السياسة في الوطن العربي برحيل الاستعمار القديم الفرنسي – البريطاني وربط الحكومات المحلية باتفاقيات ومعاهدات عسكرية واقتصادية تضمن استمرار المصالح الإمبريالية التي أصبح مركزها المسيطر الاحتكارات الأمريكية، حيث شكّل مشروع مارشال لإعمار أوروبا الغربية بعد الحرب برؤوس الأموال الأمريكية، بداية السيطرة الفعلية للإمبريالية الأمريكية على الإمبرياليات الأوروبية التي لم تعد تملك سياسة مستقلة فهي المسائل الهامة على الصعيد الدولي.
وفي الوطن العربي – وفي مشرقه بالذات – لم تجد الإمبريالية في القيادات التي تسلّمت السلطة بعد رحيل الاستعمار القديم، الحليف الكفؤ والجدير بالثقة والقادر على الحفاظ على المصالح الإمبريالية بمفرده في مواجهة الحركة القومية والوطنية من هنا كان للحركة الصهيونية التي مضى على نشاطها بخدمة الإمبريالية كاحتكار رأسمالي عالمي أكثر من نصف قرن، دوراً مميزاً وخاصاً في إطار الاستعمار الجديد، فهمت أهميته الإمبريالية الأمريكية بالذات في وقت مبكر، وكانت بعض تيارات الحركة الصهيونية بدورها قد التقطت الدور الهام والمؤثر الذي ستلعبه الولايات المتحدة في المعسكر الإمبريالي العالمي، مما أدى لنشوء علاقة وطيدة بين الحركة الصهيونية والإمبريالية الأمريكية في أواخر الحرب العالمية الثانية، برزت بإدانة الكتاب الأبيض الصادر عام 1936 والتخلي عنه بدعوة رسمية من أعضاء الكونغرس الأمريكي والتأكيد على أن تقوم الولايات المتحدة باتخاذ الإجراءات المناسبة من أجل فتح أبواب فلسطين أمام اليهود ليدخلوها بحرِّية، وأن تكون الفرصة متاحة كلياً كي يتمكن «الشعب اليهودي في المطاف الأخير» من إعادة بناء فلسطين كدولة خاصة باليهود فقط.
وعندما طرحت القضية الفلسطينية على الجمعية العمومية للأمم المتحدة في عام 1947 قامت الولايات المتحدة بممارسة ضغوطها على عدد من الدول للموافقة على قرار التقسيم الذي يعطي 56% من أراضي فلسطين إلى الأقلية اليهودية و43% للأكثرية العربية، وتدويل مدينة القدس.
إن مدلولات العلاقة الوطيدة والعضوية مع الإمبريالية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية توضح حقيقة الصهيونية منذ نشأتها وحتى قيام قاعدتها وما تخلل ذلك من تحالفات سياسية متبادلة حسب حاجات ومصالح الاستراتيجية الإمبريالية ومركزها الأقوى في كل مرحلة من المراحل. إن قيام القاعدة الصهيونية في أيار 1948 على أرض فلسطين جاء نتيجة لتضافر جهود الإمبرياليات المختلفة والأدوار التي حققها كل طرف منها في المراحل المتعاقبة، ونتيجة ارتباط الطبقات الحاكمة العربية بسياسة الاستعمار الجديد وضعف التيار البرجوازي القومي المستقل وعجزه في قيادته لحركة التحرر الفلسطينية والعربية وبقيام القاعدة الصهيونية دخلت عملية المواجهة مع الإمبريالية والاستعمار إطاراً جديداً ومرحلة جديدة سنأتي على بحثها في الأبواب اللاحقة.
وفي تلخيص كل ما سبق عن حقيقة الصهيونية ودورها في خدمة الإمبريالية العالمية يمكننا أن نسجِّل ما يلي:
‌أ. إنها إفراز أيديولوجي لمرحلة الأزمة الرأسمالية العامة التي أخذ فيها البرجوازيون اليهود على عاتقهم المساهمة في حلّ تلك الأزمة بتسعير الحقد الديني الشوفيني بين معتنقي الديانة اليهودي وشعوب العالم كما أظهرت بشكل خاصة رجعية فكرة التوسع الاستعماري لحلّ الأزمة الاقتصادية بإطار التوسع العام للإستمار العالمي ككل وخدمة لأهدافه.
‌ب. ترافق التطور العملي في تحقيق الفكرة الإمبريالية الصهيونية مع مقتضيات المصالح الاستعمارية العالمية قبل وبعد الحرب العالمية الأولى للسيطرة على تركة الدولة العثمانية ولتحويل دور اليهود في العالم إلى دور معادٍ للتقدم الاجتماعي، كما حصل في تركيز الناشط الإمبريالي الصهيوني على يهود روسيا إبّان ثورة أكتوبر الإشتراكية.
‌ج. إتحاد الرأسماليين الصهاينة مع الحركة الرأسمالية العالمية وميلهم باستمرار لتحقيق مصالحهم بالارتباط مع القوى الأكثر قدرة وسيطرة على الاحتكارات العالمية واستخدام النفوذ الأيديولوجي للصهيونية في أوساط اليهود في العالم لخدمة العملية الإمبريالية في كل مرحلة من مراحل تطور نشاطاتها وتبدُّل مراكزها.
‌د. وبالاستناد إلى كل ذلك فالتجسيد العملي للفكرة الصهيوينة، ليس سوى تجسيد الأهداف والمصالح الإمبريالية بعد الحرب العالمية الثانية وسياسة الاستعمار الجديد، ووجهه الآخر في وطننا، الاستعمار الاستيطاني الذي يعبر عن الدور الخاص للرأسماليين اليهود في إطار المصالح العامة والمشتركة للإحتكارات العالمية، وإن طبيعة البنيان الخاص للكيان الصهيوني تؤكد تلك الوظيفة التي نشأ من أجلها.
5. وظيفة القاعدة الصهيونية في خدمة الإمبريالية بمواجهة حركة التحرر العربية
إذا كانت الحركة الصهيونية منذ نشأتها الأولى قد قامت على خدمة المصالح العامة للإمبريالية، فإن الدور الذي أُنيط بها بعد قيام كيانها العنصري على أرض فلسطين يؤكد استمرار ذلك الدور وبأشكال أكثر خطورة.
لقد ساهمت تطورات القضية الفلسطينية وما نجم عنها من اقتلاع للشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه، ومن انكشاف الدور الذي لعبته الأنظمة الحاكمة آنذاك في التواطؤ مع الإمبريالية الصهيونية، دوراً حاسماً في دفع حركة التحرر العربية باتجاه اكتساب مضامين جديدة في مواجهة البنى الاجتماعية السائدة، وفي مواجهة السياسات الإمبريالية الهادفة إلى التحكم بمقدّرات المنطقة ومنع وحدتها وتقدمها. ولقد برز الدور الملقى على عاتق الكيان الصهيوني كمدافع عن المصالح الإمبريالية، وتجسّد في نشاطه المستمر القائم على الغزو والتوسع، وتبيّن ذلك بجلاء كبير في دور الكيان الصهيوني مع الإمبرياليتين الفرنسية والبريطانية في غزو مصر عام 1956 بهدف كسر إرادتها في الاستقلال السياسي والاقتصادي.
