التكوين والتأسيس

نشر بتاريخ: 11.2.19

محتويات



جذور القضية الفلسطينية 

في العام 1799 تبددت وعود نابليون بونبارت بإقامة كيان يهودي على أرض فلسطين، حيث تحطمت طموحات وأحلام الجيش الإستعماري على أسوار عكا، ومع نهاية سبعينات ومطلع ثمانينات القرن التاسع عشر، بدأت الهجرة اليهودية إلى فلسطين تأخذ طابعا ملموسا خصوصا في أعوام 1881 و1882 و1896 ليؤسس اليهود الوافدين في ذلك الحين أول مستعمراتهم الإستيطانية على بعض الأراضي الفلسطينية الخاضعة للنفوذ العثماني. 
في العام 1897 انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في سويسرا حيث عرض ثيودور هرتزل زعيم الحركة الصهيونية العالمية على السلطان عبد الحميد الثاني مغريات مالية باهظة مقابل منح المهاجرين اليهود قطعة أرض من فلسطين ليقيموا عليها حكما ذاتيا لكن السلطان رفض ما ورد في عروضات هرتزل وأصدر تعليماته بالحد من حركة اليهود ومنعهم من الدخوزل إلى مدينة القدس. 
بدأ المشروع الصهيوني الإستيطاني على أرض فلسطين في وقت كان فيه العالم العربي خاضعا للنفوذ العثماني وكانت الدول الإستعمارية تتهيأ وتعد الخطط لتقاسم نفوذ الإمبراطورية المتهالكة، بينما كان شعبنا الفلسطيني كباقي الشعوب العربية يعيش على كفافه ويسعى لإلتقاط قوت يومه خاصة في ظل نظام التجنيد الإجباري للسلطنة العثمانية خاصة مع إندلاع الحرب العالمية الأولى التي أدت إلى غزو الدول الإستعمارية للمنطقة العربية لتسقط بلاد الشام تحت نير الإحتلال البريطاني والفرنسي ولتكون فلسطين من حصة بريطانيا وفقا لإتفاقية سايكس بيكو التي قسمت النفوذ بين فرنسا وبريطانيا هذه الإتفاقية التي كشفها إنتصار ثورة أوكتوبر الإشتراكية في روسيا في العام 1917. 
وفي تشرين الثاني من العام 1917 بعد شهر واحد من إنكشاف إتفاقية سايكس بيكو منح وزير الخارجية البريطاني بلفور وعدا للحركة الصهيونية بمنح أرض فلسطين كوطن قومي لليهود رغم أن عدد اليهود في ذلك الوقت لم يتجاوز 5 % من عدد السكان دون أي إعتبار للشعب الفلسطيني الذي غرس حضارته العربية منذ آلاف السنين منذ كانت تسمى فلسطين بأرض كنعان والتي باتت تعرف بإسم فلسطين نتيجة الإختلاط والتمازج الحضاري والثقافي بين العرب وشعوب الفلستي التي وفت إلى سواحلها قادمة من البحر، لتبدأ الحركة الصهيونية بوضع مشروعها الجاد من أجل زيادة عدد لمهاجرين اليهود إلى فلسطين وإستيطان الأراضي وإقامة الكيبوتسات عليها. 
كان شعبنا في ذلك الوقت يتعاطى مع حكم السلطنة من منطلق عقائدي بإعتباره حكم خلافة إسلامية وما أن بدأت مظاهر الإستبداد والفساد والمحسوبية تظهر في ذلك الحكم حتى بدأت النخب السياسية الفلسطينية تتحرك من أجل التخلص من حكم دام أربعة قرون لتفتح أبواب الإتصالات بالدول الغربية التي وعدتها بإقامة كيان عربي في فلسطين. 
بين الحربين العالميتين الأولى والثانية لم يقف الشعب العربي الفلسطيني متفرجا على ما يجري على أرضه من إستعمار صهيوني وهجرة يهودية متزايدة بل بدأ بالتصدي لهذا التوغل الذي يتم على أرضه بمساعدة من جيش الإحتلال البريطاني، فكانت هبة البراق في العام 1919 وثورة 1921 وثورة 1923 والثورة الكبرى في العام 1936. في فترة كانت مليئة بالصراعات الدولية على إقتسام النفوذ بينما تخضع المنطقة العربية للإستعمار، كان شعبنا يواجه عدوانا عليه وعلى أرضه وهويته وحاضره ومستقبله، لينمو الوعي الوطني وليخوض شعبنا كفاحا من أحل تثبيت هويته الوطنية بمقاومة باسلة يشتد عودها حينا ويضعف حينا بسبب قلة الخبرة والتدريب وشحة العتاد والسلاح، الأمر الذي لم يمكنها من تحقيق أهدافها الوطنية التي بدأت بالتبلور تدريجيا. 
كان شعبنا بمواجهة مع جيش الإحتلال البريطاني الذي فرض حكمه بعد غزوه لفلسطين وبمواجهة عصابات صهيونية مدربة ومسلحة لجأت لإرتكاب المذابح والمجازر بحق القرى والبلدات الفلسطينية ما أدى إلى تهجير شعبنا وإحتلال أرضنا من قبل العدو الصهيوني في العام 1948 عقب إحتلالها الجزء الأكبر من فلسطين بعد إنسحاب الجيش البريطاني، ورغم هذا لم تتوقف مقاومة شعبنا لهذا العدو رغم ضعف المقاومة وغياب التنظيم وضعف الجيوش العربية وترهل أوضاعها وتواطؤ الأنظمة العربية التي استقلت دولها حديثت وكانت وما تزال تربطها علاقات التبعية بالدول الإستعمارية الكبرى ما أدى إلى إحتلال ما تبقى من أرض فلسطين في العام 1967 إضافة إلى أجزاء هامة وواسعة من أراضي الدول العربية المحيطة بها. 

بدايات جبهة التحرير الفلسطينية (1959 – 1965) 

نشأت جبهة التحرير الفلسطينية في مخيمات اللجوء والشتات على يد مجموعة من الشباب الفلسطيني في نهاية خمسينات القرن الماضي كتنظيم وطني فلسطيني، هذه المجموعة التي وضعت اللبنة الأولى لزهور تنظيم يحمل إسم "جبهة التحرير الفلسطينية" منتهجا حرب الشعب طويلة الأمد معتمدا الكفاه المسلح كأسلوب وحيد لمواجهة المشروع الصهيوني الإستعماري الذي إغتصب أرض فلسطين بواسطة عصاباته التي ارتكبت المجازر وشردت شعبنا بقوة السلاح تنفيذ لمؤامرة دولية فحلت الكارثة الكبرى بشعبنا في العام 1948 وما زالت فصولها المفجعة إلى يومنا هذا. 
لقد جاءت نشأة هذا التنظيم كرد ثوري على فشل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا التي علقت عليها جماهير شعبنا آمالا واعدة بإستعادة الحرية والكرامة والحقوق الوطنية فأجمع الرواد الأوائل المؤسسون على جملة من الأفكار والمبادئ الوطنية الثورية لتشكل مرتكزا أساسيا لصياغة برنامج الجبهة تحت عنوان "المبادئ الإئتلافية" التي تكونت من ستة مبادئ هي الكفاح المسلح وتحريم التكتل وحرية الدين ومنع الإزدواجية والديمقراطية والشورى لتعبر عن رؤية الجبهة بإقامة مجتمع قائم على مبادئ الكفاية والعدل لتترك شكل الحكم لما بعد التحرير وفقا لما يقرره مجلس وطني فلسطيني. 
لقد لخصت "جبهة التحرير الفلسطينية" استراتيجيتها بشعار "تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني عن طريق الكفاح المسلح" ولخصت إتجاهها الفكري بشعار "ثورة حتى تحرير الأرض والإنسان"، أما بنيتها التنظيمية فقد قامت على شكل مجموعات عسكرية مقاتلة لتتمكن في العام 1964 من تشكيل ثلاث مجموعات قتالية مدربة ومسلحة مع تحديد مجالات عملها وهي: 
1) مجموعة الشهيد عز الدين القسام / ومجال عملها سهل الحولة وطبريا وقرى الجليل الأعلى. 
2) مجموعة الشهيد عبد القادر الحسيني / ومجال عملها الضفة الغربية. 
3) مجموعة الشهيد عبد اللطيف شرورو / ومجال عملها الحدود المتاخمة لجنوب لبنان وشمالي فلسطين. 
في مرحلة تأسيس الجبهة، كانت الساحة الفلسطينية تعيش حراكا واسعا وإرهاصات وطنية أخذت بالحسبان الإستفادة من التجارب الثورية الرائدة في لاوس وكمبوديا وفييتنام والجزائر وكوبا. .. لتكون هذه التجارب نماذجا يحتذى بها في كيفية حمل الشعوب على عاتقها مهمة التحرر من خلال مزج طاقات الجماهير صاحبة المصلحة الأولى بتحقيق الإنتصار. وقد شهدت الساحة الوطنية الفلسطينية تشكيل العديد من المجموعات المناضلة منها من استمر ومنها من انتهى أو توحد مع مجموعات أخرى. 
كانت لتلك المرحلة دورا بالغ التأثير في طبيعة وشكل الحمل الوطني التحرري الفلسطيني ليتبلور الوعي الوطني عند الشباب الناشئ الثائر والمتمرد على الواقع بكل تفاصيله المأساوية، وكانت الجبهة تستشعر وجود نواة لعمل فلسطيني مؤثر في المحيط التي نمت فيه البذور الأولى لنشأتها، وما أكد مصداقية ذلك ولادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في وقت كانت الجبهة قد قطعت شوطا لا بأس فيه على طريق الإعداد والتدريب وتنفيذ بعض العمليات العسكرية خلف خطوط العدو داخل الوطن المحتل أبرزها: 
نسف قطار خط القدس - بتير.
نسف سكة حديد في نفس المكان السابق.
مهاجمة مستوطنة " ديشوم " في الجليل الأعلى، ونسف خزان المياه ومحطة الكهرباء فيها.
مهاجمة كمين صهيوني قرب الحدود السورية وقتل معظم أفراده.
نسف سينما رويال بحيفا على يد أول أسير للجبهة لدى العدو الصهيوني (سمير درويش) الذي أعتقل أثناء مغادرته المنطقة إلى تل أبيب.
تواصلت الجبهة في ذلك الوقت مع حركة فتح التي انطلقت من قناعات وطنية وبرنامج وأهداف تنسجم مع قناعات الجبهة ومبادئها إضافة إلى الأسلوب الكفاحي لحركة فتح الذي يلتقي مع نهج الجبهة من أجل استعادة حقوق شعبنا، ليتم التوصل إلى إتفاق وحدوي أولي وتشكيل نواة قيادة موحدة لكن هذا الإتفاق لم يبصر النور بسبب التدخلات العربية حيث بدأت محاولات بعض الأنظمة العربية التأثير على إتجاهات بعض القوى الموجودة لتظهر التعارضات هنا وهناك وبالتالي لم تنجز الوحدة المنشودة واستمرت الجبهة بالعمل بشكل مستقل عن حركة فتح لتكرس هويتها النضالية والسياسية ولتمارس الكفاح المسلح إلى جانب قوات العاصفة الجناح العسكري لحركة فتح متجاوزة كافة الإنعكاسات السلبية لعدم تحقق إتفاق الوحدة. 

