التكوين والتأسيس

توطئة لها علاقة  بجذور القضية الفلسطينية :
بعد أن تبدد أول وعد كان قد منحه نابليون بونابرت لليهود في العام 1799 لإقامة كيان لهم في فلسطين ، حيث تحطمت طموحاته وأحلام جيشه الاستعمارية على صخرة صمود أسوار عكا الأسطوري .
مع نهاية سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر تقريبا ، بدأت الهجرة اليهودية إلى فلسطين تأخذ طابعا ملموسا حيث شهدت أعوام 1881 /1882/ 1896 ازديادا واسعا وملحوظا لها ، وقام اليهود الوافدين منذ ذلك الحين بتنظيم وإقامة مستعمراتهم الاستيطانية على بعض الأراضي الفلسطينية التي كانت خاضعة بمجملها للنفوذ العثماني .
في العام 1897 و اثناء انعقاد أعمال المؤتمر الصهيوني الأول في سويسرا ، وجه تيودور هرتزل زعيم الصهيونية العالمية خطابا للسلطان عبد الحميد الثاني ، يعرض عليه من خلاله مغريات مالية باهظة  ، مقابل منح اليهود المهاجرين الى فلسطين قطعة ارض كي يقيموا عليها حكما ذاتيا ، وبالرغم من حدة الأزمات التي عصفت بالسلطنة في ذلك الوقت ، الا أن السلطان رفض ما ورد في نص خطاب هرتزل جملة وتفصيلا ، واصدر تعليماته للولاة بالحد من حركة اليهود ، ومنعهم من الدخول إلى مدينة القدس.
وفي المرحلة التي بدأت تظهر فيها ملامح المشروع الصهيوني الاستيطاني على ارض فلسطين ، كانت المنطقة العربية ما زالت تخضع برمتها للنفوذ العثماني ، وكانت الدول الاستعمارية تتهيأ وتعد الخطط لتقاسم نفوذ الإمبراطورية المتهالكة التي سميت بالرجل المريض في نهاية عهدها .
وكان شعبنا الفلسطيني كحال باقي الشعوب العربية ، يعيش على كفافه ويسعى لالتقاط قوت يومه ، خاصة وان أبناءه الشباب يخضعون لنظام التجنيد الإجباري في جيش السلطنة ، الأمر الذي شغلهم بانشغالات هذا الجيش من تجميع وتنقلات وتحضير في ظل أجواء من الحذر والترقب لما يمكن أن تسفر عنه الأوضاع المتوترة في ذلك الحين خاصة وان غيوم الحرب العالمية الأولى بدأت تتلبد في السماء .
في العام 1919 اندلعت الحرب وأسفرت عما أسفرت عنه من تمكن جيوش  الدول الاستعمارية من غزو واحتلال المنطقة ، وكان من نصيب بلاد الشام أن وقعت تحت الاحتلال البريطاني والفرنسي ، وكانت فلسطين من نصيب بريطانيا حسب اتفاق سايكس بيكو انف الذكر .
وبعد زوال العهد العثماني ، وما إن حل مكانه الاستعمار الغربي ، حتى وجد قادة الحركة الصهيونية ضالتهم بخضوع فلسطين للانتداب البريطاني حسب ما ورد في اتفاق سيكس بيكو الذي صاغه وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا في العام 1916 ، وبقي سرا إلى أن كشفت عنه الحكومة السوفيتية بعد انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية في العام 1917
وهنا بدا يأخذ المشروع الصهيوني خطواته العملية الجادة عبر ازدياد عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين واستيطان الأراضي وإقامة الكيبوتسات عليها ، بمساعدة وتسهيلات من قوات حكومة الانتداب البريطاني ، التي جسدت سياساتها هذه بما كان قد أعلنه وزير خارجيتها بلفور بوعده الشهير في الثاني من نوفمبر عام 1917 ، أي بعد شهر واحد من انكشاف سر اتفاق سايكس بيكو الاستعماري  ، وقد منح بلفور بموجب هذا الوعد ارض فلسطين ليهود العالم كي يقيموا وطنا قوميا لهم فيها  بالرغم من أن تعدادهم لم يتجاوز نسبة 5% من عدد السكان في ذلك الوقت ، وقد تم ذلك دون أي اعتبار لوجود شعب فلسطين الذي نشأ فيها ، ونما ، وبنا ، وغرس جذور حضارته العربية منذ آلاف السنين. ،أي منذ أن كانت تسمى بأرض كنعان ، وأصبح اسمها فلسطين نتيجة الاختلاط والتمازج الحضاري والثقافي الإنساني  بين أصحابها العرب الاقحاح، و شعوب الفلستي التي وفدت إلى سواحلها قادمة من البحر .
كان شعبنا يتعاطى حينها مع حكم السلطنة بعفوية ، ومن منطلق عقائدي باعتباره حكم خلافة إسلامية ، وما إن بدأت تنتشر مظاهر الاستبداد  والفساد والمحسوبية فيها ، وتظهر ملامح ضعفها وانهيارها وزوال نفوذها عن فلسطين ، حتى بدأت النخب السياسية الفلسطينية تتململ للتخلص من هذا النفوذ الذي دام لأربعة قرون من الزمن ، وشرعت تبحث عن تحالفات جديدة ،وبدأت  بفتح اتصالات ونسج علاقات جديدة مع دول الغرب التي أوهمتها بوعود زائفة بإقامة كيان عربي في فلسطين ، الأمر الذي تكشف زيف هذه الادعاءات لدى هذه النخب بعد الحرب الثانية عام 1945.
بين الحربين الأولى والثانية والى إن وقعت الكارثة الكبرى في العام 1948 ، لم يقف الشعب الفلسطيني متفرجا على ما يجري من أحداث والتي كان أخطرها ازدياد نسبة الهجرة اليهودية إلى فلسطين ، وإقامة المستعمرات الصهيونية على الأراضي الفلسطينية التي ورثتها وزارة المستعمرات البريطانية بعد أن كانت خاضعة للنفوذ العثماني .
وبدا شعبنا معركته في التصدي لهذا التوغل الاستيطاني الذي يتم على أرضه بمساعدة كاملة من المحتل الجديد الجيش البريطاني ، وبذات الوقت التصدي لقوات هذا الجيش الغازي  ، فكانت هبة البراق في العام 1919 ، وكانت ثورة 1921 ، وثورة 1923 ، والثورة الكبرى في العام 1936 .
وخلال هذه الفترة الزمنية الحافلة بالصراعات والمشاحنات الدولية على اقتسام مناطق النفوذ في العالم ، والدول العربية تخضع برمتها تحت احتلالات استعمارية مختلفة ومتنوعة ، كان شعبنا يواجه تحديات مصيره أمام عدوان مزدوج عليه وعلى أرضه وعلى هويته وحاضره ومستقبله .
وقد شهدت هذه المرحلة الكفاحية من عمر شعبنا نموا للوعي الوطني ، وكفاحا مريرا وقاسيا لتثبيت هويته الوطنية ، ومقاومة وطنية باسلة يشتد عودها ويضعف بين فترة وأخرى لقلة الخبرة والتدريب وشحة العتاد والتسليح ، الأمر الذي لم يمكنها من تحقيق أهدافها الوطنية التي كانت تترسم حينها وتتبلور تدريجيا .
في المقابل كانت في مواجهة شعبنا القوات الغازية المتمثلة بجيش الاحتلال البريطاني الذي فرض حالة الانتداب على فلسطين بعد غزوها ، والعصابات الصهيونية المدربة والأكثر خبرة وعتادا وتسليحا ، والتي لجأت إلى أسلوب ارتكاب المذابح والمجازر بحق القرى والبلدات الفلسطينية ، الأمر الذي أدى على بشاعته إلى تهجير شعبنا واحتلال فلسطين في العام 1948 على مرأى ومسمع العالم بأسره ، ولم تتوقف حدود الجريمة عند هذا الحد ، بل واصلت قوات الاحتلال عدوانها عقب احتلالها الجزء الأكبر من فلسطين ، الذي ترافق مع اعلان إنهاء حالة الانتداب البريطاني عليها ، وفي المقابل لم تتوقف مقاومة شعبنا لهذا الاحتلال الغاشم ، رغم حالة البؤس والتشريد التي يعيشها ، ولأسباب لها علاقة بضعف المقاومة وعدم تنظيمها بما يوازي قوة وتكتيكات العدو من ناحية ، ولضعف حالة الجيوش العربية وترهل أوضاعها  ، وتواطؤ الأنظمة العربية التي استقلت دولها حديثا ، وكانت ماتزال تربطها علاقات التبعية للدول الاستعمارية الكبرى ، فقدنا ما تبقى من ارض فلسطين في العام 1967 ، إضافة إلى أجزاء هامة وواسعة من أراضي الدول العربية المحيطة بها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مدخل للتعريف بجبهة التحرير الفلسطينية من حيث النشأة والتأسيس ، ومراحل تطورها
بدايات نشوء جبهة التحرير الفلسطينية:
نشأت جبهة التحرير الفلسطينية في مخيمات اللجوء والشتات على يد مجموعة من الشباب الفلسطيني المتحمس  نهاية خمسينيات القرن الماضي كتنظيم فلسطيني وطني مناضل ، وكان لهؤلاء الشباب الثائر، وابرزهم الدور الأساس في وضع اللبنة الأولى لظهور هذا التنظيم  تحت اسم (جبهة التحرير الفلسطينية) ، الذي انتهج  طريق حرب الشعب طويلة الأمد ، معتمدا الكفاح المسلح كأسلوب وحيد لمواجهة المشروع الصهيوني الاستعماري الاجلائي ، الذي اغتصب ارض فلسطين بواسطة العصابات الصهيونية التي ارتكبت المجازر وشردت شعبنا بقوة الاحتلال الغاشمة  تنفيذا لمؤامرة دولية ألحقت بشعبنا الكارثة الكبرى في العام 1948 والتي لم تنته فصولها المفجعة إلى يومنا هذا.
من جانب آخر جاءت نشأة هذا التنظيم  كرد ثوري عفوي على فشل التجربة الوحدوية بين مصر وسوريا ، التي علقت جماهير شعبنا على نجاحها آمال واعدة في استعادة الحرية والكرامة وما استلب منها من حقوق وطنية.
ومنذ البدء اجمع الرواد المؤسسون على جملة أفكار ومبادئ وطنية ثورية شكلت مرتكزا أساسيا لصياغة برنامج الجبهة النضالي تحت مسمى المبادئ الائتلافية .
وتضمن هذا البرنامج ستة مبادئ تحدثت عن الكفاح المسلح،  وتحريم التكتل والازدواجية ، وحرية المعتقدات الدينية، وعن الديمقراطية والشورى، وعن تطلعات الجبهة لإقامة مجتمع مرتكز على مبادئ الكفاية والعدل , وتركت أفكار ومبادئ هذا البرنامج شكل الحكم لما بعد التحرير بحيث يقرره مجلس وطني فلسطيني .
ولخصت جبهة التحرير الفلسطينية أهدافها الاستراتيجية بشعار "تحرير كامل التراب الوطني والفلسطيني عن طريق الكفاح المسلح " كما لخصت اتجاهها الفكري آنذاك بالشعار "ثورة حتى تحرير الأرض والإنسان .
وفي إطار صياغة بناها التنظيمية اعتمدت الجبهة شكل المجموعات العسكرية المقاتلة، وقد تمكنت حتى العام 1964 من إنشاء ثلاثة مجموعات قتالية مدربة ومسلحة، مع تحديد مجالات عملها الميداني ، وهي على الشكل الاتي :
مجموعة الشهيد عز الدين القسام / ومجال عملها سهل الحولة وطبريا وقرى الجليل الأعلى .
مجموعة الشهيد عبد القادر الحسيني / ومجال عملها الضفة الغربية .
مجموعة الشهيد عبد اللطيف شرورو /  ومجال عملها الحدود المتاخمة لجنوب لبنان وشمالي فلسطين .
ان المرحلة التي شهدت تأسيس الجبهة، كانت الساحة الفلسطينية تعيش حراكاً واسعاً وإرهاصات الوطنية أخذت بحساباتها الاستفادة من تجارب ثورية رائدة في لاوس وكمبوديا وفيتنام والجزائر وكوبا .. حيث  قدمت هذه التجارب نموذجا يحتذى به في كيفية حمل شعوب العالم على عاتقها مهمة التحرر ، من خلال زج طاقات الجماهير الخلاقة والقادرة ، وصاحبة المصلحة الأولى في تحقيق الانتصار.
و شهدت الساحة الوطنية الفلسطينية تشكيل العديد من المجموعات المناضلة ، منها مَن كُتِبَ له الاستمرار والتقدم ، ومنها مَن ذاب أو توحد مع مجموعات أخرى ، ولعبت الظروف الذاتية والموضوعية  في تلك المرحلة من مسيرة كفاح شعبنا ، دوراً بالغ التأثير في طبيعة وشكل العمل النضالي التحرري الفلسطيني ، حيث تبلور الوعي الوطني عند الشباب الناشئ الثائر والمتمرد على الواقع بكل تفاصيله المأساوية.
وكانت الجبهة في حينها وعلى حداثة عهدها ، تستشعر وجود نواة لفعل فلسطيني مؤثر في المحيط الذي نمت فيه البذرة الأولى لنشوئها ، الأمر الذي أكد مصداقية ذلك الإعلان عن ولادة حركة فتح في وقت  كانت الجبهة قد قطعت شوطاً لا بأس به على طريق الإعداد والتدريب ، وتنفيذ بعض العمليات العسكرية ضد العدو داخل الوطن المحتل كان أبرزها :
- نسف قطار خط القدس  - بتير .
- نسف سكة حديد في نفس المكان السابق .
- مهاجمة مستوطنة " ديشوم " في الجليل الأعلى , ونسف خزان المياه  ومحطة الكهرباء فيها .
- مهاجمة كمين صهيوني قرب الحدود السورية وقتل معظم أفراده .
- نسف سينما رويال بحيفا على يد أول أسير للجبهة لدى العدو الصهيوني (سمير درويش)الذي أعتقل أثناء مغادرته المنطقة إلى تل أبيب .
وعملت قيادة الجبهة في ذلك الوقت على التواصل مع حركة فتح  التي انطلقت من أرضية قناعات وطنية وبرنامج وأهداف تنسجم  وقناعات الجبهة ومبادئها ، إضافة إلى ما اعتمدته حركة فتح من ذات الأسلوب الكفاحي الذي انتهجته الجبهة لاستعادة حقوق شعبنا المغتصبة .
في ذلك الوقت عقدت قيادة الجبهة عدة لقاءات مع قيادة فتح ، وتم التوصل إلى اتفاق أولي لوحدة التنظيمين وتشكلت نواة لقيادة موحدة، لكن لم يقدر لهذه التجربة أن ترى النور بسبب التدخلات العربية التي بدأت تلتفت أكثر إلى العمل الفلسطيني حيث بدأت بعض الأنظمة العربية تحاول التأثير على اتجاهات بعض القوى الموجودة. كما بدأت تظهر بعض التعارضات هنا وهناك ، والنتيجة أن اللجنة المكلفة بصياغة البرنامج المشترك لبناء الوحدة المنشودة  لم تنجز عملها ،  واستمرت الجبهة بالعمل بشكل مستقل عن فتح ، وتمكنت من تكريس هويتها النضالية والسياسية ، ومارست الكفاح المسلح جنباً إلى جنب مع قوات العاصفة الجناح العسكري لحركة فتح متجاوزة اي انعكاسات سلبية لعدم تحقيق وحدة اندماجية بين التنظيمين .