بعد عام 1956 حققت الحركة الجماهيرية في عدد من الأقطار العربية تقدماً ملموساً في مواجهة مصالح ومخططات الإمبريالية والرجعية المرتبطة بها، فقد تعززت في مصر سلطتها الوطنية وأخذت تسير في خطوات دعم وتأييد النضالات القومية والوطنية لشعوب الأمة العربية، وتحققت إنجازات ضد الأنظمة الرجعية، فسقطت الملكية في العراق وفي اليمن، ورفعت شعارات الوحدة القومية تحدياً للتجزئة الاستعمارية، وقامت دول الوحدة بين مصر وسوريا، وهزم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وامتدّ النضال الوطني إلى الخليج وجنوب الجزيرة العربية، وانهارت سياسة الأحلاف التي حاولت الإمبريالية إقامتها لتطويق حركة التحرر العربية ومحاصرة المنظومة الإشتراكية.
بدأت تشعر الدوائر الإمبريالية والأمريكية بشكل أساسي، بأن هذه التطورات أصبحت تشكِّل تهديداً مباشراً لمصالحها، إذا استمرت تتفاعل دون أي تدخل للتأثير عليها، وخاصة الجانب المتعلِّق بنموّ وتطوُّر العلاقات مع الإتحاد السوفيتي والمنظومة الإشتراكية.
إن تطورات هذه الحقبة القصيرة، وإن كانت غير حاسمة تماماً تجاه السيطرة الإمبريالية، إلا أنها جاءت في فترة أخذت فيها السيطرة الإمبريالية تنتقل لمصلحة الاحتكارات الأمريكية بعد أن كانت موزعة على عدة أطراف في السابق، مما أحدث لدى الدوائر الأمريكية شعوراً بأن هذه التطورات لم تعد تصطدم فقط بالبنى الاستعمارية القديمة بل باتت تؤثر بشكل مباشر على المركز الذي تحتله الإحتكارات الأمريكية في الوطن العربي مما فرض عليها ضرورة العمل لوقف المدّ التحرُّري للجماهير العربية وإخضاع الأنظمة التي قادت المواجهة مع بقايا الاستعمار القديم خلال فترة الخمسينات وأوائل الستينات، فبرز للواجهة من جديد دور القاعدة الصهيونية في إنجاز هذه المهمة خدمة للإستراتيجية الإمبريالية من خلال قيامها بشنّ حرب عدوانية في 5 حزيران (يونيو) 1967 لخلق وقائع سياسية وعسكرية جديدة في المنطقة تميل نحو الإرتباط التام بالمصالح الأمريكية، وتوجيه ضربة قوية للحركة الوطنية العربية وتدفع أنظمة الحكم التي قامت في الخمسينات والستينات بالتصدي للإستعمار القديم وبشكل رئيسي في مصروسوريا نحو الخضوع والإستسلام للترتيبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المناسبة لاستمرار النهب الإمبريالي للوطن العربي. والجدير بالذكر أن المصالح الخاصة بالرجعية العربية كانت تندرج بإطار المصلحة الإمبريالية بشن حرب عام 1967، هذه الحرب التي بيّنت من جديد حقيقة الوظيفة المناطة بالعدو الصهيوني لقمع كل تطور في النضال الوطني والقومي لحركة الجماهير العربية. فإذا كان التقدم الاجتماعي والتحرر الوطني للجماهير العربية يهدد الوجود الصهيوني فذلك ليس سوى دليل على حقيقة الكيان الصهيوني والمهمات المناطة به ضد المصالح الوطنية والقومية العربية فعشية عدوان حزيران 1967 لم تكن حركة التحرر العربية بأنظمتها وقواها على أبواب حرب ثورية لتدمير وإسقاط الكيان الصهيوني، إلا أنها كانت تشير إلى تطور يهدِّد بآفاقه المصالح الأمريكية والكيان الصهيوني على مدى الصراع الطويل وشن الحرب في تلك الفترة هو عمل هجومي لكبح المسيرة التحررية وتصفية المضمون التقدمي لحركة الجماهير العربية أخذت الآلة العسكرية الصهيونية على عاتقها مهمة تمهيد الطريق بالعنف لتسهيل الطريق أمام الأهداف الإمبريالية وحفظ مصالحها.

الباب الثاني
مضمون القضية الوطنية الفلسطينية
ومشكلات حركة التحرر الفلسطيني والعربي

منذ ظهور القضية الفلسطينية في مطلع القرن العشرين وبعد الحرب العالمية الأولى برزت حقائق هامة تحدِّد المضمون الفعلي للقضية الوطنية الفلسطينية، فالصراع مع الهجرة الاستيطانية الصهيونية المتزايدة إلى فلسطين، كان في حقيقته صراعاً مع المخطط العام للإستعمار الغربي لتقاسم المناطق التي كات جزءاً من أراضي الإمبراطورية العثمانية في المشرق العربي، وازدياد الهجرة إلى فلسطين تم في الفترة اللاحقة للحرب حيث تقاسمت في نهايتها كل من بريطانيا وفرنسا أقطار المشرق العربي، ووقعت فلسطين من جراء ذلك التقاسم تحت النفوذ البريطاني وخلال الفترة ما بين الحربين برزت إلى جانب القضية الفلسطينية قضايا وطنية قومية للجماهير العربية في الأقطار المجاورة وكلما كانت نضالات الجماهير العربية تتصاعد في مواجهة الانتداب الفرنسي والبريطاني في سوريا والعراق وفلسطين كانت تتزايد أيضاً عملية الاستيطان الصهيوني في فلسطين.
ولئن كان التوافق تاماً بين مخططات القوى الإمبريالية والحركة الصهيونية منذ ظهور ما سُمِّي في القرن الماضي بالمسألة الشرقية وحتى اليوم، فذلك لأن قضية فلسطين والصراع حولها مثَّلت وما تزال تمثِّل عقدة المنطقة أي نقطة المركز في كل تطور ممكن. فالصهيونية لم تمثِّل يوماً تهديداً مباشراً للشعب الفلسطيني فحسب، بل لكل الأمة العربية ولطموحات جماهيرها في الوحدة والتحرر والتقدم. إن إقامة المستوطنة الصهيونية على أرض فلسطين تعني، من جملة ما تعني، تجزئة المنطقة العربية، وتجزئة قواها الاجتماعية لمنعها من أيّ تقدم ممكن. وليس من قبيل الصدفة أن يتزامن صدور وعد بلفور القاضي بتحويل فلسطين إلى دولة خاصة باليهود مع اتفاقيات سايكس – بيكو الهادفة إلى تجزئة منطقة المشرق العربي وتقاسمها بين القوّتين الإمبرياليتين العظميين آنذاك وهما فرنسا وبريطانيا.
إن احتلال فلسطين وإلغاء هويتها القومية وتشريد شعبها، من جهة، وتشكيل الكيانات القُطرية على ما تبقى من أراضي بلاد الشام، من جهة ثانية، والتطورات التاريخية التي نجمت عن هذه الخريطة السياسية التي أرغم العرب على الإنخراط فيها، من جهة ثالثة، هي جوهر التاريخ العربي الحديث لبلاد الشام على الخصوص وللمشرق العربي بشكل عام، وتمثّل إحدى أبرز مضامين القضية الوطنية الفلسطينية حتى الوقت الراهن.