سقوط أول شهيد ونكسة حزيران 1967 (1965 – 1967) 

رغم أن الجبهة قد نفذت العديد من العمليات العسكرية ضد الأهداف الصهيونية داخل فلسطين لكن لم يسقط لها أية شهداء بل كان المقاتلين يعودون لقواعدهم سالمين بعد التنفيذ وإلحاق خسائر كبيرة بالعدو، لكن في عملية "ديشوم" وهو إسم قرية في شمال فلسطين سقط أول شهيد للجبهة على أرض فلسطين وهو الرفيق خالد الأمين فأعلنت عنها الجبهة كونها أول عملية يسقط فيها شهيد لللجبهة. 
في حرب 1967 لبت الجبهة نداء الواجب واستنفرت كوادرها وأظهرتهم للعلن لتكون هذه المعركة الفرصة التي يتعرف فيها أعضاء الجبهة على القيادة وإن كان الشكل العلني هو في العمل الميداني خلال الحرب خصوصا في مواقع في الجولان، وعقب الحرب استطاعت رفاقنا المدربين جمع كمية كبيرة من السلاح والعتاد لتشكل دورا أساسيا في التجربة القتالية اللاحقة، ورغم نكسة 1967 فقد كانت هذه فرصة للجبهة لتتواجد على الأرض بشكل أكثر فعالية ولتؤسس نفسها وكذلك مفاصل العمل الوطني في مرحلة جديدة من العمل الثوري امتدت بين 1967 و1970. 

ولادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة (1967 – 1968) 

قبيل نكسة حزيران ظهرت على الساحة الفلسطينية العديد من التنظيمات أبرزها شباب الثأر وأبطال العودة وحركة القوميين العرب وكذلك تنظبم فلسطين العربية الأقل حجما ودورا، وسرعان ما تم الحوار هذه التنظيمات لتندمج في فصيل وطني سمي "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، ولكن هذه الوحدة لم تدم طويلا بسبب الرؤية والمنهج الفكري ما أنهى تلك التجربة سريعا. 
بينما كانت حركة القوميين العرب التي أسسها الحكيم جورج حبش ظاهرة واسعة حيث نمت وتطورت مع حركة النهوض القومي الناصري وما حققته من تأثير بالوجدان الشعبي العربي، وكان شباب الثأر وأبطال العودة من المؤسسين لهذا التيار القومي الجارف بينما كانت جبهة التحرير الفلسطينية في مرحلة النضوج فلم تتمكن من صياغة شعارات مماثلة كما حركة القوميين العرب لأن الهم الوطني كان مستحوذا على قيادة الجبهة دون إغفال البعد القومي وأهميته، لتميز الجبهة نفسها بإسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة وهو الإسم الذي كان يطلق على القيادة العسكرية للجبهة الشعبية التي كانت بمعظمها من جبهة التحرير الفلسطينية قبل تجربة الوحدة بينما حمل القسم الثاني إسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – المكتب السياسي الذي كان بمعظمه من حركة القوميين العرب، ورغم قصر العمر الزمني لتجربة الوحدة إلا أنها حققت قفزة مهمة بالعمل الكفاحي خاصة العمل العسكري ضد العدو الصهيوني. 

معركة الكرامة 21/3/1968 

كانت لمعركة الكرامة أثرا هاما بتاريخ الثورة الفلسطينية وقد كانت الجبهة موجودة بقلب الحدث إلى جانب مقاتلي فتح وقوات التحرير الشعبي والجيش الأردني الذين تصدوا ببسالة للهجوم الصهيوني على منطقة الكرامة ملحقين خسائر فادحة بالقوات الصهيونية لتشكل هذه المعركة أول رد ثوري على هزيمة حزيران وتعيد الإعتبار للإنسان العربي وخاصة الفلسطيني ولتعزز الثقة بالإمكانات الذاتية وتضيف زخما على الكفاح المسلح الفلسطيني. 
لقد شكلت المعركة مفصلا لتظهر الثورة الفلسطينية في الأردن من السرية إلى العلم مستندة على الشرعية النضالية ولتحدث نقلة نوعية في المؤسسة العسكرية الفلسطينية ظهرت بالتصعيد العسكري ضد العدو الصهيوني ولتطال التحولات منظمة التحرير الفلسطينية التي استلمت فصائل الكفاح المسلح زمام الأمور فيها ولتتحول من بيروقراطية سياسية معنوية إلى فعل ناشط في الحركة الوطنية الفلسطينية يقودها أصحاب فكرة الكفاح المسلح ليكون الأخ ياسر عرفات أبو عمار رئيسا لها. 

تطور الفكر السياسي والمؤتمرين الأول والثاني (1968 – 1970) 

بدأت رياح التغيير الفكري والسياسي تهب على الجبهة حيث تأثرت إلى حد بعيد بتجربة الوحدة مع حركة القوميين العرب وبما لمسته على الساحة الأردنية من ممارسات على الأرض وما اغتنت به من الأفكار التقدمية والقومية. لقد بدأت الجبهة بالبحث عن دور سياسي أوسع وعن هوية فكرية ترسم معالمها، فعقدت الجبهة في تشرين الأول 1968 مؤتمرها الأول الذي نظم مؤسستها القيادية على أساس ديمقراطي وأقر برنامجها السياسي تحت إسم الميثاق، وخلال عام من ذلك أثيرت داخل الجبهة مجموعة من الحوارات المعمقة تحورت بين وجهات نظر وطنية وأخرى ديمقراطية لتعقد الجبهة في تشرين الأول 1969 مؤتمرها الثاني الذي شهد آراءا وأفكارا متنوعة حول بنية التنظيم وهويته السياسية والفكرية. 

أيلول عام 1970 

فرضت معركة الكرامة معطيات جديدة كان لها الأثر الإيجابي في تطور مسيرة الثورة الفلسطينية لتنالالإهتمام الشعبي العربي وإهتمام الحركات الثورية العالمية في العديد من البلدان التي تحررت حديثا أو ما زالت تخوض نضالا تحرريا ضد قوى الإستعمار والإمبريالية العالمية، وقد تمكنت الثورة الفلسطينية من نسج العلاقات الأممية من أجل توفير الدعم والمساندة لكفاع شعبنا التحرري، وتمكنت الثورة الفلسطينية من إعادة صياغة بناها الثورية الداخلية لتأخذ شكل المجموعات والفصائل العسكرية وكان للجبهة دورا بارزا ومؤثرا من حيث العدد والعتاد ولتدريب والمهارة القتالية، وقد اتخذت بمجملها من الساحة الأردنية وجبهتها على طول نهر الأردن موقعا رئيسيا لها للعبور إلى الأرض المحتلة وتنفيذ عملها الفدائي، وممارسة أسلوب حرب العصابات ضد قوات الاحتلال في فلسطين المحتلة، لما أصبحت عليه هذه القوات من خبرة ودراية وتدريب وتسليح وخطط قتالية بعد معركة الكرامة وأنزلت ضربات موجعة ضد الاحتلال، ورغم الأهمية القصوى لما حصل بالنسبة لفصائل العمل الوطني إلا أن هذا لم يدم طويلا لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية أدت فيما بعد إلى ما أدت إليه. 
لقد تميز عام 1970 بعلامات وأحداث سياسية هامة وفارقة أثرت بشكل أو بآخر على مسيرة الثورة الفلسطينية، وقد تركت هذه الأحداث بصماتها على تلك المرحلة، وأخذت أبعادا مختلفة وتجليات متنوعة في المراحل اللاحقة لتطور هذه المسيرة وواقع المنطقة برمتها، وقد تم تجاوز بعضها، وبعضها الآخر بلغت تأثيراته إلى يومنا هذا وكان من ابرز تلك الأحداث: 
الرفض الفلسطيني لمشروع روجرز الأمريكي الذي استهدف القضية الفلسطينية عبر إجهاض المشروع الوطني للثورة الفلسطينية.
ظهور تباينات وتعارضات سياسية بين النظام في الأردن والفصائل الفلسطينية المسلحة، الأمر الذي وصل إلى حد الصدام المسلح وأدى إلى خروج الثورة الفلسطينية من الأردن، وانتقالها إلى الساحة اللبنانية.
رحيل الرئيس جمال عبد الناصر زعيم القومية العربية. 
تغيير بنية النظام في سوريا بحيث أصبح أكثر برغماتية، وأكثر استعدادا للتعاطي مع مشاريع التسوية السياسية. 
وهكذا فإن عام السبعين قد شكل بجملة أحداثه مفصلاً هاماً بحيث سارت الأوضاع العربية والفلسطينية باتجاهات جديدة، ما زالت تؤثر على طبيعة ومسار الموضوع السياسي إلى يومنا هذا. 
أدى خروج الثورة الفلسطينية نتيجة لهذه الأحداث إلى البحث عن موطئ قدم يتيح لها التماس مع العدو فوجدت أمامها الساحتين السورية واللبنانية، ونتيجة لعدة عوامل وضعت الثورة ثقلها الأساسي في لبنان ومن أهم هذه العوامل طبيعة الحدود اللبنانية مع شمال فلسطين، حيث التسلل منها أسهل بكثير من التسلل عبر الجولان، مما سهّل وجود خميرة ثورية تتمثل بالواقع الفلسطيني في لبنان الذي كان يعاني من إجراءات المكتب الثاني القمعية، هذا إلى جانب وجود حركة وطنية لبنانية قوية ومتميزة، كل هذه العوامل سمحت للثورة الفلسطينية أن تنظم وضعها في لبنان. 

