03‏/03‏/2018

في مئوية عبد الناصر وستينية ميلاد الجمهورية العربية المتحدة "حديث الوحدة 28"


في مئوية عبد الناصر وستينية ميلاد الجمهورية العربية المتحدة
"حديث الوحدة 28"
"ثقافة الوحدة في مواجهة الانقسام"
معن بشور
الرئيس المؤسس للمنتدى القومي العربي
المناسبات  التي نلتقي اليوم في ظلها تجمعها فكرة رئيسية واحدة هي فكرة الوحدة، وطنية كانت أم قومية.
فمئوية الزعيم الخالد الذكر جمال عبد الناصر تستحضر فورا فكرة الوحدة التي كان الزعيم رمزاَ لها، وقائدا لمسيرتها، وحاملا راياتها وباني اول تجربة معاصرة على طريقها.
اما ستينية ميلاد الجمهورية العربية المتحدة، فهي ذكرى وحدوية بامتياز لأنها ذكرى ميلاد أول وحدة عربية بين مصر وسوريا في عصرنا الحديث بكل ما  يعنيه ذلك، بغض النظر عما رافقه من احباطات وخيبات، بأن تحقيق الوحدة بين قطرين او أكثر ليس مستحيلاً.
وشعار "القدس الموحدة عاصمة ابدية لفلسطين" هو شعار تتحد الامة بكل قواها الحية حوله، وتدرك ان القدس ليست مجرد عاصمة لفلسطين السليبة والمحتلة فحسب، بل هي عنوان لقضية كبرى هي قضية صراع الامة مع اعدائها، وهو صراع مع مشروع صهيو - استعماري استهدف فلسطين ليمنع قيام الوحدة بين ابناء امة واحدة، ويسعى اليوم لتهويد القدس ليضرب اي صلة للامة بعاصمة روحية مقدسة ومعها كل فلسطين.
وكما استهدف جمال عبد الناصر بالحروب والمؤامرات والحصار والدسائس والمكائد لاسقاط راية الوحدة التي يحملها، استهدفت ايضا الوحدة الرائدة بالاغتيال الذي شارك فيه اعداء الامة جميعا من خارجها ومن داخلها، كما باتت تكشف الوثائق التاريخية التي يحاط اللثام تباعا عنها.
ومثلما استهدف القائد والتجربة  بالأمس تستهدف القضية نفسها اليوم من خلال اغتصاب فلسطين وتهويد القدس وقد وصلت هذه المؤامرة الى ذروتها باعلان ترامب الاخير بأن القدس عاصمة الكيان الصهيوني مكرسا في مئوية وعد بلفور المشؤوم وعداً أشد خطورة، لأن الوعد القديم هو باقامة وطن قومي لليهود، فيما الوعد الجديد هو باقتلاع نهائي لشعب فلسطين من ارضه وبلاده.
واذا اردنا ان نصف حركة التاريخ الممتدة عبر قرون في هذه الامة فهي حركة جدلية بين ارادة الوحدة ومشاريع التجزئة والتقسيم، في امة لا يمكن ابتلاعها، وسلب مواردها، وتعطيل رسالتها الحضارية، واخضاع ابنائها إلا بتقسيمهم الى كيانات قطرية ثم تقسيم الاقطار نفسها الى كيانات مفتتة متناحرة متحاربة لعقود طويلة.
هنا يطرح السؤال الكبير نفسه على كل واحد منا: اذا كانت الامور بهذا الوضوح، فما الذي يحول دون تحقيق العرب لوحدتهم القومية، وصونهم لوحداتهم الوطنية المعرّضة اليوم لمخاطر التقسيم، بل لماذا تتجه الامور في بلادنا نحو المزيد من التفتيت والتشرذم والاحتراب، فيما وجودنا كاقطار، وكأمة مرهون بقدرتنا على السير باتجاه الوحدة.