نكسة حزيران 67 وسقوط أول شهيد:
أول شهيد سقط للجبهة على ارض فلسطين الرفيق خالد الأمين ، الذي استشهد في عملية "ديشوم " وهو اسم القرية التي نفذت فيها العملية شمال فلسطين ، وقد أعلنت عنها الجبهة داخل فلسطين  ليس لكونها أول عملية تنفذ داخل الوطن المحتل ، بل لكونها قد سقط فيها أول شهيد للجبهة ، حيث نفذت الجبهة العديد من العمليات العسكرية قبل ذلك ضد أهداف صهيونية داخل فلسطين ، ولكن دون شهداء أو أية خسائر لمقاتلي الجبهة اللذين كانوا يعودون لقواعدهم سالمين بعد التنفيذ وإلحاق العدو خسائر كبيرة.
لبّت الجبهة نداء الواجب في حرب الـ67 واستنفرت كوادرها وأظهرتهم للعلن وكانت هذه المعركة  الفرصة الأولى التي يتعرف فيها أعضاء الجبهة على قيادتها ، وان تشخص الحالة في شكلها العلني في العمل الميداني خلال الحرب، ونجحت الجبهة حينها في إيجاد مواقع قامت الجبهة من خلالها  بزج كتلة من مقاتليها المدربين باتجاه الجولان، حيث أخذ بضعة عشرات من رفاقنا مواقع لهم في أرض المعركة ، وعقب الحرب مباشرة اخترقت مجاميع من رفاقنا المدربين خطوط العدو لجمع الأسلحة المتبقية في أرض المعركة وتمكنت من جمع كمية كبيرة من الأسلحة والأعتدة، وهذه الأسلحة بدورها مثلت أسلحتنا الأساسية في تجربتنا القتالية اللاحقة.
وفي سياق متصل فقد شكلت نتائج حرب حزيران 67 المأساوية ، أو النكسة بتعبير اصح ، فرصة أكبر للتواجد على الأرض بشكل فاعل ، ولتؤسس الجبهة نفسها وكذلك مفاصل العمل الوطني عموما ، لمرحلة جديدة من مراحل العمل الثوري ، وهي المرحلة الممتدة من عام 67 إلى عام  70
ولادة الجبهة الشعبية:
قبيل نكسة  حزيران ظهرت على الساحة الفلسطينية العديد من التنظيمات أبرزها "شباب الثأر" و "أبطال العودة"، وهي تنظيمات نشأة بواقعها مع نشوء حركة القوميين العرب ، وكذلك تنظيم فلسطين العربية الذي كان اقل حجما ودورا من باقي التنظيمات على الساحة الوطنية ، وسرعان ما تم الحوار بين تنظيم فلسطين العربية ، وجبهة التحرير الفلسطينية وقد أسفر هذا الحوار عن حالة من الاندماج انضم إليهما شباب الثأر وأبطال العودة ، حيث أطلق على هذا الجسم الوطني الوحدوي مسمى "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين."
إلا أن هذه الوحدة لم تدم طويلا ، وسرعان ما انفرط عقدها لأسباب بغالبها ذاتي يتعلق بالرؤية والمنهج الفكري  ، وبعضها موضوعي ..  وقد ألقت هذه الأسباب بتفاعلاتها ظلالاً من الشك والاختلاف الأمر الذي أدى إلىانتهاء هذه التجربة في بواكيرها
لقد كانت في الواقع حركة القوميين العرب التي تأسست على يد (الحكيم جورج حبش) ظاهرة واسعة الانتشار حيث نمت وتطورت مع حركة النهوض القومي الناصري ، وما قد حققته من تأثير في الوجدان الشعبي العربي عبر الشعارات التي طرحتها في ذلك الوقت ، وهي من ضمن شعارات ثورة يوليو 1952  في مصر ، وكان قادة شباب الثأر وأبطال العودة من المؤسسين لهذا التيار القومي الجارف في ذلك الوقت ،  بينما تجربة جبهة التحرير الفلسطينية السياسية والفكرية لم تكن قد نضجت بعد إلى درجة تمكنها من صياغة شعارات مماثلة لتلك الصياغات التي تبنتها حركة القوميين العرب ، ليس لقلة وعي كادرها ، أو قصور في الرؤية  السياسية ، بل لكون الهم الوطني استحوذ بالكامل على تفكير قيادة هذا التنظيم الناشئ دون إغفال البعد القومي وأهميته في معركة التحرير والعودة ، الأمر الذي لم يرق لبعض قيادات هذا التحالف الوحدوي الغض في تكوينه ، خاصة وأنهم قد غلبوا البعد القومي في خوض هذه المعركة على البعد الوطني ،  فسرعان ما انفك عقد هذه الوحدة  بأن أعلنت جبهة التحرير الفلسطينية فك ارتباطها بالتجربة، وعلى الفور ميزت جبهة التحرير الفلسطينية نفسها باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "القيادة العامة" وهو الاسم الذي كان يطلق على القيادة العسكرية للجبهة الشعبية التي كانت بمعظمها من جبهة التحرير الفلسطينية قبل تجربة الوحدة ، أما القسم الثاني فحمل اسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "المكتب السياسي" حيث كان المكتب السياسي في معظمه من حركة القوميين العرب.
ومما يسجل لهذه التجربة الوحدوية ، وبالرغم من قصر عمرها الزمني إلا أنها حققت قفزة مهمة في العمل الكفاحي وخاصة العمل العسكري ضد العدو الصهيوني.
معركة الكرامة 21/3/1968 :
شكلت معركة الكرامة مفصلاً هاماً في تاريخ الثورة الفلسطينية، ترك بصماته على تطورها اللاحق وكانت الجبهة موجودة في قلب الحدث إلى جانب مقاتلي فتح وقوات التحرير الشعبية والجيش الأردني اللذين تصدوا للهجوم الصهيوني على منطقة الكرامة ، والحقوا خسائر فادحة بالقوات الصهيونية الغازية ، وقد شكل النصر في هذه المعركة أول رد ثوري على هزيمة حزيران ، حيث أعيد الاعتبار للإنسان العربي والإنسان الفلسطيني وعزز الثقة بالإمكانات الذاتية، وأضاف زخماً آخراً للكفاح المسلح الفلسطيني على كافة المستويات.
وبإمكاننا أن نسجل أن معركة الكرامة كانت مفصلاً ما بين تاريخين، ما قبل الكرامة وما بعد الكرامة، فما بعد الكرامة تم تأسيس جديد لواقع قتالي آخر اختلف كلياً عن الواقع الذي ساد قبلها ، ووجود الثورة الفلسطينية في الأردن الذي كان سرياً ولم يكن قد امتلك ما يكفي من القوة لفرض وجود تحول ما قبل الكرامة إلى وجود علني بعدها يستند إلى الشرعية النضالية  .
كما حدثت نقلة نوعية في المؤسسة العسكرية الفلسطينية ، تم التعبير عنها بتصعيد العمل العسكري ضد العدو الصهيوني ،  ومن نتائج معركة الكرامة أيضاً التحولات التي طرأت على بنية منظمة التحرير الفلسطينية التي تمثلت باستلام فصائل الكفاح المسلح لزمام الأمور فيها، فتحولت المنظمة من حالة بيروقراطية سياسية معنوية إلى فاعل نشط في الحركة الوطنية الفلسطينية، يقودها أصحاب فكرة الكفاح المسلح، حيث تم اختيار الأخ أبو عمار رئيساً لها .
أيلول عام  1970
إن ما تحقق من معطيات جديدة اثر الانتصار في معركة الكرامة ، وما تلاها من تحولات كان لها الأثر الايجابي على تطور مسيرة الثورة الفلسطينية ، التي بدأت تستأثر الاهتمام الشعبي العربي عبر عملية جدلية تفاعلية واسعة  إلى جانب استئثارها باهتمام الحركات الثورية العالمية في العديد من بلدان العالم التي تحررت حديثا ، أو مازالت تخوض نضالا تحرريا ضد قوى الاستعمار والامبريالية العالمية ، بحيث تمكنت الثورة الفلسطينية من نسج شبكة واسعة من العلاقات الأممية في إطار توفير الدعم والمساندة لكفاح شعبنا التحرري .
ومن جانب آخر تمكنت الثورة الفلسطينية من إعادة صياغة بناها الثورية الداخلية ، و قد أخذت شكل المجموعات والفصائل العسكرية ، والتي كان لمجموعات وفصائل الجبهة القتالية دورا بارزا ومؤثرا بينها من حيث العدد والعتاد ولتدريب والمهارة القتالية ، وقد اتخذت بمجملها من الساحة الأردنية وجبهتها على طول نهر الأردن موقعا رئيسيا لها للعبور إلى الأرض المحتلة ، وتنفيذ عملها الفدائي ، وممارسة أسلوب حرب العصابات ضد قوات الاحتلال في فلسطين المحتلة ، لما أصبحت عليه هذه القوات من خبرة ودراية وتدريب وتسليح وخطط قتالية بعد معركة الكرامة وأنزلت ضربات موجعة ضد الاحتلال .
إن هذا الأمر على أهميته القصوى بالنسبة لفصائل العمل الوطني عموما ، وديمومة عملها الكفاحي على وجه الخصوص عبر هذه الجبهة الاستراتيجية الواسعة ، قد تعثرت سياقاته المفترضة ولم يدم طويلا لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية أدت فيما بعد إلى ما أدت إليه .
لقد تميز عام 1970 بعلامات وأحداث سياسية هامة وفارقة أثرت بشكل أو بآخر على مسيرة الثورة الفلسطينية ، وقد  تركت هذه الأحداث بصماتها على تلك المرحلة ، وأخذت أبعادا مختلفة وتجليات متنوعة في المراحل اللاحقة لتطور هذه المسيرة وواقع المنطقة برمتها ، وقد تم تجاوز بعضها ، وبعضها الآخر بلغت تأثيراته إلى يومنا هذا وكان من ابرز تلك الأحداث :
_  الرفض الفلسطيني لمشروع روجرز الأمريكي الذي استهدف القضية الفلسطينية عبر إجهاض المشروع الوطني للثورة الفلسطينية .
_  ظهور تباينات وتعارضات سياسية بين النظام في الأردن والفصائل الفلسطينية المسلحة ، الأمر الذي وصل إلى حد الصدام المسلح وأدى إلى  خروج الثورة الفلسطينية من الأردن ، وانتقالها إلى الساحة اللبنانية .
رحيل الرئيس جمال عبد الناصر زعيم القومية العربية ._
_ تغيير بنية النظام في سوريا بحيث أصبح أكثر برغماتية ، وأكثر استعدادا للتعاطي مع مشاريع التسوية السياسية
وهكذا فإن عام السبعين قد شكل بجملة أحداثه مفصلاً هاماً بحيث سارت الأوضاع العربية والفلسطينية باتجاهات جديدة ، ما زالت تؤثر على طبيعة ومسار الموضوع السياسي إلى يومنا هذا .
عملية الخالصة "كريات شمونة 1974 "
بعد الاستعداد العربي لعقد صفقة سياسية مع العدو الصهيوني، بدأت الثورة الفلسطينية تتعرض لمضايقات عربية وأصبح من الضروري القيام بعمل عسكري يعطي الزخم المعنوي لجماهير شعبنا ويعبر عن الإصرار الفلسطيني لاسترجاع حقوقنا المشروعة، فكانت عملية الخالصة، وهي باكورة مدرسة قتال جديد أسس لها القائد العسكري للجبهة الشهيد فؤاد زيدان أبو العمرين  ، حيث اختيار أبو العمرين  ورفيقيه القائد الشهيد أبو العباس ، والقائد الشهيد حفظي قاسم أبو بكر، الكوادر المدربة ، والمقاتلين الذين بإمكانهم تحقيق هذه الفكرة ، وقد تم الإعداد لهذه العملية الاستشهادية بقة متناهية من كافة الجوانب ، وبناء على ذلك تم تحديد الهدف بعناية ودقة،  وصدرت أوامر قتال بما يخدم الهدف الكفاحي تحت شعار(قسما سنحطم التسوية الاستسلامية) ، ونجحت المجموعة المؤلفة من ثلاثة رواد مقاتلين احدهم سوري والاخر فلسطيني وثالثهم عراقي ، في اختراق الحدود اللبنانية الفلسطينية فجر يوم الحادي عشر من نيسان للعام 1974 ، واخترقت أجهزة الأمن الإسرائيلي ، ونجحت الدورية المقاتلة بالاشتباك مع العدو واحتجاز رهائن، وحسب الخطة أنهيت العملية وكانت خسائر الجبهة ثلاثة شهداء، هم مجموع أفراد العملية، أما خسائر العدو فكانت بالعشرات وقد اعترف العدو بـ28 قتيلاً وعشرات الجرحى ، وبذلك اعتبرت "الخالصة" من أنجح وأبرز العمليات القتالية في تاريخ العمل الفلسطيني حتى يومنا هذا.
لقد وضع الشهيد أبو العباس بصمات هامة على طريق إنجاح هذا العمل البطولي المميز  قبل وبعد انجازه ،  إلى جانب ما بذله رفاقه في القيادة في مرحلتي الإعداد والتنفيذ .
إلى جانب ذلك وحتى لا تبقى أحداث هذه العملية على أهميتها وما أسفرت من نتائج سياسية ،  أسيرة الإعلام والدعاية الإسرائيلية المضللة ، لعب أبو العباس الدور الأساسي في إبراز أهميتها السياسية على المستوى الإعلامي  في تلك المرحلة التي تكثفت فيها المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية بعد انتهاء المواجهات العسكرية في حرب تشرين اول أكتوبر 1973 ، حيث كان أبو العباس حينها عضوا في المكتب السياسي للجبهة ومفوضا إعلاميا وناطقا رسميا باسمها ، الأمر الذي مكنه من أداء مهمته النضالية على أكمل وجه ، وذلك عبر إظهار الصورة الحقيقية لإحداث المعركة لحظة وقوعها رغم شحة وصعوبة توفر مصادر المعلومات التي وردت بسبب إغلاق المنطقة عسكريا من قبل قوات الاحتلال ، وما فرضته من تعتيم إعلامي على مجريات أحداثها .
كما تمكن ابو العباس بحنكة قيادية ، وفراسة سياسية وإعلامية عالية ، من توظيف نتائج هذه العملية المتميزة على المستوى السياسي ، كأداة وأسلوب كفاحي قادر على مواجهة التحديات التي تواجهها القضية الفلسطينية ومشرعها الوطني .
وعلى المستوى الوطني ظهر دور أبو العباس عبر تغطيته الإعلامية لهذه العملية العسكرية المتميزة ، ومن خلال عكس إرادة المقاتلين ومقدرتهم على اختراق كافة الحواجز الأمنية للعدو ، وتحقيق الاشتباك المباشر مع جنوده ، وإنزال الخسائر بهم وبمؤسستهم العسكرية العدوانية ، والاستشهاد في ارض المعركة .. من رسم ملامح الصورة الأولى لما شكلته هذه العملية البطولية من مدرسة قتالية متميزة على الساحة الفلسطينية .