ما بعد أيلول 1970: المؤتمر الثالث والمؤتمر الرابع (1970 – 1973) 

بعد أيلول عام 1970 كانت الأسئلة الأكثر إلحاحا تدور حول بنية التنظيم والهوية والفكرية والسياسية إضافة لمجموعة من الأسئلة المتعلقة بالظروف السياسية والتحديات التي تواجهها الثورة الفلسطينية حول ما حدث وطبيعته والمسؤولية والأداء ودور الأفراد، فجاء إنعقاد المؤتمر الثالث في نيسان 1971 الذي إكتفى بمنح قيادة الجبهة الفرصة لإعادة البناء من جديد بينما ظلت القضايا الفكرية والسياسية عالقة حتى المؤتمر الرابع الذي إنعقد في نيسان 1973 الذي شكل مفصلا هاما في تاريخ الجبهة. 
خرج المؤتمر الرابع ببرنامج سياسي حدد رؤية الجبهة السياسية ونظرتها لحاضر ومستقبل القضية الوطنية ونظام داخلي حدد إطار وهيكلية العمل التنظيمي ورسم نظم ولوائح عملها في إطار منهج ديمقراطي أساسه مبدأ المركزيوة الديمقراطية والقيادة الجماعية والنقد الذاتي ودخل البنية التنظيمية قيادة وكوادر جديدة أنتخبت من القاعدة إلى القمة بشكل ديمقراطي ما مهد الطريق لإنفتاح الجبهة على العمل السياسي والفعل النضالي بأشكاله المختلفة ليؤسس هذا المؤتمر لتطور مهم في الأداء السياسي والجماهيري وليرسي دعائم كبرى في مستقبل الجبهة وليشكل مجموعة من الهيئات والمؤسسات التنظيمية للعمل على أكثر من صعيد وأكثر من مستوى. 

حرب تشرين 1973 

اندلعت حرب تشرين في 1973 في فترة أعادت الجبهة بناء نفسها على الأرض بشكل جيد ولتؤدي دورا نضاليا مهما عبر الجبهتين اللبنانية والسورية فقد تمكنت مجموعات الجبهة من العبور إنطلاقا من لبنان إلى الأراضي المحتلة والإشتباك مع العدو والقيام بالمهمات الموكلة إليها. أما على الجبهة السورية فقد نسقت الجبهة مع الجيش السوري لأداء المهام التي تنسجم مع طبيعتها القتالية. وبغض النظر عن مساحات وتكتيك الفعل العسكري الذي تم خلال هذه الحرب، فقد مثلت صفحة مشرفة في التاريخ العربي وفي السجل القتالي للجندي العربي ولتكتيك العمل. 
في ذلك الوقت فجأ الرئيس المصري أنور السادات العالم وصدم الشعوب العربية عندما قال في ذروة العمل العسكري العربي "99 % من الحل بيد أميركا" ما يعني تغيرا في التحالفات الإقليمية الدولية والإستعداد لعقد تسوية مع العدو الصهيوني تعترف بوجود الكيان الصهيوني وتساوم على الحقوق العربية الأمر الذي لم ينسجم مع رؤية وأفكار الجبهة فرفصتها كما معظم القوى الفلسطينية بإستثناءات محدود لبعض القوةى التي بدأت تتحدث عن فرصة ملائمة لبعض الإنجازات الوطنية الأمر الذي أدى إلى وجود موقفين على الساحة الفلسطينية: 
- الموقف الأول نادى باستثمار ما يجري من أجل بناء سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء من الأرض الفلسطينية، يندحر عنه الاحتلال، وهذا كان موقف حركة التحرير الوطني الفلسطيني - فتح والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وطلائع حرب التحرير الشعبية - قوات الصاعقة. 
- الموقف الثاني قال أن موازين القوى السائدة في هذه المرحلة لا تسمح بذلك، مما يستدعي تشديد النضال لتحقيق الأهداف وتغيير موازين القوى القائمة، الذي أدى إلى تشكل " جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية" أو ما عرف بجبهة الرفض التي ضمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وجبهة التحرير العربية. 
وهكذا ظهر على الساحة الفلسطينية، ولأول مرة صراعات سياسية حول محاور ائتلافية، وكل محور يسعى إلى التشييع لرؤيته وفكره، ولكن ما يسجل لهذه التجربة أن التشييع للفكر السياسي تمثل بنفس الأدوات إذ حاولت جبهة الرفض تطوير أدائها ضد العدو الصهيوني لتحقيق شعارها، ونفس الشيء سعت إليه القوى التي نادت بالسلطة إذ شيعت لفكرها السياسي من خلال تصعيد الاشتباك مع العدو الصهيوني مما يمكننا القول أن هذه الخلاف انعكس بشكل إيجابي على الساحة الفلسطينية إذ كان محفزاً لتطوير الأداء التالي الفلسطيني. 

عملية الخالصة (كريات شمونة) 1974 

عندما أبدت الأنظمة العربية من أجل عقد صفقة سياسية مع العدو الصهيوني، بدأت الثورة الفلسطينية تتعرض لمضايقات عربية وأصبح من الضروري القيام بعمل عسكري يعطي الوخم المعنوي لجماهير شعبنا ويعبر عن الإصرار الفلسطيني لإسترجاع حقوقنا المشروعة فكانت عملية الخالصة لتكون باكورة مدرسة قتال جديدة أسس لها القائد العسكري للجبهة الشهيد القائد الرفيق فؤاد زيدان (أبو العمرين)، حيث إختار الشهداء القادة أبو العمرين وأبو العباس وحفظي قاسم أبو بكر الكادر المدرب والمقاتل القادر على تحقيق هذه الفكرة وقد تم الإعداد لهذه العملية الإستشهادية بدقة متناهية وتحديد الهدف بعناية ودقة وصدرت أوامر القتال بما يخدم الهدف الكفاحي تحت شعار "قسما سنحطم التسوية الإستسلامية" ونجحت مجموعة مؤلفة من ثلاثة رواد مقاتلين (ياسين موسى (العراق)، منير المغربي (فلسطين)، وأحمد الشيخ حمود (سوريا)) بإختراق الحدود اللبنانية الفلسطينيو فجر 11/4/1974 مخترقة الأجهزة الأمنية الصهيونية لتنجح المجموعة بالإشتباك مع العدو وإحتجاز رهائن، لتنتهي العملية بإستشهاد الرفاق الثلاثة وليعترف العدو ب 28 قتيلا وعشرات الجرحى لتسجل العملية كواحدة من أنجح وأبرز العمليات العسكرية بتاريخ العمل المسلح الفلسطيني حتى يومنا هذا. 
لقد كان للشهيد القائد الرفيق محمد عباس (أبو العباس) بصمات هامة لإنجاح العملية المميزة قبل تنفيذ العملية في مرحلتي الإعداد والتنفيذ وبعد تنفيذها حيث لعب دورا أساسيا في إبراز أهميتها السياسية على النستوى الإعلامي في مرحلة تكثفت فيها المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية بعد حرب تشرين في العام 1973 حيث كان الرفيق أبو العباس عضوا في المكتب السياسي والمفوض الإعلامي والناطق الرسمي بإسم الجبهة ليظهر الصورة الحقيقية للعملية رغم شح مصادر المعلومات والتعتيم الإعلامي متمكنا بحنكته القيادية وفراسته السياسية وقدراته الإعلاميوة من توظيف نتائج العملية سياسيا كأداة وأسلوب كفاحي لمواجهة التحديات التي تواجهها القضية الفلسطينية ومشروعها الوطني، ونتائجها وطنيا من خلال التغطية الإعلامية وعكس إرادة المقاتلين وقدرتهم على إختراف الحواجز الأمنية للعدو والإستشهاد على أرض المعركة ليرسم ملامح مدرسة قتالية متميزة على الساحة الفلسطينية. 

الحرب الأهلية اللبنانية (1975) 

في أجواء الغليان الاجتماعي والسياسي في لبنان وبعد استشهاد النائب معروف سعد نصبت مجموعة من حزب الكتائب كميناً عسكرياً لحافلة تقل مدنيين فلسطينيين كانوا قد انتهوا من المشاركة بمهرجان واسع لجبهة الرفض في الذكرى السنوية الأولى لعملية الخالصة في 11/4/1975، وأطلق الكمين النيران على المواطنين الفلسطينيين وهم في طريقهم إلى تل الزعتر مروراً من عين الرمانة ببيروت، فكانت تلك الحادثة بمثابة الشرارة التي اطلقتها القوى الانعزالية لإدخال الفلسطينيين أتون الحرب الأهلية في لبنان.
تكاثفت الأحداث وتسارعت وتيرتها، فالحركة الوطنية اللبنانية المتحالفة مع قوات الثورة الفلسطينية واستشعاراً منها بالخطر الذي يمثله المحور الآخر – محور الجبهة اللبنانية – على عروبة لبنان ووحدته وعلى مشروعها الديمقراطي زجت بكل طاقاتها من أجل تحقيق مكاسب على الأرض تخدم برنامجها وتعزز وجودها، وفي المقابل تمادى المحور الآخر في مشروعه الانعزالي، الذي استهدف جسد الثورة الفلسطينية ووجودها على ارض لبنان.
واتخذ الصراع أشكالاً عنيفة جداً تمثل في إحدى حلقاته بعزل المخيمات الموجودة داخل العمق الكتائبي، مثل مخيمي تل الزعتر وضبية، وحوصرت بالكامل، وتعرضت لهجوم وحشي ولمجازر فظيعة انتهت بترحيل سكان المخيمين. 