للاجابة على هذا السؤال لا بد من التأكيد  على وجود قوى اقليمية ودولية تسعى بكل الوسائل لمنع قيام  اي وحدة على مستوى الامة، بل والعمل على ضربها على مستوى الاقطار نفسها، بالاضافة الى وجود عوامل وثغرات ومواطن خلل في بنانا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ما يسمح للقوى الخارجية ان تعبث بمصيرنا ووجودنا... بل انا من الذين يعتقدون ان القوى الخارجية لم تكن قادرة على تحقيق مخططاتها منذ سايكس – بيكو حتى ما يسمى "بالربيع العربي" اليوم لولا هذه العوامل الداخلية المتمثلة بالتخلف والفساد والاستبداد والجهل والفقر والغلو والتطرف والتوحش والتي نعيشها كل يوم...
وبين العوامل المهمة التي تساعد اعداءنا على اختراق مجتمعاتنا ودولنا هو في تقديري غياب "ثقافة الوحدة"  لدى الافراد والمجموعات والجماعات التي لا يقودنا اعتمادها الى تحقيق وحدة الامة فقط، بغض النظر عن شكلها الدستوري، فيدرالية او كونفدرالية او حتى مجرد تضامن وتعاون وتنسيق، بل يقود اعتمادها الى تحصين وحدة مجتمعاتنا نفسها بوجه موجات الغلو والاقصاء والتطرف والتوحش التي تنخر في هذه المجتمعات..
فالوحدة ليست مجرد هدف يتصدر مشروعنا النهضوي العربي مع عناصر أخرى كالديمقراطية، والاستقلال، والتنمية، والعدالة الاجتماعية، والتجدد الحضاري، ولا هي شعار يرفع في المناسبات، وهتاف تطلقه الحناجر في التظاهرات فقط، بل هي ايضا ثقافة وسلوك ورؤية وتحليل نحصّن بها واقعنا وحاضرنا وننطلق معها في بناء مستقبل ارحب وافضل..
وتقوم ثقافة الوحدة في تقديري، ومن خلال تجربة طويلة في مواكبة حالات التجزئة والاحتراب والانقسام على مستوى الامة او على مستوى الاقطار او حتى على مستوى الجماعات والاحزاب والمكونات الاجتماعية والسياسية على جملة ركائز وقيم ومثل:
أول هذه الركائز هو اقرارنا بوجود تنوع في مجتمعاتنا، سواء على مستوى الامة او على مستوى الاقطار، تنوع ديني واثني ومذهبي وعقائدي وسياسي، وان اي محاولة لالغاء احد مكونات هذا التنوع هي اقصر الطرق لاشعال الحروب والفتن والاقتتال وإدامتها الى ما لا نهاية.
ولهذا الاقرار بالطبع نتائج وسياسات لا بد من اعتمادها وأولها الالتزام بفكرة المشاركة، بكل مستوياتها، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والسعي الدائم لبناء الجسور بين هذه المكونات بوجه المتاريس التي يحرص اعداء الخارج والداخل على اقامتها....
هنا تتصل ثقافة الوحدة بالديمقراطية وحقوق الانسان والجماعات، كما تتصل بالعدالة الاجتماعية حيث من الصعب انجاز وحدة بين ظالم ومظلوم، بين مستغّل ومُستغل، بين الفاسدين وضحايا الفساد....
ثاني الركائز هو القدرة على قراءة الجزء من خلال الكل، فلا نتيه بالتفاصيل داخل قطر او جماعة على حساب الرؤية الشاملة للوطن الكبير كله ولتكامل الاقطار فيه...
فأعداء امتنا في الخارج والداخل يخططون لها، بل وينفذون مخططاتهم ومشاريعهم، على قاعدة اننا أمة واحدة يسعون الى تمزيقها ليتمكنوا من الهيمنة عليها وسلب مواردها وتدمير حضارتها، فيما سياساتنا، بما فيها سياسات الوطنيين بيننا، قائمة على اساس اقطار او كيانات أثنية وطائفية ومذهبية، فنكون بذلك قد خسرنا المعركة قبل ان ندخلها...
واذا كان لا بد من اختصار اسباب تعثر الكثير من تجاربنا الوطنية والقومية في العقود الماضية وهي كثيرة بالطبع، لربما لاحظنا ان اهمها هو اننا كنا نعمل في اطار القطر او الجماعات فيما اعداؤنا يخططون لمحاربتنا على اساس وحدة  الامة، بل الاقليم او القطر بأسره...
مثل هذه النظرة الضيقة لواقعنا فسرت الى درجة كبيرة قيام المحاور المتصارعة في وطننا، ونجاح اعدائنا في تغذية التناقضات بينها، حتى يصبح الشقيق او الصديق عدوا، ويصبح العدو والنقيض صديقاً او حليفاَ...
