كأن الموت ينتقي رثاء، لم أكن أتوقع أن أكتبه! إلى روح الاستاذ عباس دبوق(ابو أسامة) بقلم محمد يونس

نشر بتاريخ: 15.1.19


سيدي القائد؛

فكرت مليا قبل المباشرة في كتابة هذه الكلمات،كيف لا،وانت في حضرة سيد الكلمة،الرجل المفوه،الرجل الذي ما فتئ يدافع عن القضية الفلسطينية،ذاك الرجل الذي ما عرفناه الا مدافعا عن الشرعية الفلسطينية وأحقية الشعب العربي الفلسطيني بالوجود وفي الدولة،وغلبني شعوري لكتابة هذه الكلمات...

لم تكن ابو أسامة رجل ككل الرجال، كنت دائما ذاك الرجل الوحدوي،ذاك الرجل الجامع حتى حين ترجلت عن صهوة جوادك،كنت ايضا ذاك الوحدوي وكما عهدتك كنت السباق ايضا الى ارساء وتجسيد الوحدة اللبنانية الفلسطينية،حيث سطرت من جديد اروع ملاحم الوحدة بذاك الحشد الذي تهافت لرثائك بدموع صادقة.ما تركته يا ايها الفذّ بين دفتي كتاب حياتك تتقاطر من صفحاته المضيئة كل صور العطاء والإبداع، يضعك -حتما ودون جدال- في المرتبة الأسمى التي لا يجاورك فيها إلا نفر قليل من علماء ومفكري وقادة الأمة، بالغي التفرد والتميز والإبداع، في العصر الحديث.

ربما لا يعرف الكثيرون سيرة حياة القائد عباس جمعة الذي شكل نموذجا للإصرار والمواجهة والتحدي في كل الميادين وفي مختلف الأوقات امام الجبروت والعنجهية الصهيونية وفي الدفاع المستميت عن اهله في المخيمات امام المشاريع التصفوية ، أو يدركون بعضا من العناوين العريضة التي بزغت في مرحلة ما من مراحل حياة الرجل التي تختزن في صحائف أعماله مدونات كتبت بمداد الذهب والمجد ، على إيقاع مراحل وعهود زمنية عصفت بها التحديات وسرت فيها المؤامرات  على القضية الفلسطينية سريان النار في الهشيم.

يعز علي كثيرا ان اكتب عن علاقتك بفلسطين،فأنت ابن فلسطين،وكما عهدت فلسطين تعتز بأبنائها،فحين نتحدث عن علاقة ابو اسامة بالقضية الفلسطينية نتحدث عن علاقة عضوية عقدية مصيرية لا انفصام لها، وحالة من حالات التجذر العميق في الوعي الفكري والثقافي والسياسي الذي يتأسس على رؤية شمولية ذات آفاق رحبة تدرك أبعاد الصراع وحقيقة الاحتلال الصهيوني ومخططات عزل الأمة عن قلبها النابض (فلسطين)، وتعي أن العمل لفلسطين وإنقاذها من براثن "النازيين الجدد" ينبغي أن يستغرق العمل والجهد والتفكير، وأن من يتصدى لقضية فلسطين يجب أن يعطي بلا حدود من لحمه ودمه ووقته وراحته، وألا يخفض سقف تضحياته وعطاءاته مهما بلغ الثمن ومهما كانت الظروف.

اخيرا،ستبقى يا ايها القائد الاشم،صديقا حجبه الثرى عنا جسدا أعلم يقينا أن العين لن تكتحل بمرآك؛ لأن الموت حق وقانون طبيعي يطال بحتميته كل شيء حي، ولكني في الوقت ذاته موقن بأنك ستبقى حاضرا في هواء فلسطين نتنفسه بملء الرئتين وفي ثراها نبضا حيا أبد الدهر.