الولادة الثانية (1977 - 1979) 

في خضم وأمام هذه الأحداث التي زاد تدخل أطراف عربية من حدتها، وكشف حجم وخطورة أهدافها وسعيها لإنهاك جسد الثورة الفلسطينية، ومحاولة السطو على قرارها الوطني. .. كان ما يهم الجبهة هو حماية الشعب ولثورة، والدفاع عن مشروعها التحرري، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، واستمرار الصدام مع العدو الصهيوني في جنوب لبنان. 
انعكس هذا الواقع تنظيميا وسياسيا على الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة حيث وجدت بعض مفاصل القيادة المؤمنة بالعقلية العسكرية الضيقة مصالحها الضيقة في الإنحياز لهذه التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي اللبناني والفلسطيني وتمثل هذا بقيادة أحمد جبريل في حين سعت أغلبية أطر الجبهة القيادية وكوادرها بكل طاقتها لإخضاع هذه الخلافات لأطر الجبهة والإحتكام للنظام الداخلي والعقل والمنطق لتخرج الجبهة بأقل الخسائر ولكن دون جدوى، فقد زادت الأمور سوءا عندما قامت مجموعات مسلحة تابعة لأحمد جبريل بعمليات عسكرية ضد المكاتب المعارضة في بيروت ودارت معارك فاصلة في أكثر من موقع وسقط خلالها عدد من الشهدءا وبذلت القيادة الفلسطينية جهودا كبيرة لإحتواء هذا القتال الدموي. 
وإستمر هذا الوضع لأشهر طويلة وبعد عدة إجتماعات عقدت على مستوى القيادة الفلسطينية وأخرى داخل الأطر القيادية للجبهة تم التوصل إلى أن تعلن غالبية قواعد وكوادر الجبهة إنحيازها الكامل للشرعية الفلسطينية لتعني هذه الظاهرة الثورية العودة إلى الأصول الرئيسية وإلى إسم جبهة التحرير الفلسطينية العنوان الأول الذي ناضل رواد الجبهة ومؤسسيها الأوائل تحت رايته ليعلن هذا في 27 نيسان 1977 ليعلن هذا اليوم يوما وطنيا لجبهة التحرير الفلسطينية. 
إستعدت الجبهة لعقد مؤتمر عام وتمكنت في شهر آب 1977 من عقده في بيروت رغم الوضع الأمني الخطير الذي كانت تعيشه بيروت ورغم صعوبة الوصول إلى مكان المؤتمر، فكانت نتيجة المؤتمر إنتخاب قيادة للجبهة التي عينت مجلسا مركزيا كإجراء مؤقت على أن تعقد الجبهة مؤتمرها خلال عام واحد يحيث تكون الجبهة قد استكملت وثائقها ورسمت معالم وجودها السياسي والنضالي. 
رغم محاولة الجبهة الوليدة تفادي الصراعات مع الجبهة التي يقودها أحمد جبريل فقد قامت هذه المجموعة بإستهداف مقر القيادة العسكرية للجبهة في بيروت الذيكان مقر إجتماعات قيادة الجبهة فتم تفجير المبنى كاملا ما أدى إلى سقوط العشرات من الشهداء والجرحى من الرفاق والمدنيين اللبنانيين والفلسطيين بينهم الرفيق عمر شبلي "أبو أحمد حلب" الذي أصيب بجروح خطيرة كاد ان يفقد حياته بسببها لكنه استطاع العودة بعد علاج طويل ليكمل مسيرة النضال مع رفاق دربه. 
لكن الجبهة تابعت عملها وكرست جهدها للبناء الداخلي وتطويره وإستكمال برنامجها القائم على مواجهة العدو لتعقد مؤتمها السادس في أيلول 1979 الذي أقر برنامجها السياسي وبرنامجها التنظيمي والنظام الداخلي ولتنتخب لأول مرة لجنة الرقابة المركزية واللجنة المركزية والمكتب السياسي وامينها العام الرفيق القائد طلعت يعقوب ونائبا له الرفيق القائد أبو العباس. 

مدرسة خاصة وعمليات بطولية (1979 – 1982) 

نجحت الجبهة بفرض وجودها الميداني عبر العمليات العسكرية ضد العدو الصهيوني أبرزها عملية نهاريا التي قادها الرفيق القائد سمير القنطار وعملية الزيب البحرية وبرختا في الجولان والطيران الشراعي. أما على الصعيد التنظيمي فقد نجحت في بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية ما يمكنها من تحقيق الفعالية الكفاحية المطلوية واستطاعت صياغة شكل من أشكال التعايش في علاقتها مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة التي حافظت على وضعها في منظمة التحرير الفلسطينية في حين تمكنت جبهة التحرير الفلسطينية في إنتزاع شرعية وجودها في مؤسسات المنظمة والمنظمات الجماهيرية والنقابية لتدشن العديد من المقار والمواقع النضالية في العديد من الدول العربية. 
إن قواعد وأصول حرب الشعب الطويلة الأمد القائمة على فكرة انعدام إمكانية تدمير العدو عن طريق إنزال خسائر في أفراده ومنشآته دفعة واحدة، يمكن تحقيق ذلك من خلال تنفيذ مجموعة من الضربات الميدانية المتتالية والممارسات الكفاحية التراكمية المستمرة، والتي تربك العدو ومخططاته وحساباته، وتسقط نظرياته الأمنية، وتترك بالغ الأثر على معنويات جنوده.. وتوفر جملة الظروف التي تمكن من تحقيق الانتصار. 
هذه القواعد والأصول شكلت مرتكزا لفلسفة الجبهة القتالية التي ركزت على عودة المقاتل إلى الأرض المحتلة، وتحقيق الاشتباك المباشر مع العدو الصهيوني وتحقيق الانتصار عليه أو الاستشهاد على ارض المعركة، وترجمة هذه الفلسفة على درب ومنهج عملية الخالصة البطولية. 
فقد استخدمت الجبهة كل أساليب القتال المحتملة وابتكرت الوسائل الإبداعية للوصول الى ارض الوطن برا وبحرا وجوا، وحققت الجبهة نجاحات مميزة على طريق انجاز برنامجها النضالي، وقد بلغت درجة عالية في تطوير كافة وسائلها القتالية في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات، بشهادة واعتراف العدو قبل الصديق. 
في عشية الاجتياح الصهيوني للبنان، كانت الجبهة منهمكة في التحضير لأوسع عملية تستخدم بها الطيران الشراعي ضد العدو الصهيوني حيث كان من المفترض أن تغير يوم 5 حزيران 1982 أكثر من عشر طائرات شراعية دفعة واحدة على أهداف مختلفة، ولكن الاجتياح الصهيوني للبنان ادى إلى تغيير الخطط القتالية إذ زجت الجبهة بكل طاقاتها واستنفرت قواتها في الساحات والأقاليم للدفاع عن الثورة الفلسطينية وعن عروبة لبنان ووحدته، فتصدى مقاتلو الجبهة مع إخوانهم في فصائل الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية للعدوان الصهيوني الغاشم، وسقط في معركة التصدي العديد من الشهداء من ابناء الجبهة وكوادرها المناضلة، كما فقدت الجبهة القائد العسكري للجبهة الرفيق القائد سعيد اليوسف. 

فتنة الإنشقاق وتباين المواقف (1982) 

على أثر الإجتياح الصهيوني للبنان وحصار بيروت الذي دام 88 يوما خرج الجزء الأكبر من قوات الثورة الفلسطينية من بيروت حيث توزعت قوات الثورة الفلسطينية وبضمنها قوات الجبهة على العديد من الأقطار العربية، لتواجه الثورة الفلسطينية أزمة أخرى تمثلت في محاولة تحميل منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها الوطنيةً مسؤولية خسارة لبنان باعتبار ما كانت تمثل من موقعي كفاحي ورئيسي متقدم للثورة في كفاحها مع العدو الصهيوني، الأمر الذي جاف الحقيقة وجانب الصواب. 
ترافق ذلك مع محاولة إثارة الفتنة التي كانت تتضمن بشكل واضح وملموس إجهاض الثورة الفلسطينية وإبعاد من تبقى من قوتها على الأرض اللبنانية بغض النظر عن الشعارات التي طرحت والتبريرات التي سيقت حينها، وقد استشعرت قيادة الجبهة خطورة الأمر، خاصة وانه وحاولت الجبهة توظيف شبكة علاقاتها الوطنية الطيبة الواسعة، وجل قدرتها لإيقاف هذه الفتنه، إلا أن الأمر كان صعب المنال. 
أطلت هذه الفتنة برأسها على الساحة الفلسطينية في وقت كانت الجبهة في حينها منهمكة في معالجة واقع الظرف الجديد، وتستعد لإجراء عملية نقدية وتقيميه معمقة للتجربة الوطنية بكاملها، وتقييم مستوى أداء الجبهة القتالي والسياسي ولتضع الخطوات الأولى في عملية إعادة البناء وفق الواقع الذي ترتب عن الخروج من لبنان، فإضطرت قيادة الجبهة إلى أخذ موقف ينسجم مع المنطلقات الوطنية، والدفاع عن حق منظمة التحرير في الوجود، والمشاركة الفاعلة في اسقاط اتفاق 17 ايار المشبوه، الذي هدف الى اجهاض الحركة الوطنية بالكامل، واخراج لبنان من دائرة الصراع وتمكنت الجبهة من اعادة بعض كادرها الى الساحة اللبنانية لأخذ دورهم النضالي من بين صفوف شعبهم، وبالشكل الذي يتناسب وطبيعة الظروف والمعطيات التي استجدت. 
أقدمت قيادة الجبهة على هذه الخطوة ادراكا منها لطبيعة المخاطر التي برزت بعد الخروج من بيروت، وما ترتب على ذلك من افتقاد مخيمات شعبنا هناك من قوة الدفاع الفعلي عنها، وانكشاف ظهر الحركة الوطنية اللبنانية، خاصة وان ملامح تحول خطير بدأت تظهر بممارسة التضييق على شعبنا، وفرض الحصار الظالم على مخيماته في المتواجدة في بيروت وغيرها من الأماكن على الساحة اللبنانية، الأمر الذي مهد لارتكاب الكثير من الفظائع والجرائم ضدها من قتل وتهجير لا يقل بشاعة عما حصل في صبرا وشاتيلا عام 1982 على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه من القوى الانعزالية اليمينية المجرمة. وقد قدمت الجبهة في هذه المرحلة التي اتسمت بالدفاع عن حق شعبنا في الوجود العشرات من خيرة ابنائها شهداء على درب الحرية والمجد. 
في ظل هذا الواقع الطارئ والمعقد تباينت المواقف داخل الجبهة، إذ لم يستطع البعض من أعضاء القيادة تحمل ضغوطات جديدة وانتقالات جديدة وتشرد جديد، مفضلاً اتخاذ موقف سلبي مما تتعرض له منظمة التحرير الفلسطينية، ومما يجري رغم خطورته على مستقبل القضية الفلسطينية ومشروعنا الوطني. وآثر الجسم المركزي في القيادة بتحمل تبعات الموقف، وانتقل بالجبهة بكافة مفاصلها ومؤسساتها القيادية العسكرية والتنظيمية والنقابية إلى خارج لبنان، حيث استقرت قيادتها في تونس إلى جانب قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لتشاركها أعباء الهم الوطني، والظروف المستجدة على مسيرة كفاح شعبنا التحرري. 
لقد ولد الواقع الجديد والابتعاد الجغرافي القسري عن ارض الوطن مهمات جديدة وأكثر صعوبة مما كانت عليه في الماضي القريب، وكان من أبرز هذه المهام التصدي لمحاولات إفشال منظمة التحرير الفلسطينية، وعدم تمكين مؤسساتها الشرعية وأطرها وهيئاتها القيادية من مواصلة القيام بواجبها الوطني اتجاه شعبنا، وشل وتقليص قدرتها على تمثيله الرسمي والوطني، وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال المحاولات الحثيثة لإفشال انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في دورته السابعة عشر في عمان، لإجراء التقييمات السياسية والوطنية الشاملة، والعمل على استنهاض قواها من جديد. 
أمام هذا الأمر الذي يمس شرعية منظمة التحرير الفلسطينية، خاضت قيادة الجبهة معركة الشرعية مع المدافعين عن المنظمة ووجودها في هذه المعركة الفاصلة، وقد استجابت الجبهة لنداء الواجب الوطني وحضرت بثقلها دورة المجلس الوطني في العام 1984، وتحملت مسؤولياتها داخل الأطر القيادية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث انتخب الرفيق القائد أبو العباس لعضوية اللجنة التنفيذية ممثلا عن الجبهة. 
على الصعيد التنظيمي تمكنت الجبهة من إعادة بناء مؤسساتها متجاوزة حالة الإرباك التي أحدثها البعض في المؤسسة القيادية، تحت تبريرات تباين الآراء والمواقف السياسية ذات الشأن الوطني. وخلال عام من هذا التاريخ تمكنت الجبهة من عقد مؤتمرها العام السابع صيف العام 1985 بحضور أكثر من 125 مندوب مثلوا كافة مؤسسات الجبهة ومفاصل العمل التنظيمي في كافة الساحات والأقاليم. 
ترك هذا المؤتمر بصماته على تطور الجبهة اللاحق إذ انتخب لجنة الرقابة، واللجنة المركزية التي انتخبت بدورها مكتبها السياسي، والأمين العام القائد أبو العباس، كما انتخب المؤتمر وبشكل استثنائي مجلسا عاما مكون من 45 رفيق، وبصلاحيات واضحة ومحددة، كما خرج عن المؤتمر البرنامج السياسي، والتقرير السياسي، وأقر النظام الداخلي و اللوائح التنظيمية التي تراعي التوزيع الجغرافي الجديد بما يفعل وجود الجبهة ودورها ومكانتها الكفاحية داخل الوطن، وفي مختلف أماكن اللجوء والشتات، وترك المؤتمر الباب مفتوحا، ومساحة كافية في كافة الأطر القيادية لحفظ مكانة واستيعاب من تتاح له الفرصة لاستكمال مسيرته النضالية بين صفوف الجبهة من الرفاق الذين لم يتمكنوا من حسم موقفهم اتجاه الدفاع عن الشرعية الفلسطينية غداة الخروج من بيروت. 