في ثقافة الوحدة لا بدّ من استدعاء القول المأثور  للامام الشافعي:" رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".
ثالث هذه الركائز لثقافة الوحدة هو ما اسميه دوما بثلاثية النهوض هذا النهوض الذي لا ينفصل عن الوحدة، حيث لا نهوض بدون وحدة ولا وحدة بدون مشروع نهوض...
ثلاثية النهوض تقوم على ثلاثية " التواصل، والتكامل، والتراكم"، وهي ثلاثية لا تختصر متطلبات الطريق الى الوحدة فحسب، بل تؤمن افضل السبل لحشد كل طاقات الامة لتحقيق مشروعها النهضوي...
ثقافة التواصل، تواصل الاقطار والافكار والاجيال، تحصن مجتمعاتنا من شوائب الاقصاء والالغاء والاجتثاث والغلو والتطرف، وقد وقعنا جميعا فيها بشكل او بآخر، وبالتالي هي ثقافة تفتح الباب واسعا امام التكامل الذي هو الخطوة الضرورية باتجاه الوحدة....
أما ثقافة التكامل فهي التي تحوّل التنوع القائم في مجتمعاتنا الى مصدر قوة بدلا من ان نجعله مصدرا للاحتراب والاقتتال، وفي ظل هذا التكامل نجد انفسنا نرفع درجة من مستوى ادائنا في كل المجالات على ضوء القانون الاقتصادي "المنفعة المقارنة" -Comparative advantage – كما يقولون في علم الاقتصاد فكل قطر او مكوّن يقدم افضل ما عنده من قدرات وطاقات لتتكامل مع افضل ما عند غيره، بدلا من هيمنة فكرة التفرد والتخاصم والتنافس المضر ناهيك عن الحسد والغيرة...
اما الآلية الثالثة في ثقافة النهوض الذي يقود الى الوحدة فهي فكرة التراكم، تراكم التجارب والخبرات والمراحل، فلا نستهين بتجربة او نستخف بأخرى، ولا بمرحلة انقضت، ولا بخبرة سبقت، فاذا كان التكامل هو تواصل على المستوى الافقي، فالتراكم هو على المستوى العامودي.
وحين تتحصن ثقافة الوحدة بهذه الثلاثية فانها تشكل قاعدة متينة للطريق الى الوحدة، وطنية كانت ام قومية، اسلامية كانت ام أممية، لانها تحرر الطريق الوحدوي من القفزات غير المدروسة، وتحرر الخطاب الوحدوي من نزعات التهميش او الاقصاء، وتحرر السلوك الوحدوي من العصبيات الضيقة التي ترفض ان ترى نفسها في اطار اوسع وأشمل...
ثلاثية النهوض هذه تحصن ثقافة الوحدة ايضا من الجنوح الى الغاء ما دون الوطني او القومي او تجاهل ما هو أوسع منها، فالعروبة في ظل هذه الثلاثية ليست نقصاً في الوطنية بل فيض فيها، بل انها تكامل وطنيات وتواصل خصوصيات، وتراكم حضارات، وكذلك لا تنفي العروبة الحضارية ما هو اوسع منها من روابط  كالروابط الدينية مثلا فأرض العرب ارض الرسالات ومهد حضارات وهذا ما يحمّل العرب مسؤولية تاريخية في صون هذه الرسالات وتجدد هذه الحضارات، كما ان العروبة الجيوسياسية لا تنفي ما هو اوسع منها من  روابط على مستوى الاقليم او على مستوى العالم، فندرك تكامل امتنا العربية مع دول جوارها الحضاري على قاعدة الاحترام المتبادل للخصوصيات والمصالح والسيادة الوطنية، كما تدرك موقع امتنا تاريخيا في قلب الحضارة الانسانية فتتحمل مسؤوليتها التاريخية تجاه الانسانية جمعاء بعيدا عن كل عنصرية او شوفينية او شعور بالاستعلاء ناهيك عن الشعور المذل بالدونية.