تطور الفكر السياسي ومؤتمرات الجبهة
قبيل أيلول بدأت تهب على الجبهة رياح التغيير الفكري والسياسي، إذ تأثرت إلى حد بعيد بوحدتها مع حركة القوميين العرب، وتأثرت بما لمسته على الساحة الأردنية من ممارسات على الأرض واغتنت بالأفكار التقدمية والقومية، وأصبحت هذه المسائل تتفاعل داخل الجبهة التي بدأت تبحث لها عن دور سياسي أوسع وعن هوية فكرية ترسم معالمها، وفي ظل هذه الأجواء ، وتحديدا في أكتوبر من العام 1968 عقدت الجبهة مؤتمرها الأول الذي نظم مؤسستها القيادية على أساس ديمقراطي ، واقر برنامجها السياسي تحت اسم الميثاق .
وخلال فترة عام من ذلك التاريخ أثيرت داخل الجبهة جملة من الحوارات المعمقة تمحورت بغالبها بين وجهات نظر أصولية وطنية وأخرى ديمقراطية ، وقد شهد المؤتمر العام الثاني للجبهة الذي عقد في أكتوبر من العام 1969  إرهاصات هذا الجدل عبر آراء وأفكار متنوعة حول بنية التنظيم وهويته السياسية والفكرية .
وبعد أيلول عام 1970 ، كانت هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً، إضافة إلى أسئلة جوهرية حول واقع المرحلة وطبيعة الظرف السياسي وجملة التحديات التي واجهة الثورة الفلسطينية وألقت بظلالها على عديد من التساؤلات الجوهرية من نوع ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وهل كان بالإمكان تفادي ما حدث؟ ومَن هو المسؤول؟ وكذلك أسئلة داخلية حول الكفاءة في الأداء وحول دور الأفراد، والكثير من هذه الأسئلة؟؟
وكان المؤتمر العام الثالث الذي عقد بعيد أيلول وتحديدا في ابريل من العام 1971 الساحة التي طرحت فيها هذه الأسئلة بعمق، غير أن المؤتمر لم ينجح في إحداث تغييرات جوهرية واكتفى بأن منح قيادة الجبهة الفرصة لإعادة البناء من جديد، بينما ظلت قضايا الخلاف الفكرية والسياسية عالقة، لتلقي بظلالها على المؤتمر العام الرابع.
ابريل نيسان 1973 عقد المؤتمر العام الرابع للجبهة وقد شكل مفصلاً مهماً في تاريخ الجبهة، حيث خرج  ببرنامج سياسي حدد رؤية الجبهة السياسية وتطلعاتها حول حاضر ومستقبل القضية الوطنية ، ونظام الداخلي  حدد اطر وهياكل العمل التنظيمي ، ورسم نظم ولوائح عملها في إطار منهج ديمقراطي أساسه مبدأ المركزية الديمقراطية ، والقيادة الجماعية ، والنقد الذاتي ، ودخل البنية التنظيمية قيادة وكوادر جديدة انتخبت من القاعدة إلى القمة بشكل ديمقراطي ، وهو ما مهّد الطريق لانفتاح الجبهة على ساحة العمل السياسي وساحة الفعل النضالي بأشكاله المختلفة ، كما وأسس المؤتمر العام الرابع لتطور مهم في الأداء السياسي والجماهيري ، وأرسى دعائم كبرى لمستقبل الجبهة التي على أساسها تم تشكيل مجموعة من الهيئات والمؤسسات التنظيمية مكّنها من الفعل الإيجابي على أكثر من صعيد وعلى أكثر من مستوى.
حرب تشرين 1973
بعد المؤتمر الرابع الذي عقد بين آذار ونيسان 73، اندلعت حرب تشرين وكانت الجبهة قد أعادت بناء نفسها على الأرض بشكل جيد، ونجحت الجبهة في القيام بدورها النضالي عبر الجبهتين اللبنانية والسورية، فقد تمكنت دوريات الجبهة على الساحة اللبنانية من العبور إلى الأراضي المحتلة والاشتباك مع قوات العدو الصهيوني والقيام بواجباتها الموكلة، أما على الجبهة السورية فقد قامت الجبهة وبالتنسيق مع الجيش السوري بالمهام التي تنسجم مع طبيعتها القتالية.
وبغض النظر عن مساحات وتكتيك الفعل العسكري الذي تم خلال هذه الحرب ، فقد مثلت صفحة مشرفة في التاريخ العربي وفي السجل القتالي للجندي العربي ولتكتيك العمل.
إلاّ أن الرئيس السادات فاجأ العالم.. وصدم الشعوب العربية عندما طرح خلال ذروة الفعل العسكري العربي مقولته (99% من الحل بيد أميركا) بما يعنيه ذلك من تغيير في التحالفات الإقليمية الدولية والاستعداد لعقد تسوية مع العدو الصهيوني، ثم ما حدث من فصل القوات على الجبهة المصرية والسورية ، حيث طرح هذا الأمر معطيات جديدة أبرزها أنه للمرة الأولى في التاريخ العربي المعاصر يظهر للسطح استعداداً لعقد صفقة سياسية مع الصهاينة تقر بوجود الكيان الصهيوني، وتبحث عن بعض الحلول للحقوق العربية ، وبالطبع لم تنسجم هذه الأفكار والأطروحات مع رؤيتنا وأفكارنا السياسية، فرفضت من قبلنا بشدة كما رفضت من معظم القوى الفلسطينية باستثناءات محدودة لبعض القوى التي ارتأت أن الفرصة ملائمة للحديث حول بعض الإنجازات الوطنية، وارتسمت صورة جديدة من صور التحالف السياسي داخل الساحة الفلسطينية عبّر عنه بموقفين رئيسيين، موقف ينادي باستثمار ما يجري من أجل بناء سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء من الأرض الفلسطينية، يندحر عنه الاحتلال، وموقف يقول أن موازين القوى السائدة في هذه المرحلة لا تسمح بذلك، مما يستدعي تشديد النضال لتحقيق الأهداف وتغيير موازين القوى القائمة، وقد عبّر الموقف الثاني عن نفسه بتشكيل "جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية" شاركت فيها إلى جانب الجبهة الشعبية "القيادة العامة" الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وجبهة التحرير العربية، أما الموقف الأول فكان عنوانه فتح والجبهة الديمقراطية والصاعقة، وهكذا ظهر على الساحة الفلسطينية، ولأول مرة صراعات سياسية حول محاور ائتلافية، وكل محور يسعى إلى التشييع لرؤيته وفكره، ولكن ما يسجل لهذه التجربة أن التشييع للفكر السياسي تمثل بنفس الأدوات إذ حاولت جبهة الرفض تطوير أدائها ضد العدو الصهيوني لتحقيق شعارها، ونفس الشيء سعت إليه القوى التي نادت بالسلطة إذ شيعت لفكرها السياسي من خلال تصعيد الاشتباك مع العدو الصهيوني مما يمكننا القول أن هذه الخلاف انعكس بشكل إيجابي على الساحة الفلسطينية إذ كان محفزاً لتطوير الأداء التالي الفلسطيني
الحرب الاهلية في لبنان
عودة للخلف قليلاً، وبالتحديد عندما خرجت الثورة الفلسطينية من الأردن، حيث بدأت تبحث عن موطئ قدم يتيح لها التماس مع العدو ، ووجدت أمامها الساحتين السورية واللبنانية، ونتيجة لعدة عوامل وضعت الثورة ثقلها الأساسي في لبنان ومن أهم هذه العوامل طبيعة الحدود اللبنانية مع شمال فلسطين، حيث التسلل منها أسهل بكثير من التسلل عبر الجولان، مما سهّل وجود خميرة ثورية تتمثل بالواقع الفلسطيني في لبنان الذي كان يعاني من إجراءات المكتب الثاني القمعية، هذا إلى جانب وجود حركة وطنية لبنانية قوية ومتميزة، كل هذه العوامل سمحت للثورة الفلسطينية أن تنظم وضعها في لبنان.
في أجواء الغليان الاجتماعي والسياسي في لبنان وبعد استشهاد النائب معروف سعد نصبت مجموعة من حزب الكتائب كميناً عسكرياً لحافلة تقل مدنيين فلسطينيين كانوا قد انتهوا من المشاركة بمهرجان واسع لجبهة الرفض في الذكرى السنوية الأولى لعملية الخالصة11/4/1975، وأطلق الكمين النيران على المواطنين الفلسطينيين وهم في طريقهم إلى تل الزعتر مروراً من عين الرمانة ببيروت ، فكانت تلك الحادثة بمثابة الشرارة التي اطلقتها القوى الانعزالية لإدخال الفلسطينيين أتون الحرب الأهلية في لبنان.
تكاثفت الأحداث وتسارعت وتيرتها، فالحركة الوطنية اللبنانية المتحالفة مع قوات الثورة الفلسطينية واستشعاراً منها بالخطر الذي يمثله المحور الآخر – محور الجبهة اللبنانية – على عروبة لبنان ووحدته وعلى مشروعها الديمقراطي زجت بكل طاقاتها من أجل تحقيق مكاسب على الأرض تخدم برنامجها وتعزز وجودها، وفي المقابل تمادى المحور الآخر في مشروعه الانعزالي ، الذي استهدف جسد الثورة الفلسطينية ووجودها على ارض لبنان.
واتخذ الصراع أشكالاً عنيفة جداً تمثل في إحدى حلقاته بعزل المخيمات الموجودة داخل العمق الكتائبي، مثل مخيمي تل الزعتر وضبية، وحوصرت بالكامل، وتعرضت لهجوم وحشي ولمجازر فظيعة انتهت بترحيل سكان المخيمين.
الولادة الثانية 1977
في خضم وأمام هذه الأحداث التي زاد تدخل أطراف عربية من حدتها ، وكشف حجم وخطورة أهدافها وسعيها لإنهاك جسد الثورة الفلسطينية ، ومحاولة السطو على قرارها الوطني ..  كان ما يهم الجبهة هو حماية شعبنا وثورتنا، والدفاع عن مشروعنا التحرري ، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني ، واستمرار تصادمنا مع العدو الصهيوني في جنوب لبنان.
هذا الواقع عكس نفسه على الأزمة التنظيمية والسياسية داخل الجبهة الشعبية "القيادة العامة ، حيث وجدت بعض مفاصل القيادة المتنفذة فيها ، والتي لا تؤمن إلا بعقلية العسكريتاريا الضيقة بقيادة احمد جبريل ضالة مصالحها الضيقة في الانحياز لهذه التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي اللبناني والفلسطيني رغم انكشاف ووضوح أهدافها ، وقد سعت غالبية اطر الجبهة القيادية وكوادرها بكل طاقاتنا لإخضاع هذه الخلافات لأطر الجبهة والاحتكام للنظام الداخلي والعقل والمنطق حتى تستطيع الجبهة الخروج منها بأقل الخسائر ، لكن لم تتحقق الجدوى من ذلك ، بل زادت الامور سوءا بعد أن قامت مجموعات مسلحة تابعة لأحمد جبريل بعمليات عسكرية ضد مكاتب الجبهة في بيروت، ودارت معارك فاصلة في أكثر من موقع ، وسقط خلالها عدد من شهدائنا، وقد بذلت القيادة الفلسطينية جهودا كبيرة لاحتواء هذا الصراع الدموي .
وأمام هذا الوضع الذي استمر لأشهر طويلة، وبعد عدة اجتماعات عقدت على مستوى القيادة الفلسطينية ، واخرى داخل الاطر القيادية للجبهة تم التوصل إلى النتيجة المنطقية الوحيدة، وهي أن يعلن غالبية قواعد وكوادر الجبهة انحيازهم الكامل للشرعية الفلسطينية ، والدفاع عن المشروع الوطني ، وحماية جسد الثورة وقرارها الوطني المستقل ، وقد تمايزت هذه الظاهرة الثورية داخل الجبهة من خلال العودة إلى الأصول الرئيسية، وإلى اسم جبهة التحرير الفلسطينية، العنوان الذي ناضل رواد الجبهة ومؤسسوها الأوائل تحت رايته، وكان ذلك يوم 27 نيسان 1977، فاعتبر هذا اليوم، اليوم الوطني للجبهة.
وعلى الفور شرع بالاستعداد لعقد المؤتمر العام، وبعد أشهر قليلة تمكنّت الجبهة من عقد المؤتمر العام الخامس في شهر آب أغسطس 1977 في بيروت ،وفي ظل الوضع الامني الخطير الذي كانت تعيشه بيروت فقد اضطر العديد من رفاقنا اعضاء المؤتمر في الساحات والأقاليم التسلل بصعوبة للوصول إلى مكان المؤتمر، وتمخض المؤتمر عن انتخاب قيادة الجبهة التي  قامت بدورها بتعيين مجلس مركزي  كإجراء مؤقت، على أن تعقد الجبهة مؤتمرها القادم خلال عام واحد، بحيث تكون الجبهة قد استكملت وثائقها ورسمت معالم وجودها السياسي والنضالي.
حاولت الجبهة تفادي الاشتباك والاصطدام مع المجموعة التي لم تذعن لنداء الثورة بقيادة احمد جبريل التي رهنت موقفها السياسي لصالح أجندات غير ذي صلة ،  ورغم كل المحاولات لتفادي إيقاع الجبهة بدوامة من العنف ، إلا أن هذه المجموعة تمكنت بفعل غادر من استهداف مقر القيادة العسكرية في بيروت، حيث كانت قيادة الجبهة تعقد اجتماعاتها ، فتم تفجير المبنى بكامله الامر الذي اسفر عن سقوط العشرات من الشهداء والجرحى  من المدنيين ومن رفاقنا وكان من بينهم الرفيق أبو احمد حلب الذي كاد أن يفقد حياته في هذا العمل الإجرامي الغادر ، وذلك لشدة وبلاغة الإصابات الذي لحقت به ، وقد استغرق وقتا طويلا من العلاج والرعاية الطبية الى ان عاود مسيرة نضاله سالما الى جانب رفاق دربه ،  كما سقط مئات القتلى الأبرياء والجرحى من المواطنين الفلسطينيين واللبنانيين، ضمدت الجبهة جراحها وكرست جهدها للبناء الداخلي وتطويره ولاستكمال برنامجها التصادمي مع العدو، حيث عقدت مؤتمرها العام السادس في سبتمبر من العام 1979 الذي اقر البرنامج السياسي والبرنامج التنظيمي والنظام الداخلي ، وانتخب المؤتمر لأول مرة لجنة الرقابة المركزية ، واللجنة المركزية ومكتبها السياسي وأمينها العام الرفيق طلعت يعقوب ونائبه الرفيق أبو العباس .
مدرسة قتالية خاصة وعمليات مميزة
تفادت الجبهة قدر الإمكان الوقوع في فخ دوامة العنف، ونجحت في فرض وجودها الميداني عبر سلسلة من العمليات العسكرية المميزة ضد العدو الصهيوني أبرزها عملية نهاريا والزيب البحرية وبرختا في الجولان، وعلى الصعيد التنظيمي تمكنّت الجبهة من بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية بما يمكنها من تحقيق الفعالية الكفاحية المطلوبة على الصعيد الفلسطيني، ونجحت الجبهة بصياغة شكل من أشكال التعايش بين "القيادة العامة" وجبهة التحرير الفلسطينية إذ حافظت القيادة العامة على وضعها في منظمة التحرير الفلسطينية ، وتمكنت الجبهة من انتزاع شرعية وجودها في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وفي المنظمات الجماهيرية والنقابية، ودشنت العديد من المقار والمواقع النضالية  في العديد من  الدول العربية.