فمن ناحية موضوعية وواقعية سار تاريخ الشعب الفلسطيني باتجاه معاكس لتطور شعوب الأمة العربية الأخرى الذي هو جزء منها. ففي الوقت الذي كان الشعب يسير من جراء تنفيذ المشروع الصهيوني على الأرض، نحو البعثرة القومية، كانت شعوب الأمة العربية الأخرى في بلاد الشام وفي غيرها تسير باتجاه التكوُّن القُطري وتشكيل الخصوصية على أرضها، وعبر كفاحها المناهض للهيمنة الاستعمارية المباشرة، ولقد تجلَّى ذلك كاتِّجاه تاريخي عام على شكل انشغالات مباشرة للحركات الإستقلالية والوطنية بتحرير أقطارها وبتشكيل الأدوات التنظيمية التي انخرطت في عملية التحرير، وهذا يعني أن حركة التحرر الفلسطينية طيلة الثلاثينات والأربعينات قد تركت موضوعياً وحيدة تواجه مصيرها الذي دفعت نحوه. كذلك يعني هذا تجزئة الحركة التحررية بعد أن كانت قد بدأت تسعى لتشكيل نفسها وتنظيم قواها قومياً، كما يعني كذلك أن المصلحة التاريخية لحركة التحرر الوطني الفلسطيني كانت، وما زالت، مرتبطة بالنهوض التحرري العام للمنطقة وبتوحيد أدوات النضال وتوحيد استراتيجية حركة التحرر العربية.
هذا يعني كذلك أن حركة التحرر الفلسطينية كانت خلال كل الفترة السابقة لنكبة 1948 ومن ناحية استراتيجية في وضع دفاعي تجاه الصهيونية والإمبريالية البريطانية، وفي ظل وضع عربي وودولي غير مناسبين البتة، وكان يترتب عليها، وما زال ذلك صحيحاً حتى الآن، أن تسعى إلى ربط حركتها بحركة التحرر العربية العامة ذلك لأن أي نهوض عربي عام ينعكس إيجابياً على حركة التحرر الفلسطينية، والعكس صحيح.
لقد أبرز التاريخ الحديث أن قضية فلسطين هي مركز أساسي في النضال القومي للجماهير العربية، وذلك باقترانها بشعارات الوحدة العربية والتقدم، وبالتحرر من التبعية والبعثرة والانقسام.
الوضع العربي منذ ما بعد العام 1948
إن السمة الرئيسية للوضع العالمي في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية في ظهور الإتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الإشتراكية كقوة عظمى تقف في وجه القوى الإمبريالية العالمية. وما نجز عن ذلك من دخول البشرية حقبة جديدة من الإستقطاب على الصعيد العالمي وانعكاساته على الصراع بين حركات التحرر والتقدم والسلام وقوى التخلف والإستغلال والعدوان ومن تراجع مكانة الإمبرياليات التقليدية، كإنكلترا وفرنسا إلى المرتبة الثانية، وظهور الولايات المتحدة الأمريكية كزعيمة جديدة للعالم الإمبريالي، ووراثة هذه الأخيرة لمعظم المناطق التي كانت الإمبرياليات التقليدية تهيمن عليها، وهذا يفسِّر تحول الحركة الصهيونية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتحوُّلها تدريجياً إلى قاعدة رئيسية من قواعدها في الشرق الأوسط بهدف كبح وكسر شوكة حركة التحرر العربية التي عرفت حالة من النهوض العام طوال الخمسينات والستينات، واستطاعت أن تتصدى لقوى الإستعمار القديم وأن تجبره على الرحيل والجلاء من أكثر من بلد عربي كما استطاعت قوى حركة التحرر العربية أن تتصدى لسياسة الأحلاف كما أسلفنا وأن تحرز عديداً من الإنجازات السياسية والإقتصادية والاجتماعية، وأن تفتح باب علاقاتها مع الإتحاد السوفيتي وباقي بلدان المنظومة الإشتراكية.
حزيران 1967 والفترة اللاحقة
منذ نكبة عام 1948، انخرطت جماهير الشعب العربي الفلسطيني التي شُرِّدت عن أرضها بنضال الجماهير العربية في الأقطار المتواجدة فيها ولعبت هذه الجماهير دوراً مؤثراً جنباً إلى جنب مع جماهير الأمة العربية، أما الجماهير العربية في فلسطين المحتلة، فقد أخذت تعبِّر عن نضالها بأشكال متعددة رغم كل أساليب القهر والتمييز العنصري والحصار التي فرضتها الدولة الصهيونية.
إن السمة الرئيسية والمميزة للفترة اللاحقة لقيام دولة العدو على صعيد حركة التحرر العربية هي بروز قوى طبقية جديدة لقيادة نضال الجماهير العربية، هي البرجوازية الصغيرة والفئات الوسطى الوطنية، ولقد لعبت الشعارات السياسية المتعلقة بقضية فلسطين والوحدة العربية عامل استقطاب واسع لحركة الجماهير مكّنت هذه الفئات الطبقية من الوصول إلى السلطة وإسقاط الأنظمة القديمة في كل من مصر وسوريا والعراق ومع وصول هذه الفئات إلى السلطة واجهت المهمات التي التفَّت حولها الجماهير لتحقيقها فكانت معارك تثبيت الإستقلال السياسي ومحاولات الخروج من دائرة الهيمنة الإمبريالية تمثَّل أهمها في معركة تأميم قناة السويس ثم في معركة تمويل بناء السدّ العالي وقرارات التأميم وقد برزت القضية الفلسطينية كجزء من عملية التطور الداخلي للبناء الجديدة للواقع العربي في مدلولات قيام العدو الصهيوني بالعدوان على مصر والأقطار العربية الأخرى وفي صراع الجماهير مع الأنظمة التابعة. وفي الدور الخاص للجماهير الفلسطينية في الأردن بصفتهم يشكِّلون ما يقارب ثلاثة أرباع السكان.
كما امتازت بداية مرحلة الستينات في اندماج الجماهير الفلسطينية بالنضال التحرري الوحدوي العربي وتقديم التضحيات إلى جانب الجماهير العربية في الأقطار التي توزع فيها الشعب الفلسطيني بعد الهزيمة وقيام كيان العدو، إلا أن الآمال التي علّقتها الجماهير العربية والفلسطينية على الأنظمة العربية في إنجاز مهمات التحرر القومي بما يعنيه من استغلال اقتصادي وسياسي واجتماعي وتحقيق الوحدة وتحرير فلسطين، كان مصير تلك الآمال الخيبة في عام 1967 حيث جاءت الهزيمة في هذا العام لتكشف واقع الأنظمة الفصام بين شعاراتها وممارساتها وعدم قدرة هياكلها السياسية والاجتماعية والعسكرية على خوض المعركة حتى النهاية مع الإمبريالية والصهيونية، ولقد كانت مقدمات الهزيمة قائمة في واقع الأنظمة وأبرزها:
أولاً: الممارسات القمعية ضد الحركة الجماهيرية وحرمان الشعب العربي من حقوقه الديمقراطية، وغياب التحالف بين القوى الوطنية والتقدمية وتلك الأنظمة من جراء ممارساتها القمعية.
ثانياً: فشل البرامج الوحدوية الخاصة بتلك الأنظمة بسبب ضعفها الاقتصادي من ناحية وحرصها على بقاء كيانها الإقليمي والذي يشكِّل قاعدة النظام، وخوفها من المواقف الإمبريالية والتي تعارض أي وحدة عربية.
ثالثاً: انتقال هذه الأنظمة إلى مرحلة رأسمالية الدولة من خلال نمو شرائح طبقية في المدينة والريف، مستفيدة من قوانين التأميم والإصلاح الزراعي، وبداية نمو وتراكم رأس المال بأيدي بعض الفئات الحاكمة من بيروقراطية عسكرية ومدنية وفي أجهزة الدولة والإدارة والمؤسسات، مما جنح بتلك الأنظمة إلى مزيد من مهادنة الإمبريالية والقوى المرتبطة بها.
رابعاً: التكوين المتخلِّف للجيوش المحترفة وغياب كل دور للجماهير في الدفاع عن الوطن.