عملية أكيلي لاورو (1985) 

أتاح المؤتمر العام السابع فرصة إعادة بناء الجبهة وتفعيل مؤسساتها وقررت استئناف الإتجاه الإستراتيجي في قتال العدو، وعمدت من خلال عملها أن تثبت للعالم، أن المسافات الجغرافية الواسعة لن تثني عزمها عن الاشتباك مع العدو الصهيوني، وعلى هذه الأرضية خططت الجبهة للقيام بعملية عسكرية تتمثل في إنزال عسكري على ميناء أسدود عبر استخدام وسائل نقل تقليدية، وعلى ضوء عمليات استطلاع دقيقة تبين أن ثمة ثغرة في إجراءات الأمن الصهيونية تتمثل بالمجاميع السياحية التي تقوم برحلات بحرية منتظمة إلى الكيان الصهيوني، فوقع عليها الاختيار لنقل المقاتلين الذين سينفذون هذه المهمة. 
في خضم عملية الإعداد لهذه العملية، قام طيران العدو الصهيوني بإنتهاك حرمة تونس الشقيقة، والإغارة على مقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط، حيث تم تحديد ساعة الصفر لتنفيذ العملية بحيث تكون رداً على هذه الغارة الوحشية، وبالفعل أعطيت الأوامر للمقاتلين الذين تمكنوا بنجاح من التسلل إلى السفينة السياحية التي حملت اسم اكيلي لاورو، وتمرير أسلحتهم على ظهرها. وأثناء سير السفينة وتحديداً بعد مغادرتها ميناء بورسعيد في طريقها إلى ميناء أسدود، حدث خلل أمني اكتشف على أثره الرفاق من قبل أحد العاملين في السفينة مما أجبرهم على تحويل وجهة السفينة، من خلال اختطافها. 
لقد أربكت عملية الاختطاف الجبهة كونها لم تكن ضمن المخطط أصلاً ولذلك عمل الرفيق القائد أبو العباس بشكل حاسم وفوري لإنهاء العملية بأقل الخسائر الممكنة، وتمكن من السيطرة على الوضع وإنهاء العملية بعد ثلاثة أيام من اختطاف السفينة، حيث عادت بسلام إلى ميناء بورسعيد، وهناك تبين أنه تم فقدان أحد ركاب السفينة، وقرر أبو العباس اصطحاب المجموعة إلى تونس للوقوف على التفاصيل التي أدت إلى حدوث الخلل الأخير وعلى كل ما ترتب عليه، ومحاسبة المقصرين، ولكن الطائرة التي كانت تقله وأفراد المجموعة تعرضت إلى عملية قرصنة أميركية أجبرت خلالها على الهبوط في قاعدة سيغونيلا التابعة لحلف الناتو في إيطاليا، وقد اتخذت الإدارة الأميركية من فقدان وغرق أحد ركاب السفينة لشن حملة شرسة ضد جبهة التحرير الفلسطينية مما أحدث تطورات دراماتيكية، كما سدت في وجه الجبهة بوابات كثيرة ومنها أن تعرضت لحصار قاسي بفعل سيادة المنطق الأميركي، حتى من قبل بعض الأنظمة العربية التي بدأت تضيّق على الجبهة. 
إن الحصار الذي تعرضت له الجبهة وضعها في مأزق سياسي وتنظيمي، فكان لا بد من إعادة النظر فوراً في أشكال العمل التنظيمي آخذين بعين الاعتبار ما تتعرض له الجبهة فصيغت مجموعة من الإجراءات والقوانين التنظيمية التي مكّنت الجبهة من الصمود في وجه الحصار وتجاوز آثاره فأعادت سياقات عملها السياسي والتنظيمي والجماهيري، ونجحت في إعادة رسم وضعها السياسي والتنظيمي في ساحات العمل الفلسطينية وكذلك في الأرض المحتلة، كما شاركت في قيادة أغلب المنظمات الشعبية الفلسطينية، واتبعت الجبهة في تلك المرحلة قاعدة "إعلان أقل وفعل أكثر" من أجل إرساء دعائم العمل الجبهوي في ظل الحصار. 

الإنتفاضة الأولى ووحدة الجبهة (1987) 

مع إندلاع الإنتفاضة المجيدة نهاية العام 1987، وما عناه ذلك من انتقال مركز الفعل الكفاحي الفلسطيني إلى داخل الأرض المحتلة رأت الجبهة أن أهم أشكال إسناد الإنتفاضة يكون من خلال دعمها عسكرياً، وعدم عزل العمل الإنتفاضي الجماهيري عن العمل العسكري، عبر تقاسم خلاق للأدوار والوظائف.
ورأت الجبهة أن تصعيد العمليات العسكرية وإختراق حواجز الأمن الصهيوني بالإضافة إلى أنه سيربك جنود العدو، سيعطي زخماً للعمل الجماهيري، ويرفع من معنويات جماهيرنا المنتفضة، فرفع حينها الرفيق القائد ابو العباس شعار "لينضم السلاح إلى الحجر" وتم ترجمته على الأرض بمجموعة من العمليات العسكرية وشبه العسكرية، نفذتها دوريات عسكرية من خارج الحدود سواء من الأردن أو من لبنان، كما قامت الجبهة خلال الأعوام الاولى للإنتفاضة بحملة واسعة لإشعال الحرائق في الجليل الأعلى.
في خضم الزخم النضالي الذي يخوضه شعبنا داخل الوطن المحتل، وفي ذروة إنتفاضته الكبرى التي أسهمت بفك الحصار عن شعبنا، وإعادة الحيوية وموقع الصدارة للقضية الفلسطينية على المستوى الدولي، إلى جانب ما خلقته من ظروف ومعطيات جديدة ساعدت على إعادة صياغة الفكر السياسي الفلسطيني في تلك المرحلة، الى جانب انتهاج طرق ووسائل نضالية جديدة في العمل الكفاحي الشعبي.. عقد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر دورته ال 19 في منتصف شهر 11 عام 1988، للوقوف على تفاصيل الوضع الكفاحي الجديد لشعبنا وتطورات المرحلة، ومن جانب اخر لتقييم المرحلة الكفاحية السابقة برمتها تمخض عن هذه الدورة الهامة للمجلس الوطني اعلان وثيقة الاستقلال، والإعلان عن استعادة لحمة جبهة التحرير الفلسطينية. 
إن الأجل لم يمهل الرفيق القائد طلعت يعقوب ليجسد هذه اللحمة النضالية إلى جانب رفيق دربه أبو العباس، إذ أدركه الموت فجأة ليلتحق بركب القادة الشهداء، وقد ترك أبو يعقوب برحيله فراغا كبيرا لما كان يمثله من وجدانية نضالية عالية ليس بين صفوف رفاقه في الجبهة وحسب، بل لدى عموم أبناء شعبنا، وفي أوساط حركة التحرر العربية، وبين أحرار العالم. 
لكن رفيق دربه أبو العباس تابع المسيرة النضالية للجبهة إلى جانب رفاقه في كافة الأطر والهيئات، وعموم الكادرات الجبهوية المخلصة والوفية لدماء الشهداء، والسير بالجبهة قدما على طريق الحرية والخلاص من الاحتلال، ومواصلة المقاومة والكفاح لانتزاع حقوق شعبنا، وتمكينه من تحقيق عودته المظفرة إلى أرضه ومدنه دياره في فلسطين. 