وبالاستناد إلى قواعد وأصول حرب الشعب، التي تقوم على فكرة انعدام إمكانية  تدمير العدو عن طريق إنزال خسائر في أفراده ومنشآته دفعة واحدة ، يمكن تحقيق ذلك من خلال تنفيذ مجموعة من الضربات الميدانية المتتالية  والممارسات الكفاحية التراكمية المستمرة ، والتي تربك العدو ومخططاته وحساباته ، وتسقط نظرياته الأمنية ، وتترك بالغ الأثر على معنويات جنوده .. وتوفر جملة الظروف التي تمكن من تحقيق الانتصار..
ارتكزت فلسفة الجبهة القتالية على تركيز كل الجهد لتحقيق عودة المقاتل إلى الأرض المحتلة ، وتحقيق الاشتباك المباشر مع العدو الصهيوني وتحقيق الانتصار عليه أو الاستشهاد على ارض المعركة ، وترجمة لهذه الفلسفة وعلى درب ومنهج عملية الخالصة البطولية ، استخدمت الجبهة كل أساليب القتال المحتملة ، وابتكرت الوسائل الإبداعية للوصول الى ارض الوطن برا وبحرا وجوا ، وحققت الجبهة نجاحات مميزة  على طريق انجاز برنامجها النضالي ، وقد بلغت درجة عالية في تطوير كافة وسائلها القتالية في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات ، بشهادة واعتراف العدو قبل الصديق .
ولأجل تحقيق قفزة نوعية في القتال ضد العدو ، وتحديدا عشية الاجتياح الصهيوني للبنان ، كانت الجبهة  منهمكة  في التحضير لأوسع عملية تستخدم بها الطيران الشراعي ضد العدو الصهيوني حيث كان من المفترض أن تغير يوم 5 حزيران 1982 أكثر من عشر طائرات شراعية دفعة واحدة على أهداف مختلفة ، ولكن الاجتياح الصهيوني للبنان ادى إلى تغيير الخطط القتالية إذ زجت الجبهة بكل طاقاتها واستنفرت قواتها في الساحات والأقاليم للدفاع عن الثورة الفلسطينية وعن عروبة لبنان ووحدته، فتصدى مقاتلو الجبهة مع إخوانهم في فصائل الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية للعدوان الصهيوني الغاشم، وسقط في معركة التصدي العديد من الشهداء من ابناء الجبهة وكوادرها المناضلة ، كما فقدت الجبهة  نائب القائد العسكري للجبهة الرفيق البطل سعيد اليوسف.
حصار بيروت / الخروج من لبنان وخلط الأوراق 1982/ 1983
خرج الجزء الأكبر من قوات الثورة الفلسطينية من بيروت في العام 1982 اثر الاجتياح الصهيوني وحصار بيروت الذي استمر ثمانية وثمانون يوم ، حيث توزعت قوات الثورة الفلسطينية وبضمنها قوات الجبهة على العديد من الأقطار العربية.
وواجهت الثورة الفلسطينية أزمة من نوع آخر، تمثلت في محاولة تحميل منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها الوطنيةً مسؤولية خسارة لبنان باعتبار ما كانت تمثل من موقعي كفاحي ورئيسي متقدم للثورة في كفاحها مع العدو الصهيوني ، الأمر الذي جاف الحقيقة وجانب الصواب، و ترافق ذلك مع محاولة إثارة فتنة داخل فتح ، وقد استشعرت قيادة الجبهة خطورة الأمر ، خاصة وانه كان يتضمن بشكل واضح وملموس إجهاض الثورة الفلسطينية وإبعاد من تبقى من قوتها على الأرض اللبنانية بغض النظر عن الشعارات التي طرحت والتبريرات التي سيقت حينها ، وذلك من خلال خلق حالة انشقاقية داخل حركة فتح كبرى الفصائل الفلسطينية ، والعمود الفقري للثورة الفلسطينية ،  وحاولت الجبهة توظيف شبكة علاقاتها الوطنية الطيبة الواسعة ، وجل قدرتها لإيقاف هذه الفتنه ، إلا أن الأمر كان صعب المنال .
أطلت هذه الفتنة برأسها على الساحة الفلسطينية وهي في ظرف لا تحسد عليه ، وكانت الجبهة في حينها منهمكة في معالجة واقع الظرف الجديد ، وتستعد لإجراء عملية نقدية وتقيميه معمقة للتجربة الوطنية بكاملها ، وتقييم مستوى أداء الجبهة القتالي والسياسي ولتضع الخطوات الأولى في عملية إعادة البناء وفق الواقع الذي ترتب عن الخروج من لبنان ، واضطرت قيادة الجبهة أمام مجريات الأحداث المتسارعة من أخذ موقف ينسجم مع المنطلقات الوطنية ، والدفاع عن حق منظمة التحرير في الوجود، والمشاركة الفاعلة في اسقاط اتفاق 17 ايار المشبوه ، الذي هدف الى اجهاض الحركة الوطنية بالكامل ، واخراج لبنان من دائرة الصراع .
و تمكنت الجبهة من اعادة بعض كادرها الى السياحة اللبنانية لأخذ دورهم النضالي من بين صفوف شعبهم ، وبالشكل الذي يتناسب وطبيعة الظروف والمعطيات التي استجدت .
وقد اقدمت قيادة الجبهة على هذه الخطوة ادراكا منها لطبيعة المخاطر التي برزت بعد الخروج من بيروت ، وما ترتب على ذلك من افتقاد مخيمات شعبنا هناك من قوة الدفاع الفعلي عنها ، وانكشاف ظهر الحركة الوطنية اللبنانية ، خاصة وان ملامح تحول خطير بدأت تظهر بممارسة التضييق على شعبنا ، وفرض الحصار الظالم على مخيماته في المتواجدة في بيروت وغيرها من الأماكن على الساحة اللبنانية ، الأمر الذي مهد لارتكاب الكثير من الفظائع والجرائم ضدها من قتل وتهجير لا يقل بشاعة عما حصل في صبرا وشاتيلا عام 1982 على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه من القوى الانعزالية اليمينية المجرمة .
وقد قدمت الجبهة في هذه المرحلة التي اتسمت بالدفاع عن حق شعبنا في الوجود العشرات من خيرة ابنائها شهداء على درب الحرية والمجد.
تباين المواقف
في ظل هذا الواقع الطارئ والمعقد  تباينت المواقف داخل الجبهة، إذ لم يستطع البعض من أعضاء القيادة تحمل ضغوطات جديدة وانتقالات جديدة وتشرد جديد، مفضلاً اتخاذ موقف سلبي مما تتعرض له م.ت.ف ، ومما يجري رغم خطورته على مستقبل القضية الفلسطينية ومشروعنا الوطني .
واثر الجسم المركزي في القيادة بتحمل تبعات الموقف ، وانتقل بالجبهة بكافة مفاصلها ومؤسساتها القيادية العسكرية والتنظيمية والنقابية إلى خارج لبنان ، حيث استقرت قيادتها في تونس إلى جانب قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لتشاركها أعباء الهم الوطني ، والظروف المستجدة على مسيرة كفاح شعبنا التحرري .
لقد ولد الواقع الجديد والابتعاد الجغرافي القصري عن ارض الوطن مهمات جديدة وأكثر صعوبة مما كانت عليه في الماضي القريب ، وكان من أبرز هذه المهام  التصدي لمحاولات إفشال منظمة التحرير الفلسطينية ، وعدم تمكين مؤسساتها الشرعية وأطرها وهيئاتها القيادية من مواصلة القيام بواجبها الوطني اتجاه شعبنا ، وشل وتقليص قدرتها على تمثيله الرسمي والوطني ، وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال المحاولات الحثيثة لإفشال انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في دورته السابعة عشر في عمان ، لإجراء التقييمات السياسية والوطنية الشاملة ، والعمل على استنهاض قواها من جديد .
وأمام هذا الأمر الذي يمس شرعية منظمة التحرير الفلسطينية ، خاضت قيادة الجبهة معركة الشرعية مع المدافعين عن المنظمة ووجودها في هذه المعركة الفاصلة ، وقد استجابت الجبهة لنداء الواجب الوطني وحضرت بثقلها دورة المجلس الوطني في العام  1984 ،  وتحملت مسؤولياتها داخل الأطر القيادية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، حيث انتخب الرفيق القائد أبو العباس لعضوية اللجنة التنفيذية ممثلا عن الجبهة.
وعلى الصعيد التنظيمي تمكنت الجبهة من إعادة بناء مؤسساتنا متجاوزة  حالة الإرباك التي أحدثها البعض في المؤسسة القيادية ، تحت تبريرات تباين الآراء والمواقف السياسية ذات الشأن الوطني .
وخلال عام من هذا التاريخ تمكنت الجبهة من عقد مؤتمرها العام السابع صيف العام 1985 بحضور أكثر من 125 مندوب مثلوا كافة مؤسسات الجبهة ، مفاصل العمل التنظيمي في كافة الساحات والأقاليم.
ترك هذا المؤتمر بصماته على تطور الجبهة اللاحق إذ انتخب لجنة الرقابة ، واللجنة المركزية التي انتخبت بدورها مكتبها السياسي ، والأمين العام القائد أبو العباس ، كما انتخب المؤتمر وبشكل استثنائي مجلسا عاما مكون من 45 رفيق ، وبصلاحيات واضحة ومحددة ،  كما خرج عن المؤتمر البرنامج السياسي ، والتقرير السياسي ،   وأقر النظام الداخلي و اللوائح التنظيمية التي تراعي التوزيع الجغرافي الجديد بما يفعل وجود الجبهة ودورها ومكانتها الكفاحية داخل الوطن ، وفي مختلف أماكن اللجوء والشتات ، وترك المؤتمر الباب مفتوحا ، ومساحة كافية في كافة الأطر القيادية لحفظ مكانة واستيعاب من تتاح له الفرصة لاستكمال مسيرته النضالية بين صفوف الجبهة من الرفاق اللذين لم يتمكنوا من حسم موقفهم اتجاه الدفاع عن الشرعية الفلسطينية غداة الخروج من بيروت ، وإزاء افتعال المعارك الجانبية في طرابلس لبنان من قبل المنشقين عن حركة فتح ومن وقف إلى جانبهم لاستهداف ما تبقى من وجود الثورة هناك ، وقد اثر هؤلاء الرفاق  البقاء على مواقفهم المترددة من مجمل هذه الأحداث  .
عملية(أسدود ) "أكيلي لاورو" 1985)
لقد أتاح المؤتمر العام السابع فرصة إعادة بناء الجبهة وتفعيل مؤسساتها وقررت استئناف الاتجاه الاستراتيجي في قتال العدو ، وعمات من خلال عملها أن تثبت للعالم ، أن المسافات الجغرافية الواسعة التي تبعدنا عن أرض الوطن، لن تثني عزمنا عن الاشتباك مع العدو الصهيوني، وعلى هذه الأرضية خططت الجبهة للقيام بعملية عسكرية تتمثل في إنزال عسكري على ميناء أسدود "أسدود" عبر استخدام وسائل نقل تقليدية، وعلى ضوء عمليات استطلاع دقيقة تبين أن ثمة ثغرة في إجراءات الأمن الصهيونية تتمثل بالمجاميع السياحية التي تقوم برحلات بحرية منتظمة إلى الكيان الصهيوني، فوقع عليها الاختيار لنقل المقاتلين الذين سينفذون هذه المهمة..
في خضم عملية الإعداد لهذه العملية، قام طيران العدو الصهيوني بانتهاك حرمة تونس الشقيقة ، والإغارة على مقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط ، حيث تم تحديد ساعة الصفر لتنفيذ العملية بحيث تأت رداً على هذه الغارة الوحشية، وبالفعل أعطيت الأوامر للمقاتلين الذين تمكنوا بنجاح من التسلل إلى السفينة السياحية التي حملت اسم اكيلي لاورو،  وتمرير أسلحتهم على ظهرها .
وأثناء سير السفينة وتحديداً بعد مغادرتها ميناء بورسعيد في طريقها إلى ميناء أسدود، حدث خلل أمني اكتشف على أثره الرفاق من قبل أحد العاملين في السفينة مما أجبرهم على تحويل وجهة السفينة، من خلال اختطافها.
لقد أربكت عملية الاختطاف الجبهة كونها لم تكن ضمن المخطط أصلاً ولذلك عمل (أبو العباس) بشكل حاسم وفوري لإنهاء العملية بأقل الخسائر الممكنة ، وتمكن من السيطرة على الوضع وإنهاء العملية بعد ثلاثة أيام من اختطاف السفينة ، حيث عادت بسلام إلى ميناء بورسعيد، وهناك تبين أنه تم فقدان أحد ركاب السفينة، وقرر أبو العباس اصطحاب المجموعة إلى تونس للوقوف على التفاصيل التي أدت إلى حدوث الخلل الأخير وعلى كل ما ترتب عليه، ومحاسبة المقصرين ، ولكن الطائرة التي كانت تقله وأفراد المجموعة تعرضت إلى عملية قرصنة أميركية أجبرت خلالها على الهبوط في قاعدة سيغونيلا التابعة لحلف الناتو في إيطاليا،  وقد اتخذت الإدارة الأميركية من فقدان وغرق أحد ركاب السفينة وهو يهودي ويحمل الجنسية الأمريكية ذريعة ، لشن حملة شرسة ضد جبهة التحرير الفلسطينية مما أحدث تطورات دراماتيكية، كما سدت في وجه الجبهة بوابات كثيرة ومنها أن تعرضت لحصار قاسي بفعل سيادة المنطق الأميركي، حتى من قبل بعض الأنظمة العربية التي بدأت تضيّق على الجبهة.
إن الحصار الذي تعرضت له الجبهة وضعها في مأزق سياسي وتنظيمي، فكان لا بد من إعادة النظر فوراً في أشكال العمل التنظيمي آخذين بعين الاعتبار ما تتعرض له الجبهة فصيغت مجموعة من الإجراءات والقوانين التنظيمية التي مكّنت الجبهة من الصمود في وجه الحصار وتجاوز آثاره فأعادت سياقات عملها السياسي والتنظيمي والجماهيري، ونجحت في إعادة رسم وضعها السياسي والتنظيمي في ساحات العمل الفلسطينية وكذلك في الأرض المحتلة، كما شاركت في قيادة أغلب المنظمات الشعبية الفلسطينية ، واتبعت الجبهة في تلك المرحلة قاعدة "إعلان أقل وفعل أكثر" من أجل إرساء دعائم العمل الجبهوي في ظل الحصار.
الانتفاضة الكبرى / اعلان وثيقة الاستقلال ، ووحدة الجبهة 1987/1988
مع اندلاع الانتفاضة المجيدة نهاية العام 1987، وما عناه ذلك من انتقال مركز الفعل الكفاحي الفلسطيني إلى داخل الأرض المحتلة رأت الجبهة أن أهم أشكال إسناد الانتفاضة يكون من خلال دعمها عسكرياً، وعدم عزل العمل الانتفاضي الجماهيري عن العمل العسكري، عبر تقاسم خلاق للأدوار والوظائف.
ورأت الجبهة أن تصعيد العمليات العسكرية واختراق حواجز الأمن الصهيوني بالإضافة إلى أنه سيربك جنود العدو، سيعطي زخماً للعمل الجماهيري، ويرفع من معنويات جماهيرنا المنتفضة، فرفع حينها الرفيق ابو العباس  شعار "لينضم السلاح إلى الحجر" وتم ترجمته على الأرض بمجموعة من العمليات العسكرية وشبه العسكرية،  نفذتها دوريات عسكرية من خارج الحدود سواء من الأردن أو من لبنان ، كما قامت الجبهة خلال الاعوام الاولى للانتفاضة  بحملة واسعة لإشعال الحرائق في الجليل الأعلى .