خامساً: إصابة الجماهير بحالة اليأس والتراخي النضالي بسبب تغييب دورها والأزمات التي تعيشها التنظيمات سواء في السلطة أم خارجها.
إن حدوث هزيمة حزيران 1967 بسبب تلك العوامل الناتجة عن طبيعة الأنظمة وسياستها وممارساتها، وقدرة العدو القومي على إلحاق الهزيمة في أيام محدودة بحركة التحرر العربية، إنْ دلَّ على شيء قائماً يدلّ على مضمون القضية الوطنية الفلسطينية، كقضية تحرر قومي للجماهير العربية وأيضاً، مرتبطة بأحداث تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية في الواقع العربي تدفع عجلة التقدم الحضاري للأمام، وتُسقِط مصالح الإمبريالية وحلفائها في مسار حركتها فالقضية الوطنية الفلسطينية وعلى ضوء دروس هزيمة حزيران وتاريخ النضال الوطني الفلسطيني والعربي منذ مطلع القرن العشرين حتى اليوم، مرتبطة عضوياً وبشكل لا يقبل التجزئة مع مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية للأمة العربية في مواجهة الحلف الإمبريالي الصهيوني والقوى المرتبطة وعلى طريق تحقيق التحرر الكامل من التبعة بمختلف أشكالها وإعادة بناء المجتمع العربي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً بما يتناسب والتقدم الحضاري الذي وصلته الإنسانية والأفق الحضاري الذي تتحرك نحوه. وبالتالي فإن العجز التاريخي لطبقات متعاقبة عن إنجاز مرحلة التحرر الوطني الديمقراطي العربي هو إطار العجز نفسه عن حل مسألة الصراع مع الصهيونية في فلسطين وإنجاز قضية التحرر الوطني الفلسطينية.
المقاومة الفلسطينية وتطورات ما بعد الهزيمة
وأخطاء الاتجاهات الإستسلامية

إن الواقع الخاص للجماهير الفلسطينية الناتج عن تشرد جزء كبير منها، وإحساسها اليومي بالقهر الاجتماعي والوطني والقومي لعب دوراً موضوعياً في استعدادها للإستجابة لكل مبادرة وطنية قومية تقدمية فقد انخرطت الجماهير الفلسطينية بالنضال القومي التحرري في المرحلة الناصرية وخاضت معارك وطنية مستمرة ونمَتْ الاتجاهات الوطنية والتقدمية بين جماهير فلسطين المحتلة التي عبرت بنضالها عن الجذور العميقة للنضال الوطني الفلسطيني والاستعداد الدائم للمبادرة الكفاحية لحل المسألة الوطنية.
ومع بداية الإخفاقات التي أصابت حركة الجماهير من جراء فقدانها للآمال المعلَّقة على أنظمة الحكم الوطنية، وقبل أن تظهر تماماً أزمة تلك الأنظمة، تلمَّس البعض مأزقها في حل القضية الفلسطينية، وكشف عن نقطة هامة وأساسية تتعلق بمسألة الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني، فتكوَّنت في إطار ذلك التلمُّس اتجاهات وطنية فلسطينية مستقلة نسبياً عن إطارات العمل الوطني العربي، وبدأت منذ عام 1965 شنّ هجمات مسلحة ضد العدو الصهيوني، واستمرت تلك النضالات في النمو حتى حزيران 1967 والهزيمة التي خلقت مناخاً نضالياً وجماهيرياً وخصوصاً في أوساط الشعب الفلسطيني وكذلك في صفوف الجماهير العربية ساعد في وضع شعارات الكفاح المسلح موضع تطبيق وهو ما كانت الأنظمة قد عجزت عنه، وهو أيضاً ما منع الأنظمة من إعلان موقفها المعادي لخطّ الكفاح الشعبي المسلّح، ولمنظمات الشعب الفلسطيني المختلفة، بوضوح وعلانية.
وبنفس الوقت وضعت ظاهرة التطور الواسع في النضال المسلح للشعب الفلسطيني قيادات المقاومة أمام المعضلات الرئيسية للنضال الوطني، فبعد الشهور الأولى التي أعقبت هزيمة حزيران والنهوض الوطني العام، وخاصة في البلدان المحيطة بفلسطين، لم تعد قضية الكفاح المسلح قضية تقنية تنصبّ الاهتمامات حولها، إنما برز الجانب السياسي المتعلق بموقف الأنظمة العربية من الكفاح المسلح، وموقف المقاومة من مشكلات الأنظمة وسياساتها تجاه القضية الفلسطينية، أي بمعنى آخر أن قضية النضال الوطني الفلسطيني قد برزت موضوعياً في إطار المهمات القومية ومشكلات التحرر العربي العام، وتجسّد ذلك في قضايا محدَّدة.
1. العلاقة بين مهمات التحرر الفلسطيني ومهمات التحرر من الإمبريالية وتجلِّياتها في الوطن العربي.
2. العلاقة بين المقاومة الفلسطينية وأنظمة الحكم العربية وحاجات التطور النضالي للعمل المسلح، وما تقتضيه من أشكال التعبئة الجماهيرية في الأقطار التي يتواجد فيها الفلسطينيون، ووقوف تلك الأنظمة بوجه التعبئة المطلوبة وفرض العديد من القيود على حرِّية المقاومة. وبالمقابل عدم طرح المقاومة حلولاً عملية لتلك المسألة، لأن حلّها العملي لن يكون خارج الارتباط العضوي بين مهمات التحرر الفلسطيني والتحرر العربي العام.
3. الموقف من الأنظمة التي تمارس سياسات اجتماعية واقتصادية وسياسية في خدمة الإمبريالية، تهدف فيما تهدف له قمع حركة التحرر العربية، وتسهيل تحقيق أهداف العدو الإمبريالي الصهيوني في استثمار عدوان حزيران 1967.
وما لبثت أن برزت أخطار غياب موقف ثوري من تلك القضايا عند انتقال، القوى المضادة إلى الهجوم، وتجسدت هذه الأخطار في أيلول 1970 وتموز 1971 في الأردن، وتجسَّدت هذه كذلك فيما بعد في لبنان نتيجة عدم الوعي الكامل بشروط وطبيعة مهمات التحالف ع حركة التحرر العربية وضروراتها.
كانت أحداث أيلول 1970، موضوعياً، محصِّلةة للأوضاع السائدة في الواقع العربي، تلك الأوضاع التي استمرت في الإنحدار بالعديد من الأنظمة نحو مواقع التبعية الاقتصادية والسياسية الإمبريالية والاستعداد للتفريط بالحقوق الوطنية والقومية للجماهير العربية والفلسطينية، ومنذ هزيمة 1967 أخذت في البروز أكثر فأكثر اتجاهات المصالحة العربية تحت شعارات التضامن، على حساب أهداف حركة المقاومة الفلسطينية وحركة التحرر العربية، وبالتالي الإنفتاح على الإقتصاد الإمبريالي، بشكل واسع على حساب العلاقة مع الإتحاد السوفيتي والبلدان الإشتراكية وبلدان عدم الإنحياز وعلى المستوى الداخلي وبرزت في العديد من البلدان العربية عملية إعادة تكوين العلاقات باتجاه التحالف والإندماج مع مصالح القوى القديمة التي هُزمت أثناء المعارك الوطنية والقومية في الخمسينات وبداية الستينات، وعبَّر عن ذلك كله بالموقف من قضية الصراع مع العدو الصهيوني الإمبريالي بإعلان الاستعداد لقبول مبدأ التعايش مع الكيان الصهيوني تحت شعار الحلّ السلمي للصراع العربي الصهيوني.