من ركائز ثقافة الوحدة ايضاً هو ان تضع في رأس أولوياتك السعي لصون الوحدة الوطنية في الأقطار، ولبناء الوحدة القومية على مستوى الأمّة، بغض النظر عن نظام هذه الوحدة، كونفدرالياً كان أم فيدرالياً أو حتى تنسيقياً، علماً ان عبد الناصر وكل مدارس الحركة القومية العربية المعاصرة وآخرها المشروع النهضوي العربي  اسقطوا المفهوم الاندماجي للوحدة لأنه لا يستوعب الخصوصيات التي تزخر بها أمّة مترامية الأطراف كالأمّة العربية، ومتعدّدة المكونات الاجتماعية والثقافية والعرقية المتساكنة في الوطن العربي الكبير الممتد من أقصى المغرب إلى أقصى زوايا الخليج.
فالوحدة ليست مجرد شعار نزيّن به الخطب والمقالات، أو مجرد هدف نسعى إلى إحراق المراحل لتحقيقه، بل أن الوحدة هي بشكل خاص فكر جامع، ونهج ينطلق من وحدة أصغر الخلايا في المجتمع إلى وحدة الوطن الأكبر.
فإن تكون وحدوياً يعني أن تنأى بسلوكك وخطابك عن كل ما يفرق أبناء الأمّة ومكوناتها، أياً كانت الذرائع والمبررات، بل أن تسعى للتركيز على ما يجمع ويوحّد وهو كثير، وتتجنب الغرق في كل ما يقود إلى تباعد أو تنافر بين أقطار أو جماعات مهما بدا هذا التنافر مغرياً، وهذا التباعد محققاً لمكاسب فئوية آنية ضيقة، وفي مقدمها الوصول السريع إلى السلطة يقول سبحانه وتعالى "محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم" صدق الله العظيم...
من ركائز ثقافة الوحدة كذلك ان ندرك أن بناء الوحدة العربية، فيدرالية كانت أم كونفدرالية، بات عملية متدرّجة تنطلق من التضامن السياسي إلى التكامل الاقتصادي (كالسوق العربية المشتركة، وسكة الحديد العربية واملشاريع الكبرى المشتركة)، إلى التلاقي على القضايا الجامعة وفي مقدمها قضية فلسطين، التي ما كان للدوائر الاستعمارية أن تقيم كياناً غاصباً على أرضها لولا رغبتها في إقامة حاجز استيطاني عنصري يفصل بين مشرق الوطن ومغربه.
بل من ثقافة الوحدة  ومتطلباتها أن تسعى لوحدة كل القوى المؤمنة بالوحدة العربية، عبر بناء أداة عمل شعبية عربية واحدة تنطلق من وحدة النضال العربي فتعزّز النضال من أجل الوحدة العربية، بل أن تسعى لقيام كتلة تاريخية على مستوى الأمّة كلها تضم كل قواها وتياراتها المؤمنة بالمشروع النهضوي العربي وعناصره الست: الوحدة العربية، الديمقراطية، الاستقلال الوطني والقومي، التنمية المستقلّة، العدالة الاجتماعية والتجدد الحضاري، وهو الذي يترجم الصلة الحميمة بين التشبث بتراث الأمّة الروحي والتطلع إلى منجزات العصر والتفاعل معها.
من ثقافة الوحدة ايضا أن تعتبر نفسك مسؤولاً عن كل أبناء الأمّة وأقطارها ومكوناتها، بما في ذلك أولئك المتوجسين من الوحدة والمتحفظين عليها، والمعارضين لها، خوفاً على خصوصياتهم الدينية والثقافية ومصالحهم العابرة الضيقة، فلا ننساق بالتالي إلى ردود فعل إقصائية، أو ممارسات استئثارية، بذريعة اعتراض البعض على مشروع وحدوي هنا أو فكرة وحدوية هناك، فلا يمكن الجمع بين الفكر الوحدوي الجامع من جهة، والنهج الإقصائي أو الاحتكاري أو ألاستئثاري من جهة ثانية.