في خضم الزخم النضالي الذي يخوضه شعبنا داخل الوطن المحتل ، وفي ذروة انتفاضته الكبرى التي اسهمت بفك الحصار عن شعبنا ، وإعادة الحيوية وموقع الصدارة للقضية الفلسطينية على المستوى الدولي ، الى جانب ما خلقته من ظروف ومعطيات جديدة ساعدت على اعادة صياغة الفكر السياسي الفلسطيني في تلك المرحلة ، الى جانب انتهاج طرق ووسائل نضالية جديدة في العمل الكفاحي الشعبي .. عقد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر دورته ال 19 في منتصف شهر 11 عام 1988،  للوقوف على تفاصيل الوضع الكفاحي الجديد لشعبنا وتطورات المرحلة ، ومن جانب اخر لتقييم المرحلة الكفاحية السابقة برمتها .
تمخض عن هذه الدورة الهامة للمجلس الوطني اعلان وثيقة الاستقلال ، والإعلان عن استعادة لحمة جبهة التحرير الفلسطينية .
لم يمهل الأجل الرفيق طلعت يعقوب ليجسد هذه اللحمة النضالية إلى جانب رفيق دربه أبو العباس ، إذ أدركه الموت فجأة ليلتحق بركب القادة الشهداء ، وقد ترك أبو يعقوب برحيله  فراغا كبيرا لما كان يمثله من وجدانية نضالية عالية ليس بين صفوف رفاقه في الجبهة وحسب ، بل لدى عموم أبناء شعبنا ، وفي أوساط حركة التحرر العربية ، وبين أحرار العالم .
لم يكن بد أمام رفيق دربه أبو العباس إلا أن يتابع المسيرة النضالية للجبهة إلى جانب رفاقه في كافة الأطر والهيئات ، وعموم الكادرات  الجبهوية المخلصة والوفية لدماء الشهداء ، والسير بالجبهة قدما على طريق الحرية والخلاص من الاحتلال ، ومواصلة المقاومة والكفاح لانتزاع حقوق شعبنا ، وتمكينه من تحقيق عودته المظفرة إلى أرضه ومدنه دياره في فلسطين .
عملية القدس البحرية 1990
في عام 1990 حيث كانت الانتفاضة في أوجها ، وكان الضغط الدولي يمارس من كل حدب وصوب على القيادة الفلسطينية لإيقاف انتفاضة شعبنا العارمة ، وإدخال القيادة الوطنية في عملية سياسية هدفها  إجهاض مفاعيل هذه الانتفاضة الوطنية ، وفي وقت كانت التحضيرات تسير فيه على قدم وساق من قبل دوائر الاستعمار العالمية بقيادة الولايات المتحدة وتل أبيب لضرب القوة العربية الناهضة في العراق ، في ظل هذه الظروف الصعبة والمعقدة  ، كانت الجبهة منشغلة في التحضير لعمل عسكري واسع في الأرض المحتلة ضد العدو الصهيوني ، وقد نجحت من خلال هذه العملية العسكرية البطولية المميزة بتقنيتها ، وعدد مقاتليها الذي وصل إلى 16 مقاتل ، وحجم ونوع التجهيزات والأسلحة التي استخدمت فيها ، وطرق وأساليب القتال والمناورة ،  من توجيه ضربة عسكرية سياسية واسعة وفي غاية الأهمية ، خاصة وأنها حققت أهدافها العسكرية بالوصول إلى شواطئ وارض الوطن ، واختراق كافة الحواجز الأمنية ، ومباغتة العدو وتحقيق الاشتباك المباشر مع قواته العسكرية ، كما حققت أهدافها السياسية التي كان من ضمنها مواجهة الحوار الفلسطيني الأميركي الذي كانت تشعر الجبهة بعدم جديته ، وقد وصفته  بحوار الأطرشان .
من جديد فتحت هذه العملية العيون على جبهة التحرير الفلسطينية ، وقامت الإدارة الأميركية بنبش الماضي،  وصعّدت من مواقفها العدوانية وشددت الحصار على الجبهة في محاولة لتوجيه ضربة قاسية لها.
إن تحالفات الجبهة الرئيسية كانت وما زالت مع القوى العربية التقدمية، وجاءت نتائج حرب الخليج الثانية المعروفة لترمي بثقلها على الحالة العربية والحالة الفلسطينية وعلى جبهة التحرير الفلسطينية خصوصاً بحكم تحالفات الجبهة، فقد شدد الحصار عليها ، ومما زاد في صعوبة وضع الجبهة أن معظم حلفائها بعد أزمة الخليج الثانية تعرضوا لحصار وحظر كالعراق وليبيا ، وعانى اليمن ويلات جديدة، وعاشت الجزائر أياماً عصيبة ، وكل هذه الدول تربطها بالجبهة علاقات متميزة وتعتبر حليفة رئيسية لها، فحوصرت الجبهة حصاراً مزدوجاً، حصار يطالها أصلاً وحصار يطال الدول الحليفة لها. وأمام هذا الوضع ارتأت الجبهة  أن تعطي فرصة للرفاق الذين بإمكانهم التحرك بمرونة أكثر كونهم خارج دائرة الحصار لقيادة مهمات الجبهة التقليدية، وعلى أرضية هذا الوضع قدم الرفيق أبو العباس استقالته من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورشح الرفيق علي إسحق لعضوية اللجنة التنفيذية كخطوة لإفساح المجال للعمل بمرونة أكثر لتخفيف الضغط عن م.ت.ف، وبنفس الوقت أعادت الجبهة  ترتيب الوضع التنظيمي بصيغة تنسجم مع الظروف الصعبة التي بدأت نعيشها ، خاصة على الصعيد السياسي والإداري والمالي .
إعادة البناء
جاءت اتفاقيات أوسلوالتي وقعت بتاريخ 13/9/1993 في وقت كان فيه وضع الجبهة منهك ، ورأى البعض في هذه الاتفاقيات فرصة لالتقاط الأنفاس فقبل بها، غير أن الجبهة بأغلبية كادرها وقيادتها لم تخرج عن موقفها السياسي التقليدي فقررت رفض الاتفاقات والاستمرار في إطار منظمة التحرير الفلسطينية وفي لجنتها التنفيذية،  كما رأيت في هذا الموقف أكثر حكمة من الرفض والخروج عن إطار المنظمة أو الاندفاع وراء سياسات لا تمثل حقيقة موقف الجبهة ولا تاريخها، وصاغت الجبهة معادلة متكاملة بين الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية والبقاء داخلها،  وبين رفض أوسلو ، ولم يكن ذلك سهلاً على الإطلاق ، وبموازاة ذلك فتحت الجبهة حوارات في داخلها، ومع القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية مكّنها من نحت خط سياسي يحافظ على خياراتها السياسية، على هذه الأرضية أعطيت التعليمات لعدد من كوادرها الرئيسية بالدخول إلى فلسطين، ونجحت في إعادة الكثير من الرفاق إلى مناطق الحكم الذاتي، وتمكنت من ضخ أكبر عدد من الكادر لخوض تجربة العمل النضالي بين صفوف شعبنا في ظروفه الجديدة، غير أن مشكلة موضوعية واجهت الجبهة  تمثلت بعدم إمكانية عقد اجتماعات منتظمة للجنة المركزية والمكتب السياسي والهيئات الأخرى، وانشغال بعض الرفاق الذين ألحقوا في الداخل بأمور عديدة، بعضها يتعلق بالعمل الوظائفي الجديد ، وبعضها في الظروف السياسية الجديدة ، مما فاقم الأزمة وزاد في إرباك الحياة التنظيمية، الأمر الذي استدعى من الرفيق ابو العباس اتخاذ خطوة سياسية جريئة باستثمار انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، ودخل أرض الوطن في العام 1996 كعضو في المجلس الوطني الفلسطيني، وهو ما أتاح له فرصة القراءة الميدانية للوضع السياسي والتنظيمي ، ووفر أرضية صالحة لإعادة بناء جبهة التحرير الفلسطينية في واقع جديد وفي مرحلة جديدة.
إن الترتيبات التنظيمية الجديدة داخل الوطن رافقها إعادة ترتيب وضع الجبهة في الساحات العربية الأخرى وخاصة في دول الطوق، منطلقين من إيماننا بأن قضية شعبنا تستدعي وجود جبهة التحرير الفلسطينية في كل مناطق تواجد شعبنا، وفي كل أطر منظمة التحرير الفلسطينية ، وداخل مفاصل  ومؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية بالحدود التي ترى أنها لا تتعارض مع منطلقاتها ومبادئها، وفي خضم هذه العملية البنيوية التي جرت في ظل ظرف معقد وصعب ، وقد بدأت تثمر على غير صعيد ، قدم الرفيق علي إسحق استقالته من صفوف الجبهة بغير سابق إنذار ومن دون أسباب أو مبررات واضحة ، وقد أوعز هذه الاستقالة لأسباب شخصية ، ونشر نصها في ذلك الحين بالصحف الرسمية الفلسطينية .
لقد ترك انسحاب الرفيق علي اسحق من الحياة التنظيمية انطباع غير محمود بين أوساط واطر الجبهة ، على اعتباراته كان يشغل موقع متقدم في المسؤولية التنظيمية ، وممثلا عن الجبهة في عضوية اللجنة التنفيذية ، وقد جاءت استقالته بشكل مفاجئ ، وفي ظرف حساس تعيشه الجبهة والوضع الفلسطيني عموما ، الأمر الذي فسر ووصف بالتصرف غير المسؤول .
وفي حقيقة الأمر ورغم ما تركه انسحاب هذا الرفيق من انطباع لما كان يشغل من موقع مهم في سلم القيادة ، إلا أن مسيرة الجبهة وعملها الميداني والنضالي لم تتأثر فعليا بغيابه من عدمه ، خاصة وانه قد انتهج في آخر فترات حياته التنظيمية أسلوب اللامبالاة ، وعدم الاكتراث أو الاهتمام بأية تفاصيل ذات علاقة بشان الجبهة ووضعها بشكل عام ، أو حتى أوضاع وشؤون الرفاق التنظيمية والإدارية  وعلى غير صعيد ، رغم انه كان يشغل منصب نائب الأمين العام الأمر الذي سجل عليه سلبا ليس من داخل الجبهة بل حتى في أوساط القيادة الفلسطينية أيضا باعتباره كان يشغل مقعد الجبهة في اللجنة التنفيذية في المنظمة ، وقد انعكس ذلك سلبا على إبراز وتحديد الموقف السياسي للجبهة حول ما يدور من أحداث وقضايا.
لقد تجاوزت الجبهة هذه المسالة الطارئة خلال فترة وجيزة ، وذلك من خلال مشاركة الرفيق أبو احمد حلب في كافة أعمال واجتماعات اللجنة التنفيذية والقيادة الفلسطينية كممثل عن الجبهة ، خاصة وان القانون الأساسي للمنظمة أحال دون استبدال الرفيق علي برفيق آخر ليشغل مقعد الجبهة في اللجنة التنفيذية ، وسارت الأمور  في سياقات طبيعية تمكنت الجبهة من خلال تكثيف جهدها التنظيمي ، وتواجدها الميداني ، وحضورها السياسي الوطني أن تستعيد عافيتها وتسترد مكانتها ودورها الريادي في كافة اطر ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وهيئاتها القيادية  كما أعادت الاعتبار لوجودها ودورها الفاعل في الساحة الفلسطينية عموما إلى جانب كافة فصائل العمل الوطني ، وبين صفوف جماهير شعبنا الفلسطيني ، الأمر الذي ظهر جليا خلال انتفاضة الأقصى والاستقلال .
انتفاضة الأقصى والاستقلال 2000
حين اندلعت الانتفاضة في 28/9/2000 عكفت الجبهة على دراسة الوضع وأخذ الإجراءات والقرارات الكفيلة بالمشاركة الفعلية في كافة فعاليات الانتفاضة على الصعيد الجماهيري ، وفي سياق خاص  عملت على استنباط أساليب حديثة للدعم اللوجستي الميداني لفعاليات المقاومة الميدانية ،  وذلك من خلال تدريب المناضلين من كافة فصائل العمل الوطني ، وتزويدهم بالمهارات والكفاءات القادرة على التصدي لعنجهية وهمجية الاحتلال ، ومواجهة عدوانه الغاشم بكافة الطرق والوسائل المتاحة والمشروعة .
وأمام هذا الدور الذي اضطلعت به الجبهة على الصعيد الجماهيري الواسع ، وعلى غير صعيد في العمل المقاوم ، كانت الجبهة تواصل مسيرة كفاحها التحرري وفق الرؤية والمنهج الذي انطلقت من اجله ،  وسارت عليه  وقدمت من خلاله قافلة طويلة من الشهداء قادة ومناضلين ، حيث قامت بتنفيذ العديد من العمليات البطولية والجريئة ضد العدو الصهيوني في مواقع عديدة من ارض الوطن ، وقدمت كوكبة جديدة من كوادرها ومنضاليها شهداء على مذبح الحرية والمجد ، وغيرهم من الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال .
لقد اثبت شعبنا خلال هذه الانتفاضة التي ما زال وهجها يتجلى عبر تكتيكات ووسائل وأساليب نضال ومقاومة شعبية متنوعة ، انه متمسك بثوابته وحقوقه الوطنية في الحرية والعودة  والاستقلال ، ومتمسك بحقه في مواصلة مقاومته الوطنية المشروعة حتى زوال الاحتلال وتحقيق طموحاته وأمانيه الوطنية .
ومن جانبه أمعن الاحتلال بعدوانه الغاشم وصعد من همجيته وبربريته مرتكبا المجازر بحق شعبنا ، حيث استخدم كافة أنواع أسلحته المتطورة في مواجهة شعبنا الأعزل ، واقتحم المدن والبلدات وأعاد احتلال كافة المناطق التي انسحب منها بموجب توقيع اتفاق أوسلو .
لقد سقط آلاف الشهداء من أبناء شعبنا وكان منهم قادة بارزين ومؤثرين في مسيرة كفاح شعبنا ، واعتقل عشرات الآلاف ، ودمرت البنية التحتية للسلطة الوطنية بالكامل ، وحوصر الرئيس عرفات في مقر المقاطعة في رام الله .
استشهاد القائد أبو العباس 2004
في ظل أجواء انتفاضة شعبنا العارمة التي جاءت كنتيجة مباشرة لفشل المفاوضات في كمب ديفيد 2 ، والتي أرادت من خلالها الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال فرض إملاءاتها وتحقيق  تسوية سياسية غير عادلة  على شعبنا وقيادته الوطنية ، الأمر الذي رفضته القيادة الفلسطينية جملة وتفصيلا بالرغم مما مورس عليها من ضغوط وابتزاز وتهديدات .
وأعقب ذلك دخول الإرهابي شارون رئيس وزراء حكومة الاحتلال باحات المسجد الأقصى في تحد سافر لشعبنا ، واستخفاف بمشاعر العرب والمسلمين ، الأمر الذي شكل سببا مباشرا لاندلاع الانتفاضة .