عملية القدس البحرية (1990) 

في عام 1990 حيث كانت الإنتفاضة في أوجها، وكان الضغط الدولي يمارس من كل حدب وصوب على القيادة الفلسطينية لإيقاف  إنتفاضة شعبنا العارمة، وإدخال القيادة الوطنية في عملية سياسية هدفها إجهاض مفاعيل هذه الإنتفاضة الوطنية، وفي وقت كانت التحضيرات تسير فيه على قدم وساق من قبل دوائر الاستعمار العالمية بقيادة الولايات المتحدة وتل أبيب لضرب القوة العربية الناهضة في العراق. 
في ظل هذه الظروف الصعبة والمعقدة، كانت الجبهة منشغلة في التحضير لعمل عسكري واسع في الأرض المحتلة ضد العدو الصهيوني، وقد نجحت من خلال هذه العملية العسكرية البطولية المميزة بتقنيتها، وعدد مقاتليها الذي وصل إلى 16 مقاتل، وحجم ونوع التجهيزات والأسلحة التي استخدمت فيها، وطرق وأساليب القتال والمناورة، من توجيه ضربة عسكرية سياسية واسعة وفي غاية الأهمية، خاصة وأنها حققت أهدافها العسكرية بالوصول إلى شواطئ وارض الوطن، واختراق كافة الحواجز الأمنية، ومباغتة العدو وتحقيق الاشتباك المباشر مع قواته العسكرية، كما حققت أهدافها السياسية التي كان من ضمنها مواجهة الحوار الفلسطيني الأميركي الذي كانت تشعر الجبهة بعدم جديته، وقد وصفته بحوار الأطرشان. 
من جديد فتحت هذه العملية العيون على جبهة التحرير الفلسطينية، وقامت الإدارة الأميركية بنبش الماضي، وصعّدت من مواقفها العدوانية وشددت الحصار على الجبهة في محاولة لتوجيه ضربة قاسية لها.
إن تحالفات الجبهة الرئيسية كانت وما زالت مع القوى العربية التقدمية، وجاءت نتائج حرب الخليج الثانية المعروفة لترمي بثقلها على الحالة العربية والحالة الفلسطينية وعلى جبهة التحرير الفلسطينية خصوصاً بحكم تحالفات الجبهة، فقد شدد الحصار عليها، ومما زاد في صعوبة وضع الجبهة أن معظم حلفائها بعد أزمة الخليج الثانية تعرضوا لحصار وحظر كالعراق وليبيا، وعانى اليمن ويلات جديدة، وعاشت الجزائر أياماً عصيبة، وكل هذه الدول تربطها بالجبهة علاقات متميزة وتعتبر حليفة رئيسية لها، فحوصرت الجبهة حصاراً مزدوجاً، حصار يطالها أصلاً وحصار يطال الدول الحليفة لها. 
أمام هذا الوضع ارتأت الجبهة أن تعطي فرصة للرفاق الذين بإمكانهم التحرك بمرونة أكثر كونهم خارج دائرة الحصار لقيادة مهمات الجبهة التقليدية، وعلى أرضية هذا الوضع قدم الرفيق أبو العباس استقالته من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورشح الرفيق علي إسحق لعضوية اللجنة التنفيذية كخطوة لإفساح المجال للعمل بمرونة أكثر لتخفيف الضغط عن منظمة التحرير الفلسطينية، وبنفس الوقت أعادت الجبهة ترتيب الوضع التنظيمي بصيغة تنسجم مع الظروف الصعبة التي بدأت نعيشها، خاصة على الصعيد السياسي والإداري والمالي. 

أوسلو وإعادة البناء 

جاءت اتفاقيات أوسلو التي وقعت بتاريخ 13/9/1993 في وقت كان فيه وضع الجبهة منهك، ورأى البعض في هذه الاتفاقيات فرصة لالتقاط الأنفاس فقبل بها، غير أن الجبهة بأغلبية كادرها وقيادتها لم تخرج عن موقفها السياسي التقليدي فقررت رفض الاتفاقات والاستمرار في إطار منظمة التحرير الفلسطينية وفي لجنتها التنفيذية، كما رأيت في هذا الموقف أكثر حكمة من الرفض والخروج عن إطار المنظمة أو الاندفاع وراء سياسات لا تمثل حقيقة موقف الجبهة ولا تاريخها، وصاغت الجبهة معادلة متكاملة بين الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية والبقاء داخلها، وبين رفض أوسلو، ولم يكن ذلك سهلاً على الإطلاق. 
بموازاة ذلك فتحت الجبهة حوارات في داخلها، ومع القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية ما مكّنها من نحت خط سياسي يحافظ على خياراتها السياسية، على هذه الأرضية أعطيت التعليمات لعدد من كوادرها الرئيسية بالدخول إلى فلسطين، ونجحت في إعادة الكثير من الرفاق إلى مناطق الحكم الذاتي، وتمكنت من ضخ أكبر عدد من الكادر لخوض تجربة العمل النضالي بين صفوف شعبنا في ظروفه الجديدة، غير أن مشكلة موضوعية واجهت الجبهة تمثلت بعدم إمكانية عقد اجتماعات منتظمة للجنة المركزية والمكتب السياسي والهيئات الأخرى، وإنشغال بعض الرفاق الذين ألحقوا في الداخل بأمور عديدة، بعضها يتعلق بالعمل الوظائفي الجديد، وبعضها في الظروف السياسية الجديدة، مما فاقم الأزمة وزاد في إرباك الحياة التنظيمية. 
استدعى هذا من الرفيق القائد أبو العباس إتخاذ خطوة سياسية جريئة بإستثمار انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، ودخل أرض الوطن في العام 1996 كعضو في المجلس الوطني الفلسطيني، وهو ما أتاح له فرصة القراءة الميدانية للوضع السياسي والتنظيمي، ووفر أرضية صالحة لإعادة بناء جبهة التحرير الفلسطينية في واقع جديد وفي مرحلة جديدة.
إن الترتيبات التنظيمية الجديدة داخل الوطن رافقها إعادة ترتيب وضع الجبهة في الساحات العربية الأخرى وخاصة في دول الطوق، منطلقين من إيماننا بأن قضية شعبنا تستدعي وجود جبهة التحرير الفلسطينية في كل مناطق تواجد شعبنا، وفي كل أطر منظمة التحرير الفلسطينية، وداخل مفاصل ومؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية بالحدود التي ترى أنها لا تتعارض مع منطلقاتها ومبادئها. 
في خضم هذه العملية البنيوية التي جرت في ظل ظرف معقد وصعب، وقد بدأت تثمر على غير صعيد، قدم الرفيق علي إسحق استقالته من صفوف الجبهة بغير سابق إنذار ومن دون أسباب أو مبررات واضحة، وقد أوعز هذه الاستقالة لأسباب شخصية، ونشر نصها في ذلك الحين بالصحف الرسمية الفلسطينية، وقد جاءت استقالته بشكل مفاجئ، وفي ظرف حساس تعيشه الجبهة والوضع الفلسطيني عموما، الأمر الذي فسر ووصف بالتصرف غير المسؤول، إلا أن مسيرة الجبهة وعملها الميداني والنضالي لم تتأثر فعليا بغيابه من عدمه، خاصة وانه قد انتهج في آخر فترات حياته التنظيمية أسلوب اللامبالاة، وعدم الاكتراث أو الاهتمام بأية تفاصيل ذات علاقة بشان الجبهة ووضعها بشكل عام، أو حتى أوضاع وشؤون الرفاق التنظيمية والإدارية وعلى غير صعيد، رغم انه كان يشغل منصب نائب الأمين العام الأمر الذي سجل عليه سلبا ليس من داخل الجبهة بل حتى في أوساط القيادة الفلسطينية أيضا باعتباره كان يشغل مقعد الجبهة في اللجنة التنفيذية في المنظمة، وقد انعكس ذلك سلبا على إبراز وتحديد الموقف السياسي للجبهة حول ما يدور من أحداث وقضايا. 
لقد تجاوزت الجبهة هذه المسالة الطارئة خلال فترة وجيزة، وذلك من خلال مشاركة الرفيق أبو احمد حلب في كافة أعمال واجتماعات اللجنة التنفيذية والقيادة الفلسطينية كممثل عن الجبهة، خاصة وان القانون الأساسي للمنظمة أحال دون استبدال الرفيق علي برفيق آخر ليشغل مقعد الجبهة في اللجنة التنفيذية، وسارت الأمور في سياقات طبيعية تمكنت الجبهة من خلال تكثيف جهدها التنظيمي، وتواجدها الميداني، وحضورها السياسي الوطني أن تستعيد عافيتها وتسترد مكانتها ودورها الريادي في كافة اطر ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وهيئاتها القيادية كما أعادت الاعتبار لوجودها ودورها الفاعل في الساحة الفلسطينية عموما إلى جانب كافة فصائل العمل الوطني، وبين صفوف جماهير شعبنا الفلسطيني، الأمر الذي ظهر جليا خلال  إنتفاضة الأقصى والاستقلال. 

إنتفاضة الأقصى والإستقلال (2000) 

إندلعت الإنتفاضة في 28/9/2000 فعكفت الجبهة على دراسة الوضع وأخذ الإجراءات والقرارات الكفيلة بالمشاركة الفعلية في كافة فعاليات الإنتفاضة على الصعيد الجماهيري، وفي سياق خاص عملت على استنباط أساليب حديثة للدعم اللوجستي الميداني لفعاليات المقاومة الميدانية، وذلك من خلال تدريب المناضلين من كافة فصائل العمل الوطني، وتزويدهم بالمهارات والكفاءات القادرة على التصدي لعنجهية وهمجية الاحتلال، ومواجهة عدوانه الغاشم بكافة الطرق والوسائل المتاحة والمشروعة. 
وأمام هذا الدور الذي اضطلعت به الجبهة على الصعيد الجماهيري الواسع، وعلى غير صعيد في العمل المقاوم، كانت الجبهة تواصل مسيرة كفاحها التحرري وفق الرؤية والمنهج الذي انطلقت من اجله، وسارت عليه وقدمت من خلاله قافلة طويلة من الشهداء قادة ومناضلين، حيث قامت بتنفيذ العديد من العمليات البطولية والجريئة ضد العدو الصهيوني في مواقع عديدة من ارض الوطن، وقدمت كوكبة جديدة من كوادرها ومنضاليها شهداء على مذبح الحرية والمجد، وغيرهم من الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال. 
لقد اثبت شعبنا خلال هذه الإنتفاضة التي ما زال وهجها يتجلى عبر تكتيكات ووسائل وأساليب نضال ومقاومة شعبية متنوعة، انه متمسك بثوابته وحقوقه الوطنية في الحرية والعودة والاستقلال، ومتمسك بحقه في مواصلة مقاومته الوطنية المشروعة حتى زوال الاحتلال وتحقيق طموحاته وأمانيه الوطنية. 
ومن جانبه أمعن الاحتلال بعدوانه الغاشم وصعد من همجيته وبربريته مرتكبا المجازر بحق شعبنا، حيث استخدم كافة أنواع أسلحته المتطورة في مواجهة شعبنا الأعزل، واقتحم المدن والبلدات وأعاد إحتلال كافة المناطق التي انسحب منها بموجب توقيع اتفاق أوسلو. 
لقد سقط آلاف الشهداء من أبناء شعبنا وكان منهم قادة بارزين ومؤثرين في مسيرة كفاح شعبنا، واعتقل عشرات الآلاف، ودمرت البنية التحتية للسلطة الوطنية بالكامل، وحوصر الرئيس عرفات في مقر المقاطعة في رام الله. 

