03‏/09‏/2017

المخيم: حقيبة سفرٍ ممزّقة



المخيم: حقيبة سفرٍ ممزّقة

أخيرًا سكت صوت القذائف، وانبعثت رائحة الموت من ذلك الحيّ الصّغير الذي تقطنه أعداد كبيرة من العائلات الفقيرة التي لم يعد لها مأوى، بعد أن خسرت كل تعب السنين، وحصدت الدمار والقهر والموت. خسرت البيت والأمان، والعمل، وحق العيش الكريم.
صورة لجوء متكررة، نساء يحضرن إلى بيوتهن ليبحثن عن بعض ما تبقى لهن من حياة، كيس برغل، حفنة أرز، بقجة فارغة، بعض الملابس الممزقة، ويرحلن.
رجال يُمنعون من تفقد ما تبقى لهم من تعب السنين، من بعض أحجار صغيرة نثرتها القذائف في الهواء.
إنّه حيّ الطّيرة، البقعة الصّغيرة في المخيم الذي لا تزيد مساحته على واحد كلم مربع.
منذ سنين، وعلى فترات متراوحة، وهذا المكان في حالة توتر مستمرة، بلال بدر ومَنْ من خلفه، الشوكة النابتة بين أعشاب خضر، على الدوام يدوسها ويسير. بلال بدر الورم الذي انتشر وبسرعة كبيرة في شريان جسم حيّ الطّيرة. بلال بدر الذي يحتاج إلى استئصال أبدي، حتى يرتاح أهالي الحيّ والمخيم.
عين الحلوة، صورة لنكبة، لنكسة، لمخيم نهر البارد، لمخيم اليرموك، بأهله الذين يحملون بقج لا يعلمون ما فيها، ربما كان بداخلها أشياء تافهة، لا يريدها أصحابها، لكنها النّفس البشرية التي ازداد وجعها.
في الشّارع الطّويل كهل هدّه القهر يحمل عكازه، ويسند عليها عمره الذي طال. شاب ينتظر بفارغ الصبر على قارعة الرصيف سفينة كبيرة، وحقيبة صغيرة يضع فيها جواز سفره لا أكثر. طفلة لم تتجاوز التسعة أيام من عمرها تنتظر من يحنّ عليها بزجاجة دواء . دموع أمٍّ قُتِل أولادها الأربعة على مدار حروب متتالية. وكلهم أوجاعهم تصبّ في حقيبة سفر ممزقة.
نافورة ماء تتسلل قطرات منها من قسطل نخّلته شظايا القذائف، تغسل الدم ورائحة التراب الأسود.
العيد ينتظر أن يشفى المخيّم من وجعه، لن يُقبل العيد، لأنّ المخيم حزين، ستغيب صور الأطفال وهم يصرخون ويلهون في أراجيحهم الّتي اعتادوها.
إلى أين يا مخيم عين الحلوة؟ إلى أين أيها الفلسطيني؟

رحلات متتالية، ولم تجد مرساة ترسو فيها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Developed by: Hassan Dbouk