ومن ركائز ثقافة الوحدة هو أن تكون مقاوماً لكل احتلال أو هيمنة خارجية، سواء كان احتلالاً للأرض أو احتلالا للإرادة، أو هيمنة على القرار أو الموارد، لأن المقاومة هي فعل إضعاف لكل القوى التي كرّست التجزئة وأطلقت العنان لمشاريع التفتيت، كما أن مقاومة الاحتلال والهيمنة هي الحركة الأقدر على توحيد مشاعر الشعوب وطاقاتها وتصحيح بوصلتها ووجهتها. ان المأزق الذي يواجهة اليوم الكيان لاصهيوني وداعميه بفضل المقاومة  الباسلة، انا يشكل فرصة لتحرير الارادة العربية وبالتالي لاطلاق الافكار والمشاريع الوحدوية.
وأن تكون وحدوياً هو أن تكون ديمقراطياً تحترم إرادة الشعب وتصون حق الجميع في أن يكون له رأيه وحقه في أن يمتلك أساليب التعبير السلمية عن هذا الرأي وأدوات تفعيله وتحقيقه في الواقع.
أن تكون وحدوياً هو أن تكون مناضلاً من أجل مجتمع "الكفاية والعدل" الذي دعا إليه جمال عبد الناصر والحركة القومية المعاصرة، فلا تهمل التنمية بكل مستوياتها في برامجك ونضالك، كما لا تؤجل متطلبات العدل الاجتماعي تحت هذا الظرف أو ذاك، فالتنمية، كالوحدة، هي من عناصر القوة في المجتمعات، والعدل الاجتماعي يوفر للأمّة طاقات كبرى حال الاستغلال والحرمان دون زجها في معركة الكرامة الوطنية والقومية والإنسانية.
في النهاية من ركائز ثقافة الوحدة في مواجهة الانقسام  أن نسعى لتعزيز قوى الوحدة وآلياتها في المجتمع، كما أن نتفهم هواجس الآخرين ونحترم تحفظاتهم، بل أن نعامل هذه الهواجس والتحفظات كتحديات حقيقية للارتقاء بنضالنا الوحدوي إلى مستوى أعلى، فيصبح جاذباً للآخرين، منزهاً عن كل الشوائب التي تعلق أحياناً بهذا النضال وبالتالي أن نرفض أي فهم "استبدادي" للوحدة، فلا نعتبرها هيمنة الكبير على الصغير، ولا إلغاء الكيان الأصغر حجماً وسكاناً لصالح الكيان الأكبر، فالعروبة هي تكامل وطنيات أولاً وأخيراً.
من ثقافة الوحدة أن تقيس كل خطوة تخطوها، وكل كلمة تقولها بميزان الوحدة، فلا تخطوها إذا لم تكن باتجاه الوحدة، ولا تقولها إذا لم تخدم فكرة الوحدة، بل أن تكون وحدوياً هو أن تعيش هاجس إطلاق المبادرات الوحدوية سواء كانت فكرية أم ثقافية، اقتصادية أم اجتماعية، علمية أم تربوية، سياسية أم نضالية، فبناء الوحدة هو نتاج تراكم تفاصيل عديدة على طريق الوحدة.
ومن ثقافة الوحدة  ايضا أن تجيد قراءة موقع أمّتك بين الأمم، وأن تدرك أهمية التكامل الحضاري والإنساني في العالم، لاسيّما مع دول الجوار، دون أن تفرط لحظة واحدة بسيادتك القومية واستقلالك وإرادتك الحرّة ومصالحك الحيوية.
أن تكون وحدوياً هو أن تكون جسر تواصل بين أبناء الأمّة وأقطارها وأجيالها وتياراتها، لا أن تزجّ بفكرة بحجم فكرة الوحدة في آتون صراعات دائرة في المنطقة، متهماً من يخالفك الرأي بالخيانة، ومن يختلف عنك في الرؤية عدواً للأمّة.
أيها الحفل الكريم
ثقافة الوحدة هي ان تدرك ان الوطنية لا تستقيم بتقسيم الاوطان وان العروبة هوية تنطوي على دعوة للوحدة، ومشروع للنهضة، وبهذا المعنى تشكل العروبة هوية جامعة بوجه عصبيات التفتيت والتشرذم العرقية والطائفية والمذهبية، كما تشكل الفكرة القومية العربية مشروعاً للنهوض لا مجرد شعار تعبئة إيديولوجية.
ثقافة الوحدة ترى ان المواطنة هي أساس الفكر القومي العربي التقدمي حيث لا تفّرقة بين المواطنين على أساس الجنس أو الدين أو  اللون أو العرق.