في هذه الأجواء والظروف التي تصاعد فيها الفعل الانتفاضي ، كانت الولايات المتحدة ومعسكر الغرب الاستعماري يتهيؤون لتوجيه ضربة قاسمة للعراق الناهض الذي كان يشكل بقوته واقتداره ركيزة أساس ، وقاعدة وعمق قومي يعتمد عليه ويعتد به لدعم  قضية شعبنا العادلة  .
وفي ظل تصاعد التهديدات وما رافقها من تجهيزات وإعداد للغزو توجه أبو العباس للعراق من واقع إيمانه العميق بقومية المعركة ، ووحدة الهدف والمصير المشترك .
وفي جانب آخر في محاولة منه لرد الجميل لهذا البلد ولشعبه المعطاء وقيادته الشجاعة التي وقفت إلى جانبه واحتضنته واحتضنت الجبهة في وقت لم يجد فيه احد إلى بجانبه وبجانب الجبهة حين تعرضت لهجوم وحصار وملاحقة من قبل الإدارة الأمريكية اثر عملية أسدود "أكيلي لاورو"
وحين اشتد الخطب على العراق ، ووقف بشكل مباشر في مواجهة التهديد والصلف الأمريكي والغربي  والاستعماري ، قرر أبو العباس الوقوف معه في ذات الخندق ، ووظف إمكانات الجبهة ومقدراتها المتواجدة والمتوفرة  في العراق على تواضعها  لمواجهة هذا المشروع الاستعماري الامبريالي الصهيوني ، الذي لا يستهدف العراق وحده بل يستهدف الأمة بوجودها ومقدراتها النهضوية التي باتت مؤهلة لقلب موازين القوى وتغيير معادلة الصراع في المنطقة .
ورغم اشتداد المعارك ودخول  القوات الغازية العاصمة بغداد ، إلا أن هذا الأمر لم يكن يشغله على خطورته عن متابعة وضع شعبه والانتفاضة ، وتوجيه رفاقه لمشاركة فاعلة في كافة ميادينها ومجالاتها ، وبشكل خاص كان يساوره القلق على مصير الرئيس الفلسطيني المحاصر في مقره ، وكان على تواصل دائم مع رفاقه ، وكثير السؤال عن الرئيس أبو عمار في تضيق الحصار على مقره في المقاطعة ، وعن الرفيق سعادات والشوبكي وكل من كان محاصرا مع الرئيس عرفات .
كما كان دائم السؤال عن جميع رفاقه ويتابع كل كبيرة وصغيرة رغم خطورة الوضع الذي كان يواجهه ورفاقه في العراق .
في هذه الأثناء فقد الرفيق عز الدين بدر خان أبو العز عضو المكتب السياسي والقائد العسكري للجبهة ، وبعد البحث والتقصي رجحت كافة التقديرات انه قضى شهيدا اثر قصف صاروخي أمريكي لوسط بغداد رافقه تحليق وقصف مكثف للطائرات الأمريكية .
وبعدها بفترة وجيزة وقد أطبقت القوات الغازية احتلالها للعراق بالكامل اعتقل أبو العباس اثر عملية عسكرية واسعة شبهت بالهوليودية ، خاصة وانه استخدمت فيها قوات النخبة الخاصة من 101 الفرقة مارينز العديد من صنوف الأسلحة والدبابات ، وتخللها إنزال جوي على مقر إقامته الأمر الذي أدى إلى اعتقاله .
وقد هدفت الإدارة الأمريكية الغازية بعد أن تكبدت قواتها الخسائر الفادحة  في المعارك وعلى وجه الخصوص في معركة المطار ، من تحقيق نصر وهمي تسوقه للعالم ولشعبها الذي بدا يضيق ذرعا من كثرة ضحايا جنودها التي استقبلها ، ولتبرير ادعاءاتها الزائفة التي سوقتها لخوض هذه الحرب القذرة بحجة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل .
بعد عام تقريبا من اعتقال أبو العباس ، وتفاديا لكافة المطالبات على اتساعها وتنوعها بالإفراج عنه ، خاصة وأنهم لم يتمكنوا من الحصول على أية أدلة لإدانته واستمرار اعتقاله ، أقدمت الإدارة الأمريكية وحكومة تل أبيب المجرمة على التخلص منه داخل سجنه ، بحجة الوفاة الطبيعية الأمر الذي لم يؤكده أي تشريح أو فحص طبي محايد ونزيه .
ودفن الرفيق أبو العباس في مقبرة الشهداء في دمشق إلى جانب رفيق دربه امير الشهداء خليل الوزير أبو جهاد ، بعد أن رفضت حكومة الاحتلال طلب دفن جثمانه في ارض الوطن حيث أوصى بذلك .
وعاهدت الجبهة أبناء شعبنا وامتنا العربية والإسلامية وأحرار العالم على مواصلة مسيرة نضال شعبنا على ذات المبادئ والنهج الذي رسمه وسار عليه أبو العباس وقضى دونه شهداء شعبنا جميعا قادة ومناضلين على درب الحرية والمجد
استشهاد الرفيق أبو احمد حلب ومرحلة الانقسام الفلسطيني الفلسطيني
ترك رحيل الرفيق أبو العباس باستشهاده فراغا كبيرا ليس من السهل ملئه في الجبهة أو غير صعيد ، وذلك لما كانت تتميز شخصيته القيادية من كاريزما متميزة ، إضافة لمكانته ودوره الوطني والقومي المؤثر .
إلا أن الجبهة كانت قد تمكنت بجهوده وجهود رفاقه في القيادة ، وكادرات الجبهة وعموم أبنائها وأنصارها ومحبيها من الوصول الى بر الأمان بعد أن تجاوزت الكثير من الصعاب والعثرات التي واجهتها اثر الأزمات التي عصفت بها خلال مسيرتها ، وتمكنت من استنهاض أوضاعها ، وترجمت ذلك من خلال مشاركاتها الواسعة ومساهماتها النضالية الخلاقة في تطوير الفعل الانتفاضي ..
واستطاعت أن تواصل المسيرة بثبات حيث اختير الرفيق أبو احمد حلب امينا عاما للجبهة بالإجماع خلفا للرفيق الشهيد أبو العباس ، الذي استطاع بمقدرة وشجاعة وبمساندة رفاقه في الهيئة القيادية أن يثبت من جديد أقدام الجبهة في مواقعها النضالية ، وتقدمت الجبهة في مسيرتها الكفاحية في خطى متكافئة في الفعل الوطني مع باقي فصائل وقوى شعبنا السياسية الوطنية .
وقد قامت الجبهة في عهده بواجبها الكفاحي المقاوم في ظل الانتفاضة المشتعلة ، كما قامت بواجبها في مجالات عدة لها علاقة بهموم شعبنا على مستويات عدة ، وكان بضمنها المشاركة في العملية الديمقراطية لانتخاب المؤسسة التشريعية للسلطة الوطنية حيث تقدمت الجبهة للمشاركة بقائمة انتخابية تحمل اسم الشهيد القائد أبو العباس .
ولأسباب موضوعية صرفة لم تتمكن من الوصول إلى نسبة الحسم في هذه الانتخابات ، ورغم ذلك عبرت الجبهة عن قناعتها بالمشاركة من واقع وهدف إنجاح العملية الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني بغض النظر عن النتائج .
وتولدت هذه القناعة والرضا لدى الجبهة ليس من باب التبرير لعدم التمكن من تحقيق الفوز بعضوية التشريعي ، بل من باب الإدراك الواعي لموضوعية ذلك ، والتي حصرت بسببين رئيسيين :
السبب الأول: مره ظروف ولادة ونشأة وتطور مسيرة الجبهة ، حيث انطلقت خارج الوطن ، وانتهجت خلال مسيرة تطرها عبر مراحل النضال المختلفة العمل العسكري ، ووظفت جهدها وكافة إمكاناتها لتعزيز هذه العمل وتطوير وسائله وأدواته لتمكين المقاتل الفلسطيني من الوصول إلى ارض الوطن عبر اجتياز الحدود وتحقيق الاشتباك المباشر مع جنود العدو ، وإلحاق اكبر الخسائر بمؤسساته الاحتفالية على طريق تحقيق النصر الحاسم عليه عبر عملية كفاحية تراكمية متواصلة ، وقد ابتكر الجبهة على هذا الصعيد وسائل قتالية إبداعية لم يسبقها في الساحة الفلسطينية احد عليه ، وحققت نجاحات مميزة إذ نفذت عمليات بطولية متفردة بأساليبها وتكتيكاتها ونتائجها .
إن انشغال الجبهة وممارستها لهذا النهج قد أضاع عليها فرصة الانشغال في العمل الجماهيري  التنظيمي والحزبي داخل الأرض المحتلة ، الأمر الذي كانت تعتبره عملا ثانويا ليس انتقاصا من قيمته وأهميته ، بل لكونها كانت ترى أن هذا العدو الغاصب لا ينفع معه إلا لغة القوة ، وهي ذات اللغة والطريقة التي استخدمها لاغتصاب حقوق شعبنا الوطنية
ولهذا لم يكن للجبهة الباع الطويل في العمل الجماهيري داخل الأرض المحتلة كباقي تنظيمات العمل الوطني التي أولت لهذا الأمر أهمية واشتغلت عليه مبكرا .
السبب الثاني: كان له علاقة بجوانب معينة من الفعل الانتفاضي الميداني ، إذ ظهرت للعلن على الساحة الفلسطينية تنظيمات الإسلام السياسي وعلى رأسها حركة حماس التي وظفت طاقاتها ومقدراتها ، لإحداث تغيير ما في موازين القوى الداخلية الفلسطينية  ، عبر مواجهة الاحتلال .
تمكنت حماس ومن خلال تلقيها الدعم المباشر من حركة الإخوان المسلمين العالمية ، وأطراف إقليمية وعربية من إثبات وجودها الفعلي والكبير على الأرض خاصة بعد أن انتهجت أسلوب "العمليات الاستشهادية " داخل المدن والبلدات المحتلة عام 1948 ، الأمر الذي لم يوازيها فيه إلا حركة فتح إلى حد ما ، خاصة وأنها تشكل كبرى الفصائل الفلسطينية ، وتمتلك من المقدرات والكفاءات ما يمكنها مجارات أي فعل ميداني لأي فصيل فلسطيني ضد الاحتلال ،  وقد حققت ذلك عبر جناحها العسكري الذي شكلته لاحقا  " كتائب الأقصى " لمواجهة العدوان الإسرائيلي على شعبنا من ناحية أساسية ، ولمجارات ما أقدمت عليه حركة حماس من فعل ميداني – الذي ومن غير  الدخول في مدى نجاعته أو مدى مشروعيته من عدمها – قد استحوذ على اهتمامات  قطاعات واسعة من شعبنا ، وجذب انتباهها بشكل عفوي ، خاصة وأنها تعيش ظرف مواجهة مباشرة وشاملة مع عدوان همجي بربري متغطرس ، لم يتورع من استخدام اعتى أنواع الأسلحة ضد شعب اعزل إلا من إرادته ، وقدرته الأسطورية على الصمود والبقاء في أرضه.
وعلى ذكر ذلك لا يعني أننا نغفل ما قدمته باقي فصائل العمل الوطني بما فيها الجبهة ، من توظيف لكامل قدراتها لمواجهة هذا العدوان الغاشم على شعبنا وأرضنا الفلسطينية ، إنما اقتضى الأمر التركيز على هذا الجانب للوصول إلى استنتاج محدد ، تطلب سياق الموضوع التطرق إليه بهذا الشكل الذي ورد فيه .
وعليه يمكن القول أن هذا السياق الذي سارت عليه حركة حماس في ظل أجواء وفعاليات الانتفاضة العارمة ، إضافة إلى ما قدمته من احتياجات مادية لفئات من شعبنا  في ظل ظروف العدوان والحصار الجائر الذي فرضته قوات الاحتلال على عموم الأرض الفلسطينية .. قد أثمر عن نتائج لامست مزاج الكثير من أبناء شعبنا ، ودغدغت عواطفهم الوطنية ، وأثرت إلى حد ما على طبيعة خياراتهم الانتخابية ، الأمر الذي ظهر جليا وبشكل واضح في سياق العملية الديمقراطية لاختيار أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني الجديد ، التي شابها كثير من التجاذب والاصطفاف الشعبي بين الفصيلين الكبيرين على الساحة الفلسطينية فتح وحماس .
وقد حصل هذا التجاذب الحاد بين هذين الفصيلين رغم مشاركة غالبية القوى والفصائل الفلسطينية في العملية الديمقراطية ، وقد خرجت النتيجة بفوز كاسح لحركة حماس الأمر الذي فاجئها قبل غيرها من القوى والمشاركين وكافة المراقبين لهذه الانتخابات .
ونخلص إلى نتيجة مفادها دون الدخول بأية تفاصيل أخرى على أهميتها ، أن الجبهة لم تتمكن من الوصول إلى نسبة الحسم في هذه الانتخابات يرجع إلى هذين السببين الرئيسين ، وليس لسبب آخر .
بعد هذه العملية بفترة وجيزة ولأسباب يعلمها الجميع حدث الانقسام الفلسطيني الفلسطيني  ، بعد أن أقدمت حماس على الاستيلاء على مقاليد السلطة الشرعية في غزة بقوة السلاح ، الأمر الذي ادخل الساحة الفلسطينية بمرحلة خطيرة ، وخلق ومازال من التداعيات التي أثرت سلبا على واقع القضية الفلسطينية وحاضر ومستقبل مشروعنا الوطني .
الأمر الذي أدركت مدى خطورته الجبهة منذ لحظاته الأولى ، وعملت إلى جانب فصائل العمل الوطني على إنهائه واعادة الأمور إلى طبيعتها ، لكن الأمر أعمق من ذلك بكثير ، واستمرت هذه الحالة الاستثنائية إلى يومنا هذا .
لعب الرفيق أبو احمد حلب دورا بارزا ومهما عبر محاولات متواصلة لراب الصدع وإنهاء هذه الحالة الطارئة التي أصابت الجسد الفلسطيني ، ووظف أبو احمد قدراته وعلاقاته وعلاقة الجبهة الطيبة والقوية مع كافة القوى على الساحة الوطنية ، مستفيدا بذلك من خبراته السابقة في هذا المجال عبر مشاركة الجبهة الفاعلة في التحالف الديمقراطي لراب الصدع الذي أصاب حركة فتح عام 1983 ، وقد أنجز هذا التحالف في حينها اتفاق عدن الجزائر.
في حقيقة الأمر لم تفلح كافة الجهود الوطنية وحتى يومنا هذا إلى إنهاء حالة الانقسام رغم توقيع العديد من الاتفاقات الوطنية الشاملة والتي شاركت الجبهة فيها مشاركة فاعلة .
لم يمهل القدر الرفيق أبو احمد كثيرا وقد وافاه الأجل بشكل مفاجئ ليلتحق بعد مسيرة طويلة من العطاء والتضحية بركب الشهداء .
اختيار د. واصل أبو يوسف أمينا عاما للجبهة
لم يكن الدكتور واصل أبو يوسف بعيدا عن موقع القيادة في الجبهة منذ فترة طويلة رغم حداثة سنه ، وقد اكتسب الخبرة في العمل الوطني نتيجة انغماسه مبكرا في العمل التنظيمي في لبنان وفي الساحة السورية التي شغل موقع المسؤول التنظيمي الأول فيها لفترة من الزمن ، خاصة بعد تجيد انطلاقة الجبهة الثانية في العام 1977 ، وما طرا بعد ذلك من عودة العلاقة مع النظام في سوريا ، وقد حظيت الجبهة بانتشار ومكانة واسعة بين أوساط جماهير شعبنا هناك ، ومازالت هذه المكانة محفوظة إلى يومنا هذا رغم العديد من الظروف التي شابت هذه المرحلة الطويلة .