ومرة أخرى برزت حقيقة القضية الفلسطينية في ضرورة ارتباطها بقضايا التحرر العربي، فاتجاه المساومة مع العدو الوطني والقومي ليس هو الرد المنطقي والطبيعي على سياسات العدو والذي يحفظ لجماهير الأمة العربية حقوقها وطموحاتها، ولم تفشل قيادة المقاومة في تجاوز هذا الواقع فحسب، بل انتقلت إليها أفكار ومواقف تدعو للقبول بتسويات للصراع هي في واقعها تسويات لصالح الإمبريالية والصهيونية والقوى المرتبطة بها على المستوى المحلي والقومي، وهي نتيجة طبيعية لميزان القوى في المنطقة.
وتوضَّحت أيضاً أخطار تلك السياسة بما استطاعت أن تحقِّقه القوى المعادية من تنفيذ لمخططاتها ضد مصالح أوسع الطبقات الشعبية والحركة الوطنية العربية على امتداد الوطني العربي، وتوضَّحت كذلك خطورة قبول قيادات المقاومة بمبدأ إمكانية الحلّ السلمي للصراع من خلال استخدام هذا القبول كسلاح من قِبل الأنظمة المنخرطة في لعبة التسوية لتضليل الجماهير وقمع كل تحرك مناهض لسياستها، وتجلّى هذا الوضع في سياسات البلدان المسمّاة ببلدان «الطوق» بصورة أساسية وهي في سياسات بلدان عربية أخرى بصورة متفاوتة، وما زال العدو والإمبريالية الصهيونية يحاول من خلال لعبة التسوية انتزاع الاعتراف الفلسطيني بالكيان الصهيوني والتخلي عن حقوق وطنية أساسية للشعب الفلسطيني.
طبيعة المشروع الإمبريالي:
شكَّلت القاعدة الصهيونية على أرض فلسطين الحلقة الأساسية في البرنامج الإمبريالي للسيطرة على المنطقة، وضمان استمرار النهب لثرواتها وإبقاؤها سوقاً للإنتاج الإمبريالي، وموقعاً هاماً في استراتيجيتها العدوانية عبر تعاون مختلف البلدان الإمبريالية. وهي تتلقى مختلف أشكال الدعم للحفاظ على وجودها، وتطوير دورها، كأداة في خدمة البرنامج الإمبريالي.
وقد عملت الإمبريالية على تدعيم هذا الدور بتعزيز ركائز عميلة في المنطقة، تشكل مع القاعدة الصهيونية، أدوات تحفظ استمرار تنفيذ برنامجها الاستراتيجي. إلا أن النهوض الجماهيري والوطني في المنطقة جعلها تركِّز بالدرجة الأولى على هذه القاعدة كصمام أمان في تنفيذ برنامجها، وبالمقابل فقد وعت جماهير شعبنا والجماهير العربية عامة وقواها الوطنية التقدمية طبيعة الدور المناط بهذه القاعدة، فخاضت منذ بداية هذا القرن مختلفة أشكال النضال ضدها.
مع تصاعد دور حركة التحرر العربية كانت الإمبريالية والصهيونية، تلجآن دوماً إما إلى العدوان أو إلى المناورة لامتصاص هذا التصاعد. وقد أثبت تطوُّر الواقع العربي منذ بدايات هذا القرن قدرة الإمبريالية على الإلتفاف على انتصارات الجماهير العربية وقواها الوطنية في مرحلة التحرر القومي العربي، ثم الإنقضاض لتصفيتها، والإجهاز عليها، والعودة إلى إلحاق بلدانها للإرتباط بها، تبعاً لتطوُّر دورها الجديد في خدمة الإمبريالية. ومن هنا يتضح التناقض العدائي بين البرنامج الإمبريالي الصهيوني وبين حركة التحرر الوطني العربية في آفاق تطورها وتحقيق استقلالها الناجز والمتكامل، وقد ازدادت مؤامرات الإمبريالية والصهيونية منذ هزيمة عام 1967 لجني ثمار تلك الهزيمة منطلقة من سلسلة مشاريع على الصعيد الدولي والعربي على قاعدة وأرضية برنامجها للتصفية والسيطرة.
إن المعارك الشرسة التي سنَّتها بعض القوى الرجعية العربية المتحالفة مع الإمبريالية (وبعضها متحالف علناً مع الصهيونية) لتصفية المقاومة الفلسطينية، ومحاولة أطراف أخرى مرتبطة إجهاض حركة المقاومة من الداخل والسعي لاستثمار النتائج التي أحدثتها الضربات المتلاحقة ضد منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك تضييق الخناق العربي الرسمي عليها، تؤكد على أن سياسة التسوية ما هي إلا التصفية الكاملة للقضية الوطنية الفلسطينية ولكل القوى الوطنية العربية التي تهدد الاستراتيجية الإمبريالية في المنطقة وتُبرِز حقيقة الوهم بإمكانية حلول سلمية في الظروف الراهنة عربياً وفلسطينياً، إضافة إلى الوهم المتعلق بالفهم الخاطئ للقاعدة الصهيونية، ومن بديهيات المنطق السليم وفي كل الثورات والانتفاضات الوطنية لكل الشعوب هي إقامة سلطتها على أي منطقة يتمّ تحريرها في مجرى الكفاح، ولكن ما يواجه حركة المقاومة الفلسطينية منذ بدء طرح منطق التسوية حتى الآن ليس هذا بل مساعي التصفية السياسية لقضية فلسطين عبر تصفية منظمة التحرير بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والتي بدئ يشقّها وضربها من الداخل والخارج وتحطيم مؤسساتها العسكرية والسياسية.
إن الإطار الذي جرت وتجري فيه المساعي الإمبريالية والصهيونية الرجعية لإنجاز البرنامج الإمبريالي هو إطار تكريس التجزئة في الواقع العربي وتكريس التبعية والتخلف وتوطيدهما وزيادة وتيرة القمع المعادي للجماهير والدخول في الأحلاف الإمبريالية العدوانية وزيادة القواعد العسكرية في المنطقة العربية وعلى الصعيد العسكرية زيادة الفاعلية العسكرية للقاعدة الصهيونية.
إن تصاعد النضال الفلسطيني، وتطور حركة التحرر الوطني العربية يتناقض أساساً مع المشروع الإمبريالي للتسوية، وإن الإخلال بموازين القوى لصالح حركة التحرر العربية هو الطريق الوحيد للنصر.
إن المهمة الراهنة لحركة المقاومة الفلسطينية والقوى الوطنية التقدمية العربية تتمثل أساساً في ضرورة الحفاظ على وجودها المسلح والوطني والتصدي لمؤامرة تعميم اتفاقيات كامب ديفيد التي يقوم جوهرها على عزل القضايا القُطرية عن قضية العرب المركزية قضية فلسطين.

إطار حل القضية الفلسطينية
هو إطار حلّ القضاياالإساسية لحركة التحرر العربي

منذ لحظات الصراع الأولى ضد الهجرة والاستيطان في فلسطين مع مطلع القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة التي يجري فيها الصراع ضد الاستسلام للعدو الإمبريالي الصهيوني، برز الترابط العضوي بين القضية الفلسطينية وقضايا حركة التحرر العربية وبتعبير أدق برزت القضية الفلسطينية كقضية أساسية من قضايا حركة التحرر العربية، وما الانتكاسات المتتالية التي أصابت الجماهير الفلسطينية والعربية سوى نتيجة البرامج التي سادت والقوى التي قادت النضال الجماهيري العربي منذ الحرب العالمية الأولى وحتى المرحلة الراهنة، فلقد تعاقبت شرائح اجتماعية مختلفة على قيادة النضال العربي لم تكن ذات مصلحة في الوصول إلى حل جذري للمسألة الوطنية والقومية للشعوب تأخذ مضموناً متصادماً كلياً مع السيطرة الإمبريالية وما تعنيه في البنى المحلية من أشكال اقتصادية وسياسية.