ثقافة الوحدة هو أن تمتلك رؤية شاملة للواقع العربي، وأن تدرك الترابط العميق بين أقطاره، فمثل هذه الرؤية تحصن صاحبها من الغرق في الجزئيات بكل ما يقود إليه هذا الغرق من تشويش وغموض وارتباك في التحليل وضياع في تحديد الأولويات وصولاً إلى مقايضة أهداف المشروع النهضوي العربي وإهمال بعضها لحساب بعضها الآخر.
ثقافة الوحدة هو أن تدرك إن وحدة العرب، بغض النظر عن شكلها الدستوري (تضامن، تنسيق، تكامل، كونفدرالية، فيدرالية)، ليست مجرد  صدى لرغبة ذاتية عند العرب، بل هي تعبير عن حاجة موضوعية للأمة في مواجهة كل التحديات، سواء تحديات الأمن القومي، أو التنمية المستقلة، أو حتى الوحدة الوطنية للكيانات القطرية التي باتت مهددة بالتفتيت في ظل الضعف العربي.
وثقافة الوحدة تعتبر علاقة العروبة بالأمم الأخرى، ناهيك عن أمم الجوار، هي تعبير عن رسالة الأمة في محيطها والعالم، فالبعد الإنساني للعروبة هو بعد أساسي تحدده عوامل عدة.
ثقافة الوحدة هي أن تميّز بوضوح بين التناقضات الكبيرة  التي نواجهها كعرب، وبين التعارضات الثانوية التي نعيشها في تفاصيل حياتنا اليومية، فنخضع الثانية للأولى، ونراعي في مواجهتنا للأولى كل متطلبات معالجة الثانية.
ثقافة الوحدة هي أن تقرأ الماضي بعين موضوعية فترى ايجابياته الكثيرة دون إغفال السلبيات، وتدرك السلبيات دون أن تهمل الايجابيات، فالرؤية القومية هي رؤية وحدوية، والوحدوية هي قراءة متكاملة ومتوازنة لما يدور حولنا، فالماضي إما أن يكون سجناً يأسر الغارقين فيه، أو أن يكون ممارسة يستفيد المرء منه في فهم الحاضر والتطلع إلى المستقبل.
ثقافة الوحدة هي أن تقرأ الحاضر وتحلله أيضاً بعين التوازن والتجرد والتكامل، كما بعين العصر وتطوراته، كي تتمكن من قراءة مشاهد (سيناريوهات) المستقبل بوضوح ودقة علمية.
منذ أكثر من ربع قرن كلف مركز دراسات الوحدة العربية فريقاً من عشرات الباحثين والأكاديميين لإعداد دراسة تستشرف مستقبل الوطن العربي ووصل الفريق إلى ثلاثة مشاهد أولها استمرار المشهد القطري الراهن والذي سيقود حتماً إلى انهيار الدول القطرية نفسها، وثانيها مشهد التعاون الإقليمي الذي إذا لم يتجه نحو التكامل القومي فمصيره الانهيار أيضاً، أما المشهد الثالث وهو مشهد الخلاص المتمثل بالتكامل بين الدول العربية وهو مشهد يحتاج إلى مشروع نهضوي وكتلة تاريخية تنهض به.
ثقافة الوحدة إذن هو أن تركز على القضايا الجامعة للأمة وأن تحشد الطاقات حولها لا سيّما قضية فلسطين وكل ما يتصل بالاحتلال والتدخل الأجنبي، لأن الاستقلال الوطني والقومي هو الأساس الذي تقوم فوقه وحدة الأمة وحريتها وتنميتها وعدالتها الاجتماعية.
ثقافة الوحدة هو أن تناضل وتتصدى بشجاعة لثلاثية الاستبداد والفساد والتبعية وتدرك حجم الترابط بين أركانها، فلا تسكت عن استبداد أو فساد بذريعة مقاومة التبعية، ولا تبرر التبعية والتدخل الأجنبي بحجة مقاومة الفساد والاستبداد.