حرب العراق وإستشهاد القائد أبو العباس (2004) 

في ظل أجواء إنتفاضة شعبنا العارمة التي جاءت كنتيجة مباشرة لفشل المفاوضات في كامب ديفيد 2، والتي أرادت من خلالها الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال فرض إملاءاتها وتحقيق تسوية سياسية غير عادلة على شعبنا وقيادته الوطنية، الأمر الذي رفضته القيادة الفلسطينية جملة وتفصيلا بالرغم مما مورس عليها من ضغوط وابتزاز وتهديدات. وأعقب ذلك دخول الإرهابي شارون رئيس وزراء حكومة الاحتلال باحات المسجد الأقصى في تحد سافر لشعبنا، الأمر الذي شكل سببا مباشرا لاندلاع الإنتفاضة. 
في هذه الأجواء والظروف التي تصاعد فيها الفعل الإنتفاضي، كانت الولايات المتحدة ومعسكر الغرب الاستعماري يتهيؤون لتوجيه ضربة قاسمة للعراق الناهض الذي كان يشكل بقوته واقتداره ركيزة أساس، وقاعدة وعمق قومي يعتمد عليه ويعتد به لدعم قضية شعبنا العادلة. 
وفي ظل تصاعد التهديدات وما رافقها من تجهيزات وإعداد للغزو توجه أبو العباس للعراق من واقع إيمانه العميق بقومية المعركة، ووحدة الهدف والمصير المشترك. 
وفي جانب آخر في محاولة منه لرد الجميل لهذا البلد ولشعبه المعطاء وقيادته الشجاعة التي وقفت إلى جانبه واحتضنته واحتضنت الجبهة في وقت لم يجد فيه احد إلى بجانبه وبجانب الجبهة حين تعرضت لهجوم وحصار وملاحقة من قبل الإدارة الأمريكية اثر عملية أسدود "أكيلي لاورو" وحين اشتد الخطب على العراق، ووقف بشكل مباشر في مواجهة التهديد والصلف الأمريكي والغربي والاستعماري، قرر أبو العباس الوقوف معه في ذات الخندق، ووظف إمكانات الجبهة ومقدراتها المتواجدة والمتوفرة في العراق على تواضعها لمواجهة هذا المشروع الاستعماري الامبريالي الصهيوني، الذي لا يستهدف العراق وحده بل يستهدف الأمة بوجودها ومقدراتها النهضوية التي باتت مؤهلة لقلب موازين القوى وتغيير معادلة الصراع في المنطقة. 
ورغم اشتداد المعارك ودخول القوات الغازية العاصمة بغداد، إلا أن هذا الأمر لم يكن يشغله على خطورته عن متابعة وضع شعبه والإنتفاضة، وتوجيه رفاقه لمشاركة فاعلة في كافة ميادينها ومجالاتها، وبشكل خاص كان يساوره القلق على مصير الرئيس الفلسطيني المحاصر في مقره، وكان على تواصل دائم مع رفاقه، وكثير السؤال عن الرئيس أبو عمار في تضييق الحصار على مقره في المقاطعة، وعن الرفيق سعدات والشوبكي وكل من كان محاصرا مع الرئيس عرفات. 
كما كان دائم السؤال عن جميع رفاقه ويتابع كل كبيرة وصغيرة رغم خطورة الوضع الذي كان يواجهه ورفاقه في العراق. 
في هذه الأثناء فقد الرفيق عز الدين بدر خان أبو العز عضو المكتب السياسي والقائد العسكري للجبهة، وبعد البحث والتقصي رجحت كافة التقديرات انه قضى شهيدا اثر قصف صاروخي أمريكي لوسط بغداد رافقه تحليق وقصف مكثف للطائرات الأمريكية. 
وبعدها بفترة وجيزة بعد أن أطبقت القوات الغازية إحتلالها للعراق بالكامل أعتقل أبو العباس اثر عملية عسكرية واسعة شبهت بالهوليودية، خاصة وانه استخدمت فيها قوات النخبة الخاصة من 101 الفرقة مارينز العديد من صنوف الأسلحة والدبابات، وتخللها إنزال جوي على مقر إقامته الأمر الذي أدى إلى اعتقاله. 
وقد هدفت الإدارة الأمريكية الغازية بعد أن تكبدت قواتها الخسائر الفادحة في المعارك وعلى وجه الخصوص في معركة المطار، من تحقيق نصر وهمي تسوقه للعالم ولشعبها الذي بدا يضيق ذرعا من كثرة ضحايا جنودها التي استقبلها، ولتبرير ادعاءاتها الزائفة التي سوقتها لخوض هذه الحرب القذرة بحجة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل. 
بعد عام تقريبا من اعتقال أبو العباس، وتفاديا لكافة المطالبات على اتساعها وتنوعها بالإفراج عنه، خاصة وأنهم لم يتمكنوا من الحصول على أية أدلة لإدانته واستمرار اعتقاله، أقدمت الإدارة الأمريكية وحكومة تل أبيب المجرمة على التخلص منه داخل سجنه، بحجة الوفاة الطبيعية الأمر الذي لم يؤكده أي تشريح أو فحص طبي محايد ونزيه. 
ودفن الرفيق القائد أبو العباس في مقبرة الشهداء في دمشق إلى جانب رفيق دربه امير الشهداء خليل الوزير أبو جهاد، بعد أن رفضت حكومة الاحتلال طلب دفن جثمانه في ارض الوطن حيث أوصى بذلك. 
وعاهدت الجبهة أبناء شعبنا وامتنا العربية والإسلامية وأحرار العالم على مواصلة مسيرة نضال شعبنا على ذات المبادئ والنهج الذي رسمه وسار عليه أبو العباس وقضى دونه شهداء شعبنا جميعا قادة ومناضلين على درب الحرية والمجد.

أبو احمد حلب خلفا لأبو العباس 

ترك رحيل الرفيق أبو العباس باستشهاده فراغا كبيرا ليس من السهل ملئه في الجبهة أو غير صعيد، وذلك لما كانت تتميز شخصيته القيادية من كاريزما متميزة، إضافة لمكانته ودوره الوطني والقومي المؤثر. 
إلا أن الجبهة كانت قد تمكنت بجهوده وجهود رفاقه في القيادة، وكادرات الجبهة وعموم أبنائها وأنصارها ومحبيها من الوصول الى بر الأمان بعد أن تجاوزت الكثير من الصعاب والعثرات التي واجهتها اثر الأزمات التي عصفت بها خلال مسيرتها، وتمكنت من استنهاض أوضاعها، وترجمت ذلك من خلال مشاركاتها الواسعة ومساهماتها النضالية الخلاقة في تطوير الفعل الانتفاضي. .
واستطاعت أن تواصل المسيرة بثبات حيث اختير الرفيق أبو احمد حلب امينا عاما للجبهة بالإجماع خلفا للرفيق الشهيد أبو العباس، الذي استطاع بمقدرة وشجاعة وبمساندة رفاقه في الهيئة القيادية أن يثبت من جديد أقدام الجبهة في مواقعها النضالية، وتقدمت الجبهة في مسيرتها الكفاحية في خطى متكافئة في الفعل الوطني مع باقي فصائل وقوى شعبنا السياسية الوطنية، و قد قامت الجبهة في عهده بواجبها الكفاحي المقاوم في ظل الإنتفاضة المشتعلة، كما قامت بواجبها في مجالات عدة لها علاقة بهموم شعبنا على مستويات عدة. 

الإنتخابات التشريعية (2006) 

شاركت الجبهة في العملية الديمقراطية لانتخاب المؤسسة التشريعية للسلطة الوطنية حيث تقدمت للمشاركة بقائمة انتخابية تحمل اسم الشهيد القائد أبو العباس، ولأسباب موضوعية صرفة لم تتمكن من الوصول إلى نسبة الحسم في هذه الانتخابات، ورغم ذلك عبرت الجبهة عن قناعتها بالمشاركة من واقع وهدف إنجاح العملية الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني بغض النظر عن النتائج. 
وتولدت هذه القناعة والرضا لدى الجبهة ليس من باب التبرير لعدم التمكن من تحقيق الفوز بعضوية التشريعي، بل من باب الإدراك الواعي لموضوعية ذلك، والتي حصرت بسببين رئيسيين: 
السبب الأول: ظروف ولادة ونشأة وتطور مسيرة الجبهة، حيث انطلقت خارج الوطن، وانتهجت خلال مسيرة تطرها عبر مراحل النضال المختلفة العمل العسكري، ووظفت جهدها وكافة إمكاناتها لتعزيز هذه العمل وتطوير وسائله وأدواته لتمكين المقاتل الفلسطيني من الوصول إلى ارض الوطن عبر اجتياز الحدود وتحقيق الاشتباك المباشر مع جنود العدو، وإلحاق اكبر الخسائر بمؤسساته الاحتفالية على طريق تحقيق النصر الحاسم عليه عبر عملية كفاحية تراكمية متواصلة، وقد ابتكر الجبهة على هذا الصعيد وسائل قتالية إبداعية لم يسبقها في الساحة الفلسطينية احد عليه، وحققت نجاحات مميزة إذ نفذت عمليات بطولية متفردة بأساليبها وتكتيكاتها ونتائجها. 
إن انشغال الجبهة وممارستها لهذا النهج قد أضاع عليها فرصة الانشغال في العمل الجماهيري التنظيمي والحزبي داخل الأرض المحتلة، الأمر الذي كانت تعتبره عملا ثانويا ليس انتقاصا من قيمته وأهميته، بل لكونها كانت ترى أن هذا العدو الغاصب لا ينفع معه إلا لغة القوة، وهي ذات اللغة والطريقة التي استخدمها لاغتصاب حقوق شعبنا الوطنية، ولهذا لم يكن للجبهة الباع الطويل في العمل الجماهيري داخل الأرض المحتلة كباقي تنظيمات العمل الوطني التي أولت لهذا الأمر أهمية واشتغلت عليه مبكرا. 
السبب الثاني: كان له علاقة بجوانب معينة من الفعل الانتفاضي الميداني، إذ ظهرت للعلن على الساحة الفلسطينية تنظيمات الإسلام السياسي وعلى رأسها حركة حماس التي وظفت طاقاتها ومقدراتها، لإحداث تغيير ما في موازين القوى الداخلية الفلسطينية، عبر مواجهة الاحتلال. 