لقد بقيت قضايا التحرر العربية الأساسية والمركزية دون حل يحقق المصالح الفعلية للجماهير، وهذه القضايا هي:
أولاً: الوحدة العربية
إن تجزئة الوطن العربي كانت أحد المرتكزات التي استند عليها الاستعمار منذ بدء دخوله المتعدد الأشكال إلى بلادنا وحتى اليوم، حيث أصبح أي نضال جدِّي لإسقاط السيطرة الإستعمارية يتطلَّب نضالاً من أجل الوحدة وإنهاء التجزئة، كما أن أي تقدم حضاري، اقتصادي واجتماعي، للأمة العربية كان وما يزال مرهوناً بوحدتها القومية وسيطرتها على ثرواتها وإقامة صناعتها الوطنية وتحقيق ثروتها الزراعية ووحدة سوقها، وفي مواجهة هذه المهمة مارست الطبقات والفئات الاجتماعية التي تعاقبت على السلطة سياسة تعبِّر عن واقعها ومصالحها الذاتية بالدرجة الأولى والتي لا تسمح بتصادم كامل مع الاستعمار بالاعتماد على الجماهير، ففشلت في إنجاز الأشكال الوحدوية المعبِّرة فعلاً عن المصالح الملحّة لهذه الجماهير.
إن النماذج الوحدوية التي عرفها العرب في تاريخهم الحديث أثبتت أن حماية الإنجازات الوحدوية وتطوّرها لا تتم إلا عبر جبهة وطنية تشارك فيها كافة القوى الطبقية والسياسية التي لها مصلحة في الوحدة وبإرساء الديمقراطية وبإعطاء الوحدة مضمونها الطبقي المعبّر عن مصالح أوسع الجماهير الكادحة.
على سبيل المثال فالظروف التي نجحت فيها القوى الرجعية الاستعمارية بإسقاط وحدة عام 1958 بين مصر وسوريا، كانت ظروف ابتعاد الجماهير وغيابها وتعرُّض مؤسساتها النقابية والديمقراطية للقمع والتنكيل.

ثانياً: التقدم الاجتماعية والاقتصادي
أدَّت عملية النهب الإمبريالي لثروات الوطن العربي ومشاركة قوى الرجعية المرتبطة في ذلك النهب إلى ترسيخ وتعميق حالة التخلف الاقتصادي والاجتماعي، والتدهور المريع في أوضاعها المعيشية الذي تعيشه الجماهير العربية حالياً، حيث ألحقت الضرر البالغ بمصالح طبقات العمّال والفلاحين والبرجوازية الصغيرة، ووضعتها في ظروف البؤس الاجتماعي الشديد الذي يشكّل في حالة التنجزئة السياسية القائمة حالياً وفي حالة غياب الحريات معيقاً حقيقياً للتحرر الوطني والقومي، ومشتتاً لطاقات الجماهير النضالية، إضافة إلى حرمانها من ثرواتها الوطنية.
إن تجاوز حالة الإخفاق الراهنة وإحداث تطور اقتصادي واجتماعي وسياسي على مستوى أهداف حركة التحرر العربية يتطلب إنهاء الارتباط بالسوق الإمبريالية وضرب أشكال الاستغلال الداخلية عن طريق تحالف الطبقات المستغَلَّة (بفتح الغين) ضمن جبهة موحَّدة، نضالية ومعادية للإمبريالية والقوى المرتبطة بها توفّر الحريات الديمقراطية بكل ما تعنيها هذه الحريات من نشاطات اجتماعية وسياسية ونقابية.

ثالثاً: الديمقراطية
أحدثت الثورة البرجوازية في البلدان الأوروبية تحطيماً كاملاً لمرتكزات الإقطاع والاستبداد الرجعي (اقتصادياً وسياسياً وثقافياً) معبِّرة بذلك عن حاجات التطور البرجوازي الرأسمالي بإطار الدولة القومية في مراحل صعودها، وقبل دخولها أزمتها الانتقالية للمرحلة الاستعمارية الإمبريالية.
في سياق صعودها أنجزت البرجوازية الأوروبية شكلاً من الديمقراطية موفِّرة حرية المعتقد للمواطن، والمساواة النسبية للمرأة، ومكرّسة حرية الصحافة والتنظيم السياسي والنقابي لمختلف الطبقات والفئات، ومقيمة أشكال الحكم على الأساس البرلماني الديمقراطي وحق المواطن الانتخاب والترشيح مما ساعد الجماهير على التحرر من جزء واسع من التركة الأيديولوجية الرجعية، وساعد أيضاً على توفير الاستعدادات الفكرية والسياسية لنهوض الطبقات المستغَلَّة في مراحل أزمات الإمبريالية التي يشتدّ فيها البؤس الاجتماعي والاستغلال والاضطهاد.
وفي وطننا العربي ومشرقه على وجه الخصوص لم تستطع البرجوازية توفير مثل هذه الديمقراطية في مرحلة الاستقلال الوطني. أولاً بسبب طبيعة القوى التي استلمت مقاليد الحكم وهي قوى تحالف الملاكين العقاريين مع البرجوازية التي ارتبطت بالإمبريالية أو القوى المؤلفة من الشرائح العليا للبرجوازية والتي حافظت أيضاً على نمط العلاقات القديمة.
بعد سقوط سلطة الشرائح العليا في العديد من الأقطار العربية لم تستطع بعض الشرائح من البرجوازية الصغيرة توفير الحد الأدنى من الحريات الديمقراطية للجماهير خوفاً على مصالحها التي تحققت من خلال استلامها للسلطة وتفرُّدها بالحكم بعيداً عن بقية الطبقات، ونتيجة للعُزلة التي أحاطت بها هذه القوى نفسها، اتجهت إلى التحالف مع المرجعيات القديمة سواء في بلدانها أو في البلدان التي لا تزال محكومة من قِبل هذه الرجعيات.
إن قضية الديمقراطية مرتبطة بالمصالح الحقيقية للطبقات التي يهمها إلغاء الاستغلال وتوفير العدالة الاجتماعية والتصدي للإمبريالية والصهيونية وإنجاز الأهداف الوطنية والقومية. ذلك لأن الديمقراطية في ظل البعثرة القائمة وسيادة المناخ الطائفي وما يعنيه من بعثرة وتفتيت، تشكِّل الأرضية الحقيقية لتجاوز المأزق الحالي الذي تواجهه حركة التحرر العربية وإعادة اللُّحمة الاجتماعية للوطن الممزّق، الديمقراطية تصبح في هذه الحالة أحد أهم الشروط الموضوعية لإنهاض حركة التحرر العربية وتجاوزها لمحنتها، وبنفس الوقت إطاراً يُسهِم في إخراج حركة التحرر الوطني الفلسطينية من وضعها ومأزقها الذي تعيشه والذي يتمثَّل أساساً في عزلها عن ظهيرها ومحيطها الطبيعي وهو الجماهير الفلسطينية والعربية الحرة.