وفي ضوء هذا التعريف يصبح واضحاً انه إذا كان أي بلد عربي يتعرض لعدوان أو تدخل من الخارج، تحت أي مسمى أو عنوان فتقف بوجهه دون تردد أو حساب، وإذا كان الضيم داخلياً يلحق بالشعب تحت أشكال القمع أو القتل أو الاحتراب أو الفتنة داخل الوطن الواحد أو حتى الصراع الحدودي بين قطرين، فان تكون وحدوياً يعني أن تكون جسراً للحوار، وداعية للمصالحة، وصاحب نداء لرفع الظلم، ودعوة لتحصين الوطن.
ثقافة الوحدة تعني أن تكون مقاوماً لكل احتلال خارجي، واختلال داخلي، ليس فقط على مستوى الأمة، بل على مستوى العالم كله، فالبعد العالمي للقومية العربية هو قوة لها وسند، تماماً كما تشكل الحركة القومية العربية بالمعارك التي تخوضها على مستوى الأمة ركناً رئيسياً من أركان حركة التحرر العالمية لأنها تسهم في هزيمة المشروع الاستعماري بكل مسمياته، والمشروع الصهيوني  بكل أشكاله.
ثقافة الوحدة  هي أن تجسد بسلوكك اليومي جملة فضائل وخصائل طالما اعتز بها مجتمعنا العربي والاسلامي، وأبرزها، دون شك، الصدق، والوفاء، والنخوة، والكرم، والشجاعة والإقدام، والاعتزاز بالثقافة العربية والدفاع عن اللغة العربية.
ثقافة الوحدة أن تكون مبادراً، بالفكر والعمل والنضال، في الانتصار لكل قضية عربية محقة ولكل قضية إنسانية عادلة، غير هيّاب في قول كلمة الحق أيّاَ كانت العواقب.
وختاماً فثقافة الوحدة أن تدعو كل العروبيين في كل التيارات الرئيسية في الامة (قوميين وإسلاميين ويساريين وليبراليين) إلى التلاقي والتفاعل والتكامل على طريق وحدة الأمة بأسرها، خصوصاً بعد أن باتت الوحدة هي درع الأمة ومصدر قوتها ومبرر وجودها.
         قد يبدو هذا الكلام طوباوياً في زمن الانقسام والتفتيت، وفي عهود التقسيم والانفصال، وفي وقت تطغى فيه أولويات الهويات الفرعية على الهوية الجامعة، كما قد تبدو هذه الكلمات أضغاث أحلام.
         ولكن لو تذكرنا أن الإنجازات الكبرى تبدأ بأحلام، وأن الرسالات بدأت بدعوات وأفكار، وأن الأمم التي ينظر بعضنا إليها بإعجاب قدّ مرّت بمراحل لا تقل ظلاماً وظلماً عما تمر به أمتنا اليوم، لأدركنا أن أمّة بلا أحلام هي أمّة ماضية حتماً إلى انقراض، تماما كما ان امة بلا ذاكرة هي امة بلا مستقبل.
         عظمة عبد الناصر أنه حمل حلمه معه من "فلوجة" فلسطين حيث كان محاصراً في الحرب عام 1948، إلى القاهرة حيث فجّر مع رفاقه الثورة عام 1952، ورغم انكسار حلمه في أكثر من محطة، بقي جمال عبد الناصر حاضراً في وجدان أمّته بعد أكثر من 58 عاماً على رحيله، وبعد أكثر من 100 عام على ولادته في 15 يناير 1918.. وعظمة البعثيين والقوميين العرب وسائر العروبيين الوحدويين والمجاهدين في القرن الفائت انهم بنوا تنظيمات عابرة للاقطار والطوائف والمذاهب والاعراق لكن ما شهدته من انشقاقات وانقسامات ادت الى تبديد هذه الانجازات.
لم ينجح جمال عبد الناصر في تحقيق الوحدة العربية وحمايتها، لكن كل الحروب التي شنّت عليه، ومحاولات الشيطنة التي تعرّض لها، لم تستطع أن تمنعه من أن يكون رمزاً توحّدت حول ذكراه غالبية أبناء أمّته، وحتى خصومه اعترفوا بدوره ورمزيته...
         لماذا؟ لأن عبد الناصر كان مواطناً عربياً بسيطاً شفافاً في حياته وسلوكه، مسكوناً بأوجاع أبنائها رافضاً الظلم والظلام معاً، بالتالي كان وحدوياً حقيقياً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Developed by: Hassan Dbouk