الإنقسام الفلسطيني وإستشهاد أبو أحمد حلب 

تمكنت حماس ومن خلال تلقيها الدعم المباشر من حركة الإخوان المسلمين العالمية، وأطراف إقليمية وعربية من إثبات وجودها الفعلي والكبير على الأرض خاصة بعد أن انتهجت أسلوب "العمليات الاستشهادية" داخل المدن والبلدات المحتلة عام 1948، الأمر الذي لم يوازيها فيه إلا حركة فتح إلى حد ما، خاصة وأنها تشكل كبرى الفصائل الفلسطينية، وتمتلك من المقدرات والكفاءات ما يمكنها مجارات أي فعل ميداني لأي فصيل فلسطيني ضد الاحتلال، وقد حققت ذلك عبر جناحها العسكري الذي شكلته لاحقا "كتائب الأقصى" لمواجهة العدوان الإسرائيلي على شعبنا من ناحية أساسية. 
إستحوذ نشاط حركة حماس على اهتمامات قطاعات واسعة من شعبنا، وجذب انتباهها بشكل عفوي، خاصة وأنها تعيش ظرف مواجهة مباشرة وشاملة مع عدوان همجي بربري متغطرس، لم يتورع من إستخدام اعتى أنواع الأسلحة ضد شعب اعزل إلا من إرادته، وقدرته الأسطورية على الصمود والبقاء في أرضه.
ذلك لا يعني أننا نغفل ما قدمته باقي فصائل العمل الوطني بما فيها الجبهة، من توظيف لكامل قدراتها لمواجهة هذا العدوان الغاشم على شعبنا وأرضنا الفلسطينية ولكن ما سارت عليه حركة حماس في ظل أجواء وفعاليات الإنتفاضة العارمة، إضافة إلى ما قدمته من احتياجات مادية لفئات من شعبنا في ظل ظروف العدوان والحصار الجائر الذي فرضته قوات الاحتلال على عموم الأرض الفلسطينية أثمر عن نتائج لامست مزاج الكثير من أبناء شعبنا، ودغدغت عواطفهم الوطنية، وأثرت إلى حد ما على طبيعة خياراتهم الانتخابية، الأمر الذي ظهر جليا وبشكل واضح في سياق العملية الديمقراطية لاختيار أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني الجديد، التي شابها كثير من التجاذب والاصطفاف الشعبي بين الفصيلين الكبيرين على الساحة الفلسطينية فتح وحماس. 
وقد حصل هذا التجاذب الحاد بين هذين الفصيلين رغم مشاركة غالبية القوى والفصائل الفلسطينية في العملية الديمقراطية، وقد خرجت النتيجة بفوز كاسح لحركة حماس الأمر الذي فاجئها قبل غيرها من القوى والمشاركين وكافة المراقبين لهذه الانتخابات. 
بعد هذه العملية بفترة وجيزة ولأسباب مختلفة حدث الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، حيث أقدمت حركة حماس على الاستيلاء على مقاليد السلطة الشرعية في غزة بقوة السلاح، الأمر الذي ادخل الساحة الفلسطينية بمرحلة خطيرة، وخلق ومازال من التداعيات التي أثرت سلبا على واقع القضية الفلسطينية وحاضر ومستقبل مشروعنا الوطني. 
الأمر الذي أدركت مدى خطورته الجبهة منذ لحظاته الأولى، وعملت إلى جانب فصائل العمل الوطني على إنهائه واعادة الأمور إلى طبيعتها، لكن الأمر أعمق من ذلك بكثير، واستمرت هذه الحالة الاستثنائية إلى يومنا هذا. 
لعب الرفيق أبو احمد حلب دورا بارزا ومهما عبر محاولات متواصلة لراب الصدع وإنهاء هذه الحالة الطارئة التي أصابت الجسد الفلسطيني، ووظف أبو احمد قدراته وعلاقاته وعلاقة الجبهة الطيبة والقوية مع كافة القوى على الساحة الوطنية، مستفيدا بذلك من خبراته السابقة في هذا المجال وفي حقيقة الأمر لم تفلح كافة الجهود الوطنية وحتى يومنا هذا إلى إنهاء حالة الانقسام رغم توقيع العديد من الاتفاقات الوطنية الشاملة والتي شاركت الجبهة فيها مشاركة فاعلة. 
لم يمهل القدر الرفيق أبو احمد كثيرا وقد وافاه الأجل بشكل مفاجئ ليلتحق بعد مسيرة طويلة من العطاء والتضحية بركب الشهداء. 

د. واصل أبو يوسف أمينا عاما للجبهة

لم يكن الدكتور واصل أبو يوسف بعيدا عن موقع القيادة في الجبهة منذ فترة طويلة رغم حداثة سنه، وقد اكتسب الخبرة في العمل الوطني نتيجة انغماسه مبكرا في العمل التنظيمي في لبنان وفي الساحة السورية التي شغل موقع المسؤول التنظيمي الأول فيها لفترة من الزمن، خاصة بعد تجديد انطلاقة الجبهة الثانية في العام 1977، وما طرا بعد ذلك من عودة العلاقة مع النظام في سوريا، وقد حظيت الجبهة بانتشار ومكانة واسعة بين أوساط جماهير شعبنا هناك، ومازالت هذه المكانة محفوظة إلى يومنا هذا رغم العديد من الظروف التي شابت هذه المرحلة الطويلة. 
الأمر الثاني والذي احدث نقلة نوعية في اكتساب مزيد من الخبرة للدكتور واصل هو الى جانب انغماسه في العمل التنظيمي، انخراطه في العمل النقابي عبر تمثيله للجبهة في الهيئة التنفيذية للاتحاد العام لطلبة فلسطين التي شغلها لفترة من الزمن أيضا ، وقد فتحت له هذه المهمة آفاق متعددة ومتنوعة في العمل السياسي الذي تمكن من خلاله نسج علاقات واسعة في الإطار الوطني وعلى غير صعيد. 
الأمر الثالث والاهم انه شغل موقعا بارزا في قيادة الجبهة داخل الوطن بعد عودة السلطة الوطنية، وكان بمثابة النائب والمساعد للرفيق أبو احمد حلب الذي تحمل مسؤولية القيادة والإشراف على وضع الجبهة المباشر داخل الوطن، وتسلم الدكتور واصل باعتباره المسؤول الثاني للجبهة في الوطن، المسؤولية المباشرة للجبهة في الضفة الغربية. 
وهذه الفترة كانت من أصعب وأدق الفترات التي واجهة الجبهة في الوطن، لكونها كانت في مرحلة تأسيس وبناء الأطر والهياكل التنظيمية، وبذلت جهود مضنية لتثبيت أوضاعها التنظيمية بين جماهير شعبنا الأمر الذي لم تعهده الجبهة بهذا الشكل الواسع من قبل داخل الوطن. 
والجدير بالإشارة هنا الى حالة من التحول الدراماتيكي في العمل والنشاط الجبهوي المثمر داخل الوطن المحتل قد تحققت، بعد ان كان مقتصرا قبل هذه المرحلة على تشكيل المجموعات السرية، التي كانت تكلف بمهام نضالية خاصة ومحددة، وذات طابع عسكري في اغلب الاحيان، ونتيجة لتطورات الحالة النضالية، وتماشيا مع ما استجد فيها، انخرط اعضاء الجبهة بالكامل في غمار العمل الوطني بكافة اشكاله النضالية، بحيث تمكنت قيادة العمل النضالي للجبهة في الوطن، وعبر المثابرة والمتابعة المباشرة والجهد المتواصل، من تحويل هذا الجهد النضالي التراكمي الى حالة سياسية وطنية مشاركة بفعالية عالية في الفعل الجماهيري اليومي الى جانب فصائل وقوى العمل الوطني، وعموم ابناء شعبنا. 
وحينما انطلقت إنتفاضة الأقصى والاستقلال، انخرطت الجبهة الى جانب فصائل وقوى شعبنا بشكل مباشر مع جماهير شعبنا في الجهد الانتفاضي لمواجهة العدوان الاحتلالي الاستعماري الغاشم.
وتحديدا في هذه المرحلة استطاع الدكتور واصل أبو يوسف والى جانبه عدد محدود من الكادر المتقدم وعبر تواصله الدائم مع الرفيق أبو العباس قبل أن يستشهد، والرفيق أبو احمد حلب قبل أن يستشهد أيضا ، أن يضع بصمة واضحة للجبهة بين جماهير شعبنا، عبر المتابعة والإشراف على كيفية ومستوى مشاركة المحطات التنظيمية في كافة مفاعيل  إنتفاضة الأقصى والاستقلال. 
ومواصلة لمسيرة الجبهة النضالية بعد أن فقدت أمنائها العامون القادة أبو العباس وأبو احمد حلب وقبلهم طلعت يعقوب، تم اختيار الدكتور واصل أبو يوسف لموقع الأمانة العامة بشكل توافقي ديمقراطي شاركت فيه كافة الأطر والهيئات والمواقع والمحطات التنظيمية في الوطن وفي الأقاليم والساحات الخارجية خلفا للرفيق أبو احمد حلب. 
وتمكن بمثابرته المعهودة وجهده المتواصل، وجهد وفعالية رفاقه في الأطر والهيئات القيادية، وفي عموم المواقع التنظيمية التي تواجدت فيها الجبهة بين أوساط جماهير شعبنا في الوطن والشتات، من الحفاظ على حضور ومكانة وتاريخ وسمعة الجبهة الوطنية وعلاقاتها النضالية الواسعة وسط القيادة الفلسطينية، ووسط الأحزاب والقوى التقدمية العربية والعالمية. 
وواصلت الجبهة مسيرتها الكفاحية، متخذة من تاريخها النضالي الوطني المشرف، ودورها الريادي بين فصائل العمل الوطني في الساحة الفلسطينية، وأفكارها ومبادئها التي تشكل ثوابت وحقوق شعبنا الوطنية في الحرية والعودة إلى الديار والمدن التي شرد شعبنا منها، وحق تقرير المصير، وإقامة وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وحق شعبنا في مواصلة مقاومته الوطنية المشروعة بكافة أشكالها حتى زوال الاحتلال وتحقيق أماني وطموحات شعبنا كاملة، منهجا ثابتا يقع في جوهر وصلب وجودها الوطني طالما بقي الاحتلال جاثم على أرضنا الفلسطينية.