رابعاً: تحرير فلسطين
كلَّما تقدّمت حركة التحرر العربية في نضالها، كلما برزت القضية الفلسطينية كجزء رئيسي ومركزي متداخلة مع مهماتها الأخرى، ولم تنفصل القضية الفلسطينية عن قضايا النضال العربي بسبب الدّور المناط بالكيان الصهيوني على امتداد تاريخه والذي سجّل حتى الآن الأحداث الهامة التالية:
1. عدوان 1956 بالتحالف مع بريطانيا وفرنسا لإعادة فرض السيطرة الاستعمارية على مصر وثرواتها ووقف التقدم الوطني والاجتماعي لجماهيرها.
2. تهديد دولة الوحدة التي قامت بين مصر وسوريا عام 1958 حيث شهدت تلك الفترة أكبر عدد من الاعتداءات والتحرُّشات العسكرية الصهيونية على الحدود الشمالية لفلسطين.
3. إعلان التعبئة العامة والسماح للقوات البريطانية بعبور أجواء فلسطين المحتلة في 14 تموز 1958 عام الثورة العراقية، وكذلك في عام 1961 للدفاع عن قادة الانفصال في سوريا.
4. عدوان عام 1967 الذي استهدف وقف التحوُّلات التقدمية في المنطقة وإعادة ربط الأنظمة التي خرجت عن طاعة الإمبريالية بالسياسة الاستعمارية للإحتكارات الأمريكية ودفع الأنظمة نحو منع النشاط الوطني للشعب الفلسطيني الذي أخذ آنذاك شكل عمليات مسلحة من قِبل العدو الصهيوني.
5. موقف العدو وتهديده بالتدخل إبّان أحداث أيلول 1970 في الأردن.
6. موقف العدو من الجماهير اللبنانية الوطنية وتهديده المستمر للحركة الوطنية اللبنانية، وسلسلة الاعتداءات على جنوب لبنان ودعمه للقوى الرجعية والطائفية، وأخيراً اجتياحه للبنان ولعاصمته بيروت.
7. احتلال العدو وعبر حروب متكرِّرة لأجزاء كبيرة من أراضي مصر وسوريا ولبنان وتثبيت وجوده في هذه الأراضي على أساس عسكرية عدوانية، ونهب ثرواتها الزراعية والمعدنية والنفطية والمالية.
8. تدمير محوِّلات الأمة العربية للتقدم العِلمي والحضاري من خلال استنزاف ثرواتها في التسلح لردّ العدوان والتهديد بالعدوان، والتدمير المباشر لمشاريع التقدم الحضاري كما حصل في تدمير المفاعل النووي العراقي والتهديد بتدمير السدّ العالي والبُنية الأساسي لاقتصاديات بعض البلدان العربية.
9. اللجوء للتهديد النووي لإرهاب حركة التحرر الوطني الفلسطينية والعربية.
10. اللجوء إلى محاولات تفتيت الأمة العربية من خلال تغذية النعرات الطائفية والقومية والإثنية كما يحصل في لبنان والعراق وسوريا والسودان ومصر.
11. تغذية التناقضات المحلية والدولية بما يخدم مصالحها كما يحصل في القارة الأفريقية وكما يحصل في دعم إيران في الحرب مع العراق.
12. دعم ومؤازرة كل الأنظمة الفاشية والعنصرية في العالم والتي على نقيض مع حركات التحرر الوطني بما فيها حركة التحرر الوطني العربية، والتي هي على نقيض أيضاً مع البلدان الإشتراكية وقوى التقدم والسلام في العالم.
13. توقيع الكيان الصهيوني على اتفاقية التعاون الاستراتيجي مع زعيمة الإمبريالية والعدوان في العالم، الولايات المتحدة، لمواجهة الأمة العربية وقوى الثورة العالمية.
بالإضافة إلى ذلك فإن نشاطها التجسُّسي الدائم على البلدان العربية وحركات تحررها، وقيامها بأعمال تخريبية عسكرية، وتنشيط دور الحركة الصهيونية بأوساط اليهود العرب الموزّعين على عدة أقطار، وسعيها إلى السيطرة التدريجية على الثروات والأسواق، والإفصاح الدائم عن الأطماع التوسعية في جنوب لبنان والضفة الشرقية لنهر الأردن ومناطق جديدة من سوريا.
إن الوقائع السابقة تشكِّل دلائل واضحة على طبيعة الصراع مع القاعدة الصهيونية بأنها طبيعة متداخلة مع كل القضايا الأساسية لحركة التحرر العربية وأي تقدُّم لإيجاد حلّ لتلك القضايا بما يخدم مصالح الأمة العربية يصطدم مباشرة بالعدو الصهيوني الذي يقوم بوظيفة الدفاع الإمبريالية في المنطقة ضد الحركات التحررية ومصالح الجماهير.

خامساً: أداة النضال
إن مرحلة التحرر الوطني التي تعني في وطننا التصدي للإمبريالية وتحرير فلسطين، وإنجاز الوحدة العربية، وتوفير الحريات الديمقراطية، وتحرير الاقتصاد من الاحتكارات الإمبريالية، وإحلال العدالة الاجتماعية محلّ الاستغلال والقهر، يتطلّب بالضرورة اتحاد كافة القوى الوطنية والتقدمية في عموم أنحاء الوطن العربي لإنجاز هذه المهام الجِسام.
ونظراً للظروف الخاصة في كل قُطر والخصوصيات الإقليمية التي تكرَّست عبر سنوات التجزئة، فإن لكل قُطر أولوياته الخاصة به مما يفرض بالضرورة قيام جبهات وطنية في كل قُطر على حِدة للتصدي لمهام النضال في هذا القُطر.
وفي الساحة الفلسطينية فإن الجبهة الوطنية المتحدة هي الشكل الأرقى لوحدة وطنية فلسطينية إطارها منظمة التحرير الفلسطينية تقود النضال الوطني بمختلف جوانبه العسكرية والسياسية وبحق كل طرف من أطراف الجبهة في التنظيم والتعبئة والإعلام والعلاقات والاعتقاد الأيديولوجي والتعبير.
إن الجبهة الوطنية الفلسطينية المتحدة هي الأداة الوحيدة القادرة على إخراج مجمل حركة المقاومة من خطر الاحتواء والوصاية، وهي الوحيدة القادرة عن جدارة على حفظ القرار الوطني الفلسطيني فلسطينياً بعيداً عن الهيمنة ومحاولات فرض المواقف التي تتناقض في جوهرها مع خطّ الناضل الذي اختطّه شعبنا العربي الفلسطيني لتحرير وطنه.

سادساً:الشكل الرئيسي للنضال
إن التطور التاريخي لحركة التحرر الوطني العربية، ولنضال الشعوب في عصرنا، قد أثبت أن الدور القيادي للطبقة العاملة بتحالفها مع الطبقات والشرائح الوطنية الأخرى هو العامل الحاسم في إنجاز كامل مهمات مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية.
إن طبيعة الحلف الذي تتشكل منه القوى المعادية وتناقضه الحادّ مع قوى التحرُّر والتقدم على الصعيد العربي ومن خلال التجربة العامة للشعوب في مواجهة السيطرة الاستعمارية والإمبريالية وثبات طريق المواجهة المسلحة كطريق أساسي لدحر الإمبريالية وحلفائها، وتجربة الشعب العربي في النضال ضد القوى المعادية والقمع الشرس الذي تستخدمه تلك القوى في مواجهة النضالات التحررية مضافاً إلى ذلك الطبيعة الخاصة للكيان الصهيوني الإستيطاني في فلسطين كترسانة سلاح وبؤرة قمع وعدوان مستمر على حركة التحرر العربية، كل ذلك يجعل الطريق الأساسي لحسم الصراع مع العدو هو العنف المسلح والمنظم الذي تخوضه الجماهير بكل طبقاتها الوطنية، وبقيادة جبهة وطنية متحدة واسعة. إن إمكانية تحقيق نصر سريع وخاطف على التحالف المعادي مستحيلة، والعنف المسلح لتحطيم المعسكر المعادي سيكون طويل المدى ومتنوع الأشكال بحكم تنوُّع واختلاف المعسكر المعادي ولكن مضمونه الرئيسي هو الاعتماد على الجماهير المنظَّمة والمسلَّحة والمدرَّبة جيداً والتي ستتطوّر قدراتها على مدى الصراع الطويل لتفرز جيوشاً منظَّمة ذات فاعلية عالية في المواجهة.