الأمر الثاني والذي احدث نقلة نوعية في اكتساب مزيد من الخبرة للدكتور واصل هو الى جانب انغماسه في العمل التنظيمي ، انخراطه في العمل النقابي عبر تمثيله للجبهة في الهيئة التنفيذية للاتحاد العام لطلبة فلسطين التي شغلها لفترة من الزمن أيضا  ، وقد فتحت له هذه المهمة آفاق متعددة ومتنوعة في العمل السياسي الذي تمكن من خلاله نسج علاقات واسعة في الإطار الوطني وعلى غير صعيد .
الأمر الثالث والاهم انه شغل موقعا بارزا في قيادة الجبهة داخل الوطن بعد عودة السلطة الوطنية ، وكان بمثابة النائب والمساعد للرفيق أبو احمد حلب الذي تحمل مسؤولية القيادة والإشراف على وضع الجبهة المباشر داخل الوطن ، وتسلم الدكتور واصل باعتباره المسؤول الثاني للجبهة في الوطن ، المسؤولية المباشرة للجبهة في الضفة الغربية .
وهذه الفترة كانت من أصعب وأدق الفترات التي واجهة الجبهة في الوطن ، لكونها كانت في مرحلة تأسيس وبناء الأطر والهياكل التنظيمية ، وبذلت جهود مضنية لتثبيت أوضاعها التنظيمية بين جماهير شعبنا الأمر الذي لم تعهده الجبهة بهذا الشكل الواسع من قبل داخل الوطن .
والجدير بالإشارة هنا الى حالة من التحول الدراماتيكي في العمل والنشاط الجبهوي المثمر داخل الوطن المحتل قد تحققت  ، بعد ان كان مقتصرا قبل هذه المرحلة على تشكيل المجموعات السرية ، التي كانت تكلف بمهام نضالية خاصة ومحددة ، وذات طابع عسكري في اغلب الاحيان ، ونتيجة لتطورات الحالة النضالية ، وتماشيا مع ما استجد فيها ، انخرط اعضاء الجبهة بالكامل في غمار العمل الوطني بكافة اشكاله النضالية ، بحيث تمكنت قيادة العمل النضالي للجبهة في الوطن ، وعبر المثابرة والمتابعة المباشرة والجهد المتواصل ، من تحويل هذا الجهد النضالي التراكمي الى حالة سياسية وطنية مشاركة بفعالية عالية في الفعل الجماهيري اليومي الى جانب فصائل وقوى العمل الوطني ، وعموم ابناء شعبنا .
وحينما انطلقت  انتفاضة الأقصى والاستقلال ، انخرطت الجبهة الى جانب فصائل وقوى شعبنا بشكل مباشر مع جماهير شعبنا في الجهد الانتفاضي لمواجهة العدوان الاحتلالي الاستعماري الغاشم.
وتحديدا في هذه المرحلة استطاع الدكتور واصل أبو يوسف والى جانبه عدد محدود من الكادر المتقدم وعبر تواصله الدائم مع الرفيق أبو العباس قبل أن يستشهد ، والرفيق أبو احمد حلب قبل أن يستشهد أيضا  ، أن يضع بصمة واضحة للجبهة بين جماهير شعبنا ، عبر المتابعة والإشراف على كيفية ومستوى مشاركة المحطات التنظيمية في كافة مفاعيل انتفاضة الأقصى والاستقلال .
ومواصلة لمسيرة الجبهة النضالية بعد أن فقدت أمنائها العامون القادة أبو العباس وأبو احمد حلب وقبلهم  طلعت يعقوب ، تم اختيار الدكتور واصل أبو يوسف لموقع الأمانة العامة بشكل توافقي ديمقراطي شاركت فيه كافة الأطر والهيئات والمواقع والمحطات  التنظيمية في الوطن وفي الأقاليم والساحات الخارجية خلفا للرفيق أبو احمد حلب .
وتمكن بمثابرته المعهودة  وجهده المتواصل ، وجهد وفعالية رفاقه في الأطر والهيئات القيادية ،  وفي عموم المواقع التنظيمية التي تواجدت فيها الجبهة  بين أوساط جماهير شعبنا في الوطن والشتات ، من الحفاظ على حضور ومكانة وتاريخ وسمعة الجبهة الوطنية وعلاقاتها النضالية الواسعة وسط القيادة الفلسطينية ، ووسط الأحزاب والقوى التقدمية العربية والعالمية .
وواصلت الجبهة مسيرتها الكفاحية ، متخذة من تاريخها النضالي الوطني المشرف ، ودورها الريادي بين فصائل العمل الوطني في الساحة الفلسطينية ، وأفكارها ومبادئها التي تشكل ثوابت وحقوق شعبنا الوطنية في الحرية والعودة إلى الديار والمدن التي شرد شعبنا منها ، وحق تقرير المصير ، وإقامة وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس ، وحق شعبنا في مواصلة مقاومته الوطنية المشروعة بكافة أشكالها حتى زوال الاحتلال وتحقيق أماني وطموحات شعبنا كاملة ، منهجا ثابتا يقع في جوهر وصلب وجودها الوطني طالما بقي الاحتلال جاثم على أرضنا الفلسطينية .
الظرف الراهن والتوجهات المستقبلية
بهذه المرحلة وعلى الرغم من كونها قد باتت متقدمة من عمر الجبهة النضالي ،  ومن عمر مسيرة كفاح شعبنا ، إلا أن هموم وقضايا كثيرة مازالت تقع في صلب اهتمامات الجبهة إن كان على الصعيد التنظيمي ، أو على المستوى الوطني بشكل عام ، ونرى من النافل التطرق إليها بإيجاز لما لها من أهمية وتأثير على سياق عمل الجبهة ، ومستوى دورها الحاضر والمستقبلي .
لقد مرّت الجبهة بتفاعلات سياسية وتنظيمية واسعة عبر مسيرتها الكفاحية  الطويلة  ، وشهدت تحولات ثورية عميقة عند المنعطفات الصعبة و خلال كافة المراحل التي شهدتها الثورة الفلسطينية المعاصرة .
وأسهمت الجبهة إلى حد بعيد في إعداد وتوعية نخبة من أبناء شعبنا  ، وصقل وعيهم الوطني القادر على فهم طبيعة الصراع ، وهيأت المقاتل المتميز بسلوكه وأدائه النضالي ،  وخاضت الجبهة  تجارب نضالية متفردة على الساحة الوطنية خاصة ما يتعلق منها بنشاطها العسكري ، وتحديدا في مجال إعداد المقاتلين وتجهيزهم وتدريبهم المتواصل خارج الوطن ، وتنفيذ العمليات العسكرية النوعية بداخله ضد العدو الصهيوني ومؤسساته العسكرية ، لإلحاق الهزيمة به ، وصولا لتحقيق نصر حاسم عليه .
وفي سياق تطور تجربتها وتقدم مسيرتها الكفاحية ، واجهت الجبهة تحديات كبرى عصفت بها ، مثلما عصفت بواقع القضية الوطنية ، وهددت عناوينها النضالية في وجودها  وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا وأداته الكفاحية ، وكذلك بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل ، وبجسد الثورة الفلسطينية ووجودها الشرعي.
وعبر المراحل الكفاحية المختلفة، كان للجبهة دور بارز في الدفاع عن الثورة الفلسطينية ، ومنظمة التحرير ، والقرار الوطني الفلسطيني المستقل ، من خلال الحفاظ على كينونتها البنيوية ، والثبات على موقفها السياسي الوطني الأمر الذي شكل من تاريخ تجدد انطلاقتها في السابع والعشرين من نيسان للعام 1977 واحداً من اهم  المحطات المصيرية في تطور الجبهة وتقدم  مسيرتها النضالية الى يومنا هذا ، والتي تعتبر بذات الوقت  جزءاً لا يتجزأ من مسيرة كفاح شعبنا الفلسطيني ، وعلامة فارقة من تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة.
لقد كانت الجبهة طيلة الفترة الماضية ، ومازالت تواصل مسيرة كفاحها بخطى حثيثة وواثقة نحو ترسيخ وتعزيز دورها النضالي بين صفوف جماهير شعبنا ، باعتبارها فصيل وطني ديمقراطي يناضل من اجل تحرير فلسطين ( الأرض والإنسان)  .
ولم يمنع أسلوبها الكفاحي الذي انتهجته منذ نشأتها الأولى ، من اعتبارها لمنظمة التحرير الفلسطينية الإطار الشرعي الجامع للوطنية الفلسطينية ، وانخراطها في بوتقتها النضالية كفصيل مكون وأساس ، خاصة بعد تقويم أوضاعها في العام 1967 ، لتشكل حقيقة الهوية السياسية والنضالية لشعبنا ، وقائدة ورائدة كفاحه التحرري ، وممثله الشرعي والوحيد في الوطن والشتات.
وهذا الأمر دفع الجبهة لتخوض وتشارك في كافة المعارك التي واجهتها الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير ، والتي كانت تهدف للنيل منها ومن وجودها ، والسطو على قرارها الوطني المستقل ، عبر مراحل مختلفة من مسيرة الكفاح المتواصلة إلى يومنا هذا ، وقد دفعت الجبهة أثمانا باهظة من اجل ذلك حيث واجهة الحصار الظالم بمختلف أشكاله وأنواعه لسنوات عديدة ، كما شابها لذات الأمر جملة من التصدعات الهيكلية في أطرها وبناها التنظيمية ..
وبحكم مراسة مناضليها ، وصمودهم وثباتهم على مبادئهم ، وتمسكهم بثوابت وحقوق شعبهم الوطنية ، ووفائهم لدماء شهداء الجبهة وجميع شهداء شعبنا الأبطال ، ولعذابات الجرحى والأسرى والمبعدين ،  وإصرارهم على مواصلة مسيرة الكفاح من بين ظهراني أبناء شعبنا ، والى جانب قواه وفصائله وأحزابه المناضلة ، تمكنت الجبهة من استنهاض أوضاعها ، عبر تأطير بناها وهياكلها التنظيمية ، وتصويب الخلل الذي تسبب فيه البعض ممن كان محسوبا على كادرها القيادي ،  واستطاعت معالجة بعض التصدعات التي شابتها لفترة من الزمن وقد تجلى ذلك بوضوح تام ولا لبس فيه ، بعودة جماعية إلى حضن الجبهة من قبل الرفاق الذين واجهوا جملة من تحديات صعبة ، وظروف قسريه أرغمتهم إلى الابتعاد عنها لفترة من الزمن .
وقد تم التعبير عن هذا الانجاز الجبهوي عبر بيان سياسي أعلن من دمشق في فبراير شباط 2013 ، وعمم على القيادة الفلسطينية ، وعلى عموم أبناء شعبنا ، ونشر عبر وسائل الإعلام المختلفة .
وقد حفظت الجبهة لهؤلاء الرفاق جميعا حقهم التاريخي والنضالي ، كما حفظت لهم مواقعهم التنظيمية والقيادية عملا باللوائح والنظم الجبهوية .
ورغم صعوبة الظرف الراهن وما يواجه الجبهة وقضيتنا الوطنية من تحديات جسيمة ، إلا أن الجبهة وأمينها العام وأطرها القيادية تولي اهتما بالغا لترتيب أوضاعها بشكل متواصل ، عبر ترسيخ الحياة الديمقراطية داخلها ، والتي تشكل الأداة الحيوية لضمان استمرارية النهوض بأوضاعها الداخلية ، وتحسين ورفع مستوى أدائها ليصل إلى مستوى مواجهة التحديات المصيرية .
ولأجل ذلك لم توفر قيادة الجبهة جهدا إلا وبذلته من اجل توفير الظروف المناسبة لانعقاد المؤتمر العام الثامن للجبهة خاصة وانه قد استحق هذا الأمر منذ زمن طويل ، وقد أعاق حدوثه جملة الظروف الموضوعية القاهرة والمعروفة .
ولتجاوز هذه الظروف والعقبات ، ولضمان سير العملية الديمقراطية داخل الحياة التنظيمية ، اعتمدت قيادة الجبهة مجموعة من الرؤى العملية ، وجملة من الصياغات الإبداعية التي لا تتعارض من النظام الداخلي للجبهة ، ويمكن بذات الوقت  أن تغطي هذا الفراغ بشكل مؤقت ، والذي خلفه غياب الصيغة التقليدية لدورية انعقاد المؤتمرات العامة ، الأمر الذي لابد من العودة إليه حالما توفرت الظروف الموضوعية والذاتية لتحقيق ذلك .
وعلى صعيد الرؤية السياسية ، والممارسات والتكتيكات النضالية، تمكنت الجبهة من إعادة صياغتها إلى مستوى يرقى لعظمة  تضحيات شعبنا ، ويواكب مسيرة عطائه وكفاحه الوطني المتواصل من اجل دحر الاحتلال وهزيمة المشروع الصهيوني على ارض فلسطين ، وتحقيق حرية شعبنا وعودته إلى دياره التي شرد منها عملا بقرار الشرعية الدولية 194 ، وإقامة وتجسيد الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس .
لقد تركت الجبهة عبر مسيرة كفاحها الطويل بصمات مضيئة ومشرفة على درب حرية شعبنا ومقاومته الباسلة للانعتاق والخلاص من الاحتلال والظلم التاريخي الذي لحق به لعقود من الزمن ، وقد جسدت الجبهة مكتسباتها الوطنية عبر ما قدمته من تضحيات عظيمة ، توجتها ارواح الشهداء العظام، والام الجرحى وصمود وعذابات المعتقلين في سجون الاحتلال ، وفي أقبية سجون الرجعية العربية المتواطئة .
و كغيرهم من المناضلين من أبناء شعبنا لم يبخل قادة الجبهة بأنفسهم وأرواحهم ، ليقدموها قرابين على مذبح المجد والحرية ، وتقدمهم الأمناء العامون الثلاثة للجبهة الشهداء القادة(  طلعت يعقوب) (  وأبو العباس ) ( وأبو احمد حلب) ، وكان قد سبقهم أو لحق بركبهم قادة عظام من المكتب السياسي واللجنة المركزية ، والكوادر القيادية  وعلى رأسهم أبو العمرين فؤاد زيدان ، وحفظي قاسم أبو بكر ، وسعيد اليوسف ، وأبو كفاح فهد ، وأبو العز ، ومروان باكير ، ونائل سلامة أبو العمرين ، وأبو عيسى حجير ، وجهاد حمو ، ومحمد حامد سليمان "ابو سعدو"، وخالد عبد الكريم ، وابو خلدون ، وابو الفهود.. وغيرهم ممن اتخذوا طريق التضحية لأجل فلسطين سبيلا.
إن الظرف الراهن من عمر مسيرة كفاح شعبنا بشكل عام ، ومسيرة الجبهة النضالية على وجه الخصوص مازال صعبا ومعقدا ، وقد زاد من تعقيداته العدوان المتواصل والمتصاعد ضد شعبنا وأرضنا الفلسطينية ، وارتكاب المزيد من المجازر وجرائم الحرب من قبل الاحتلال ، وحجز آلاف المناضلين في السجون ومعسكرات الاعتقال الجماعي ،  وما قام ويقوم به الاحتلال من بناء جدار فصل عنصري ، وتوسع استيطاني استعماري محموم في القدس والضفة الفلسطينية ، وتشديد للحصار وتقطيع لأوصال المدن الفلسطينية في محاولة لتحويلها إلى معازل مغلقة ، عدا عن سياسة وإجراءات  التهويد والتشريد وتزوير وتغيير معالم المدن والبلدات العربية وسرق التراث الفلسطيني، والسطو المتواصل على مقدرات شعبنا الوطنية ، وإمعان حكوماته المتعاقبة في التنكر لحقوق شعبنا الوطنية والإنسانية ، ضاربة عرض الحائط كافة الأعراف والمواثيق والقوانين الإنسانية ، وقرارات الشرعية الدولية التي حفظت لشعبنا حقوقه الوطنية .