إن تحقيق النصر لا يحدث بضربة واحدة خاطفة، والنصر الكبير الحاسم هو نتيجة جملة من الانتصارات الجزئية التي تحقق في خاتمة المطاف إخلالاً كبيراً في موازين القوى لصالح قوى التحرر والتقدم، ونقلة نوعية تكون الشرط الحاسم لتحقيق الأهداف الكبرى. من هنا تأتي الأهمية الكبرى لأشكال النضال الأخرى وأهمية توظيفها واستثمارها بالانسجام وبالتضافر مع الشكل الرئيسي للنضال، ومن أجل تحقيق النصر.
وينبغي، ما دام الأمر كذلك، ألاَّ يتم نسيان هذه الحقيقة الواضحة وعدم الاستهانة بأي شكل من أشكال النضال، السياسية والدعاوية والتعبوية والتنظيمية الجماهيرية لأنه من دونها يفقد الشكل الرئيسي للنضال أهم شرط من الشروط ألا وهو بُعده السياسي.





قوى الثورة العالمية وموقع
حركة التحرر العربية فيها

لا تهدد قوى الإمبريالية والصهيونية والفاشية والأنظمة العنصرية حركة تحررنا العربي فقط، إنما تشكّل خطراً وتهديداً دائماً للشعوب وحركات تحررها وأنظمتها واستقلالها، وتعرِّض من أجل حماية مصالحها الاستغلالية السلام العالمي للخطر، وتمارس كل أنواع النهب والقمع ضد الشعوب بما فيها شعوب البلدان الإمبريالية نفسها. وفي المسيرة النضالية للشعوب وحركات تحرّرها، ورغم كل الوسائل القمعية والحروب الكبرى التي خاضتها الإمبريالية دفاعاً عن مصالحها، تمكّنت شعوب الاتحاد السوفييتي من إحراز انتصارها التاريخية مدشِّنةً عصراً جديداً في الحضارة الإنسانية، وسرعان ما انعكست الآثار الإيجابية لهذا الانتصار على تطوُّر المسيرة التحررية الوطنية والقومية والاجتماعية في كل أنحاء العالم. ومنذ انتصار أكتوبر 1917 وحتى هذه المرحلة تحققت عدة انتصارات هامة أخرى في النضال ضد الإمبريالية وحلفائها المحليين، وتكوّنت عدة أنظمة اشتراكية في أوروبا وآسيا وانتصر العديد من حركات التحرر في أفريقيا وأميركا اللاتينيةن واتَّسعت نضالات الشعوب الأوروبية بتأثير هذه الانتصارات من خلال النضال المعادي للإمبريالية وتوابعها تأكدت العلاقة الموضوعية في مختلف أطراف القوى المناهضة للإمبريالية، وتأكد أيضاً استحالة إلحاق هزيمة فعلية بالإمبريالية وأدواتها بمعزل عن التحالف الوطيد بين قوى حركة التحرر الوطني للشعوب بين البلدان الإشتراكية وطليعتها الإتحاد السوفييتي، والأحزاب التقدمية في البلدان الرأسمالية.
إن حركة التحرر العربي والفلسطيني كفصيل من قوى حركات التحرر القومي والوطني في العالم، تجد سنداً ودعماً قوياً لها في الإنتصارات والنضالات التي تحققها وتخوضها مختلف الشعوب في مواجهة الإمبريالية وأدواتها التابعة والعنصرية. وتستند نضالات الشعوب في مواجهة الإمبريالية إلى القوة الإستراتيجية للإتحاد السوفييتي والبلدان الإشتراكية وقدرتها على لجم الغطرسة العدوانية للإمبريالية، وفي تقديمها الدعم المعنوي لنضال الشعوب ولقد وجدت حركة التحرر العربية في معاركها العديدة السند والدعم في البلدان الإشتراكية. ولقد لعبت الأحزاب بالتقدمية في البلدان الرأسمالية دوراً مهماً في مواجهة الإمبريالية وفضح ممارساتها ضد الشعوب وفي نضالاتها الطبقية ضد الاحتكار والاستغلال، وفي مواجهتها للسياسة العدوانية وفي وقوفها في وجه الميول المدمّرة للسياسة الإمبريالية تجاه السلام العالمي وأن مؤدَّى الدور الذي تحققه نضالات الأحزاب التقدمية في البلدان الرأسمالية هو إضافة ثقل كمِّي ونوعي لمعسكر المواجهة الثوري العالمي بقواه المتعدِّدة.
ولا يقلّ دور حركة التحرر العربية أهمية في مواجهته للإمبريالية عن دور الأطراف الأخرى في حركات التحرر العالمي وفي معسكر الثورة العالمية، ذلك لأن أهمية تحرير الوطن العربي واقتصاده وثرواته تتعدَّى إطار المصلحة الوطنية والقومية لأن إنجاز التحرر ودحر الاحتكارات الإمبريالية في بلادنا سيهزّ مجمل الاقتصاد الإمبريالي ويلحق بسياستها هزيمة كبرى تساعد على تطوُّر نضال كافة الشعوب بما فيها الشعوب الأوروبية، وتسرع في انتصار قواها التقدمية.
كما أن الموقع المؤثر للوطن العربي بين القارات الثلاثة وإشرافه على ممرات مائية وموانئ استراتيجية اقتصادية وعسكرية سيوجّه ضربة قاسية للإمبريالية التي تستخدم هذه الممرات والموانئ لأغراضها العدوانية والإحتكارية.
إن الأهمية الأخرى التي تبرز في إطار نضال حركة التحرر العربية هي تصدِّيها لمهمة إسقاط الصهيونية وكيانها العدواني العنصري في فلسطين، إذ تلعب الصهيونية منذ نشأتها دوراً تخريبياً نضال الطبقات المستغلة ضد رأس المال، وما زالت كحركة عنصرية رجعية إمبريالية تقوم بدور التجسُّس والتخريب على حركات التحرر في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وتقوم بتنفيذ سياسة الإمبريالية في مناهضة البلدان الإشتراكية من خلال التحريض والدعاية لتقليب يهود البلدان الإشتراكية ضد النظام الإشتراكي.
على ضوءما سبق، يمكن القول، إن حركة التحرر العربية هي جزء من قوى الثورة العالمية في مواجهة الإمبريالية وأدواتها، وانتصارها هو انتصار لخطة الثورة العالمية بقواها المختلفة في مواجهة الحلف المعادي، وهي جديرة بالدعم والتأييد من كل فصائل وأطراف الثورة العالمية وقدرتها على تحقيق مهماتها لا تأتي خارج إطار التحالف الإستراتيجية مع كل القوى المناهضة للإمبريالية، ومن أُولى مهماتها السعي لإيجاد أوثق التحالفات مع قوى الثورة العالمية بأطرافها المتعددة.

جبهة التحرير الفلسطينية
تونس 1985

Developed by: Hassan Dbouk