والأمر الثاني الذي ساهم إلى حد بعيد في فرض مزيد من التعقيدات ، ما حصل من انقسام وشرخ في الحالة الفلسطينية الذي تسببت به حركة حماس عندما انقلبت على الشرعية الفلسطينية واستولت على مقاليد السلطة ومقارها وكافة مؤسساتها المدنية والعسكرية في قطاع غزة ، الأمر الذي ادخل الساحة الفلسطينية في نفق مظلم من الصراعات والتجاذبات  السياسية بين تيارات الإسلام السياسي التي تقودها حماس ، وكافة القوى الوطنية والديمقراطية الفلسطينية التي تمثل غالبية فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح .
وهذا الأمر على استمراره خلق تداعيات ضارة ، ليس اقلها أن اضعف الجسد الوطني وأنهكه واشغله عن همه الأساسي في مواجهة الاحتلال الغاصب من ناحية ، وشرع الأبواب لتدخلات إقليمية ودولية حاولت جاهدت من قبل وفشلت ، وقد وجدت في حالة الانقسام  ضالتها ، والفرصة السانحة لتمرير أجنداتها الخاصة على الموضوع الفلسطيني ، بعد ان حصل هذا الخلل والشرخ الطولي في الساحة الفلسطينية  .
وعوضا عن هذا وذاك ، وما تركته تطورات الأحداث التي عصفت  بالثورة الفلسطينية ، وجملة التحديات التي واجهتها وواجهة مشروعنا الوطني ، خاصة عند المفاصل والمنعطفات الحادة ، التي فرضت بشكل أو بآخر انعكاساتها الموضوعية على الجبهة ، وكان لها بالغ الأثر على مسيرة تطورها ، وتصدع هياكلها وبناها في بعض الأحيان ، إلا أنها كانت تنهض من جديد بعد كل أزمة تواجهها رغم الصعاب والعثرات ، وتمكنت بعزيمة أبنائها قادة وكوادر ومناضلين ، وعبر إصرارهم على مواصلة درب النضال الطويل ، ومن خلال إسهاماتهم ومشاركاتهم وانخراطهم في الفعل الوطني على تعدد أشكاله وأنواعه ، متمسكين بثوابت وحقوق شعبهم الوطنية المشروعة حتى زوال الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني الناجز ، ومن خلال احتضانها من قبل أبناء شعبنا بكافة فئاته وشرائحه الاجتماعية الواسعة ، وخاصة الكادحين من عمال وفلاحين وكسبة صغار ، ومن قطاع المرأة الواسع والطلبة والمثقفين الوطنيين المتنورين .. تمكنت من ان ترسخ حضورها الوطني والاجتماعي كفصيل وطني رائد على الساحة الفلسطينية إلى جانب كافة فصائل العمل الوطني .
وأمام مسؤولياتها الوطنية وقفت الجبهة كعادتها في الخندق الأول لمواجهة الاحتلال وعدوانه المتواصل على شعبنا وأرضنا الفلسطينية ، وقدم أبنائها صورا مشرفة من البطولة والفداء وسقط منهم الشهداء وعلى رأسهم الشهيد البطل عبد الناصر هديب ، كما اعتقل منهم المئات في الأحداث والمواجهات الدائرة مع قوات الاحتلال وقطعان مستوطنيه الاستعماريين ، وكان على رأسهم الأسير المحرر محمد التاج عميد أسرى الجبهة في سجون الاحتلال ، ومازال عدد منهم  يقبع داخل السجون يواجهون أحكاما عالية تصل إلى عشرات المؤبدات ، وقد مضى على اعتقالهم أكثر من اثني عشر عاما .
وفي الوقت الذي أكدت فيه الجبهة على تمسكها وتمسك شعبنا بالحق المشروع في مقاومة الاحتلال بكافة الطرق والوسائل الممكنة والمشروعة بما فيها الكفاح المسلح ، فقد مارست الجبهة في المرحلة الراهنة أسلوب المقاومة الشعبية ضد الاحتلال بكافة أشكاله المتواجدة على الأرض الفلسطينية ، خاصة بعد أن حظي  هذا الأسلوب من المقاومة بإجماع وطني ،  باعتباره الأسلوب الأنسب والأنجع لمواجهة الاحتلال في ظروف المرحلة الراهنة من مسيرة كفاح شعبنا .
وفي الشأن الوطني الداخلي الفلسطيني وقفت الجبهة بحزم أمام حالة الانقسام الحاد الذي أصاب الساحة الفلسطينية ، وأدانت الجبهة منذ البداية ما أقدمت عليه حركة حماس من انقلاب عسكري واستيلائها على مؤسسات ومرافق السلطة المدنية والأمنية في قطاع غزة ، واعتبرت أن هذا الأمر على خطورته كان يجب أن لا يتم باعتباره خروجا عن أعرافنا وتقاليدنا الوطنية ، ولا يشكل جزءا من ثقافتنا الوطنية ، وان استمراره سيخلق الكثير من التداعيات التي تلحق الأذى والضرر في حاضر ومستقبل قضيتنا ومشروعنا الوطني .
وعليه فقد وظفت الجبهة منذ البداية كافة إمكاناتها ، وبذلت كل ما توفر من جهد لمحاصرة هذه الحالة الشاذة وابقاها في إطار حدودها الضيقة إلى أن يتم إنهائها بالكامل ، في إطار حوار وطني شامل .
لم تتمكن الجبهة وكافة فصائل العمل الوطني من تحقيق ذلك لدرء مخاطره على شعبنا رغم مسيرة الحوار الطويلة ، وما تخلل من ذلك من جهد وطني مخلص ، وجهود عربية ملموسة أدت إلى الوصول لتفاهمات جوهرية شارك فيها كافة الأحزاب والقوى السياسية الفلسطينية وفي المقدمة منهم الحركة الأسيرة الفلسطينية التي صاغت وثيقتها التي شكلت أساسا قويا لإنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة ، إضافة إلى اتفاق القاهرة 2005 وإعلان الدوحة الشهير ، وما تلا ذلك من توافقات على البدء باليات التنفيذ التي تسير ببطء شديد بسبب العراقيل والمعيقات التي يفرضها الأطراف التي تستفيد من استمرار حالة الانقسام وعلى رأسها بعض قادة حركة حماس ، كونها تلبي رغباتهم الضيقة وتخدم مصالحهم الفئوية الضيقة.
وتعتقد الجبهة وقيادتها التي تواصل جهودها لإنهاء هذه الحالة الضارة  يجب أن ينجز بأسرع وقت ممكن ، وذلك عبر توفر الإرادة الوطنية الصادقة لتحقيق ذلك ، كون استمرارها  يخدم الاحتلال وحده ، ويشغل شعبنا عن همومه وقضاياه الوطنية الأساسية .
كما تعتقد الجبهة أن الظرف قد بات مهيأ لتحقيق المصالحة وإنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة أكثر من أي وقت مضى ، خاصة في ظل ما يواجه شعبنا من تحديات جسيمة ، وانسداد للأفق السياسي بسبب تعنت الاحتلال وإصراره على مواصلة تبني وممارسة نهج الاستيطان والعدوان من ناحية ، وبسبب الانحياز الكامل للإدارة الأمريكية وما تقدمه من دعم لا محدود لسياسات الاحتلال العدوانية ، وأيضا في ظل إرادة دولية عاجزة عن كبح جماح الاحتلال وإرغامه على الامتثال للشرعية الدولية وقراراتها الملزمة ، خاصة ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية ، وكذلك في ظل ما نشهده من تحولات ديمقراطية  ومخاض صعب  تعيشه البلدان والشعوب العربية ، وتعقيدات ما يواجهها في هذه المرحلة وهي تحاول أن تصوب أوضاعها الداخلية ، وما يشوب ذلك من تدخلات إقليمية ودولية تحاول أن تفرض أجنداتها الخاصة على هذه التحولات .
وترى الجبهة انه مازال أمام قضيتنا وشعبنا وقيادتنا الوطنية الكثير من الاستحقاقات  التي يجب انجازها على الأجندة الوطنية والتي يتطلب تحقيقها العمل بموجب استراتيجية الإجماع الوطني التي ترتكز على قضايا أساسية هامة أبرزها:
_ تعزيز صمود شعبنا وتمكينه على مواصلة مقاومته الوطنية المشروعة ، وتوسيع رقعتها الشعبية لتشمل كل الأرض الفلسطينية .
_ الإسراع بإنجاز المصالحة الوطنية على أساس الاتفاقات الوطنية الشاملة ، وتنفيذ آليات عملها وفق سياقاتها ومواعيدها المحددة دون إبطاء أو تسويف .
_ مواصلة المعركة السياسية والدبلوماسية على المستوى الدولي والانضمام لكافة المواثيق والمؤسسات الدولية ونيل العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة .
_ وتؤكد الجبهة موقفها الرافض لمبدأ المفاوضات المباشرة مع الاحتلال ، خاصة وان تجربة طويلة في هذا السياق قد أثبتت فشلها ، ولم يستفد منها سوى الاحتلال الذي وظفها خلال عشرون سنة خلت لفرض وقائع جديدة على الأرض من خلال عدوانه المتواصل ، واستيطانه الاستعماري الذي تضاعف لمرات ومرات.
وإدراكا من الجبهة  لهذه الحقيقة ، وما يثبته واقع الاحتلال بشكل يومي من تنكر صارخ لحقوق شعبنا الوطنية كاملة ، وإصرار هذا الاحتلال وعبر ما تنتهجه حكوماته اليمينية المتطرفة من سياسات عدوانية وعنصرية وفاشية ضد شعبنا وأرضنا الفلسطينية ، بدعم وانحياز كامل من الإدارة الأمريكية ، وما تضعه هذه الحكومات الاحتفالية المتطرفة والمتعاقبة من عراقيل وعقبات أمام أي مبادرة لفتح أي أفق سياسي يمكن أن يؤدي إلى تسوية عادلة لقضية الصراع ، تحفظ حقوق شعبنا وفق ما أقرته الشرعية الدولية .
فقد دعت الجبهة ، وما زالت تؤكد على دعوتها لإعادة النظر بمجمل العملية السياسية في ظل موازين القوى الراهنة التي تميل لصالح الاحتلال ، وفي ظل فشل الولايات المتحدة من ان تلعب دورا محايدا ونزيها في رعايتها لمسيرة التسوية المتوقفة أصلا منذ سنوات .
وعليه ومنذ وقت طويل قد أعلنت الجبهة موقفها بضرورة عقد مؤتمر دولي كامل الصلاحيات ، ملزم في قراراته   وبأسقف زمنية محددة ،  تحضره كافة الأطراف تحت مظلة الأمم المتحدة ورعايتها الكاملة ، لحل قضية الصراع على أساس الشرعية الدولية وقراراتها ذات الصلة بالقضية الفلسطينية ، ومازالت تؤكد التزامها بهذا الموقف ، خاصة وان شعبنا قد اثبت بصموده وبقائه على أرضه ومقاومته المتواصلة ضد الاحتلال وقدرته على بناء مجتمعه المدني وفق عملية ديمقراطية نافست بتنظيمها ونزاهتها الكثير من الدول المستقلة ، وكذلك العديد من الدول المتقدمة .. انه قادر على تقرير مصيره بنفسه ، وإقامة وتجسيد دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس .
وفي سياق ذي صلة فقد حققت القضية الوطنية الكثير من المكاسب السياسية والدبلوماسية التي يمكن أن تشكل انطلاقة حقيقية لبدء أية عملية سياسية ذات علاقة ، ومن ابرز هذه المكاسب ما تحقق من اعتراف دولي كاسح بعضوية فلسطين في الأمم المتحدة بصفة مراقب في 29 نوفمبر 2012على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس  ، ونيل العضوية الكاملة في اليونسكو ، إضافة لرفع التمثيل الدبلوماسي لعشرات الممثلات الفلسطينية في عواصم بلدان العالم لمستوى السفارات ، الأمر الذي بمجمله الذي احدث تأثيرا واضحا في الميزان الدولي لصالح قضيتنا الوطنية وبما يعزز من عدالتها السياسية والقانونية والإنسانية .
هذا إضافة إلى التأكيد على الوقف الكامل والشامل للاستيطان الاستعماري في عموم الأرض الفلسطينية ، وإطلاق سراح الأسرى جميعا من سجون الاحتلال ، كمقدمة لبدء أية عملية سياسية يمكن أن تفضي إلى تحقيق الحل العادل وليس نتيجة لها .
وتؤكد الجبهة أن العمل بموجب هذه الاستراتيجية الوطنية سيؤدي بالضرورة إلى استنهاض كافة أوضاعنا ، ويخرجنا من دوامة الفراغ السياسي الراهنة ،  ويقربنا من ساعة خلاصنا وتحقيق أماني وطموحات شعبنا الوطنية في الحرية والعودة واستقلالنا الوطني الناجز .
وأمام ما تقدم كمدخل للتعريف بجبهة التحرير الفلسطينية من حيث النشأة ومسار تطورها عبر مراحل النضال المختلفة ، وهي تستنبط أساليبها الكفاحية التي تتلاءم وطبيعة كل ظرف بعينه من ظروف النضال التي تفرضها ساحة المواجهة مع الاحتلال وسياساته العنصرية والفاشية الإجرامية من ناحية ، والاقصائية الاستعمارية الاجلائية من ناحية أخرى، لتؤكد أنها ماضية قدما على ذات المبادئ ، وذات الدرب الكفاحي الذي انتهجه وسار عليه الرواد المؤسسون وفي مقدمتهم القادة الشهداء الأمناء العامون للجبهة  طلعت يعقوب،  وأبو العباس ، وأبو احمد حلب ، كما قضى دونه قافلة طويلة من شهداء الجبهة وشهداء شعبنا عموما قادة ومناضلون ، من اجل حرية شعبهم وخلاصه من الاستعمار الصهيوني الذي اغتصب فلسطين ،  إضافة إلى آلاف الجرحى والمبعدين ، وآلاف الأسرى والأسيرات البواسل من أبناء شعبنا الأبطال وأبناء امتنا العربية المجيدة ، ومازال منهم الآلاف قيد الاعتقال يواجهون السجان بصدورهم العارية وأمعائهم الخاوية ، وإرادة صلبة لا تلين من اجل حريتهم وحرية شعبنا الفلسطيني .
وستبقى الجبهة على العهد ماضية في مسيرتها النضالية على ذات المبادئ التي انطلقت من اجلها، وفية لدماء الشهداء، وتضحيات شعبنا العظيمة، وتضحيات ابناء امتنا العربية المجيدة، متمسكة بثوابت وحقوق شعبنا الوطنية المشروعة في الحرية، والعودة، وحق تقرير المصير، وإقامة وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس .
جبهة التحرير الفلسطينية
دائرة الاعلام المركزي

Developed by: Hassan Dbouk