31‏/05‏/2017

ماهي الأدوات التي نحتاجها اليوم كتنظيمات شيوعية ماركسية-لينينية في العالم العربي؟



ماهي الأدوات التي نحتاجها اليوم كتنظيمات شيوعية ماركسية-لينينية في العالم العربي؟
جنى نخال
في مسعانا لمحاربة الاستعمار والامبريالية، أعتقد باننا نتّفق أنه لا يمكننا صنع ذلك لوحدنا، كحفنة صغيرة من المثقّفات والمثقّفين الذين قرؤوا كتب ماركس وأنغلز وإيما غولدمان وأنطونيو غرامشي ومهدي عامل. إن كنّا قرأنا من جاء قبلنا، فهذا امتياز وليس أداة أساسية للبقاء: غيرنا ليس لديها المال لتتعلّم القراءة، أو الوقت بعد العمل للتفكير بماهية الاستغلال، أو حتى إمكانية الوصول إلى كتبهم. عملنا الآن إذاً، إذا ما اعترفنا بامتيازاتنا في الوصول إلى المعرفة، أي الموروث الماركسي واقنناعنا به، هو أن نطوّره ليصبح محلياً وليتطابق مع ما وصلت إليه أشكال رأس المال من تطوّر، وأخيراً أن نبسّطه ليصبح مفهوماً من كل الناس باختلاف مستوى علمهم\ن.
أعتقد بأنه من الضروري أن نبدأ برؤية هدف واحد لهذه الأدوات التي أطرح، وهو "إنتاج البديل" في المضمون والشكل. نبدأ بكسر حاجز الخوف بكوننا جزءاً من الناس ولسنا "قادة" لهم أو "نخبة". من قلب المجتمعات إذاً، من أقرب المواقع لها، نريد أن نبلور معها البديل ونبنيه. وأقترح أن يحصل ذلك عبر الأدوات التالية:
1-   العودة إلى الشارع، إلى الحقل، إلى المعمل، إلى الصحراء، إلى مخيمات اللاجئين، إلى القرى، إلى المساجد والحسينيات والكنائس، إلى العشوائيات، إلى نساء القرى، أي العودة إلى الناس في أكثر الأماكن تهميشاً والخروج من "المركز"، بمعنى المدينة والعاصمة...وبمعنى مراكز الأحزاب. علينا أن نخرج إلى حيث يعيش ويعمل من لا يشبهنا، من راحة مراكز أحزابنا ونجعلها أماكناً للنشاطات الثقافية والاجتماعية والفنية يجتمع فيها الناس ويرونها ملجأهم. وحينما نخرج منها، فنحن نخرج أيضاً من مساحات نشعر فيها بالراحة، نكون فيها مع من يشبهنا، لا أحد يتحدّى مفاهيمنا وثوابتنا، فنتوقّف عن التحليل وننسى كيف نحاجج ونمتنع عن تطوير أفكارنا وأدوات تحليلنا.
2-   تشكيل الحقل المعجمياليساري- الشيوعي- النسوي- العربي- المحلي. وهنا ننتقل لى "اللغة". فاللغة ليست مادّة بريئة، والإطار السياسي التي تستعمل فيه الكلمة، يؤثّر تماماً على إنتاج المعنى. كتعبير"الإمبريالية" مثلاً، نرميها أينما ارتأينا، للدلالة على ما لا تدلّ عليه. فال"إمبريالية"[1] هي المرحلة التي تصل إليها الدول الرأسمالية في استغلالها للدول الأضعف، عبر تصدير أزماتها إليها، واستيراد الفائض من هذه الدول. لذا فليس بإمكاننا تسمية ما شاء لنا بالـ "إمبريالي"، بل يتوجّب تطابق الوضع السياسي الاقتصادي لهذه الدول، مع التعريف.
يجب أن نطوّر أيضاً حقلاً معجمياً يحتوي على الكلمات التي تعبّر عن مفاهيمنا وتطوّر قراءتنا لواقعنا من جهة، وتجعل هذه القراءة محليّة من جهة أخرى. كما يجب أن نتفّق على حقل معجمي نرفض استعماله، كالكلمات والتعابير اليمينية والعنصرية أو الفوقية والنخبوية والبطريركية.
3-   تطوير الخطاب، وخاصّة ذلك المتعلّق بعلاقتنا بالدين، ورؤيتنا للعنصرية، واللاجئين، والمثلية، خطابنا الذي يَعنى بالعلوم، والبيئة، والأمان الغذائي، وغيرها من المواضيع التي يجب علينا التطرق إليها إذا ما أردنا إنتاج البديل. كما نحتاج إلى تطهير الخطاب من المفاهيم والكلمات الليبرالية (إرهاب، تنمية، توعية، قيادة، تمكين، إلخ).
وأخيراً تجديد الخطاب ليستوعب المفاهيم التحررية التي تم تطويرها عبر النضالات التحررية في العالم، من نضالات الشعوب والاثنيات المختلفة والنسوية الماركسية، من انتاج للمعرفة، واللغة، وديناميكيات القوى، والامتيازات، ومفهوم ال"صوت"voice ، وغيرها.
4-   تظهير موقفنا من الجمعيات غير الحكومية: من الطفولي أن يتوقّف نقدنا للجمعيات الأهلية وغير الحكومية عند كونها مموّلة من الخارج. علينا أن نبحث أكثر في ديناميكيات عملها وأهدافها...وتأثيرها. تسعى هذه المجموعات ل"تطهير القضايا من السياسة" depoliticization. وبينما تسعى الايديولوجيا الماركسية في أساسها لتظهير البعد السياسي لكل القضايا والصراعات، تقول هذه المجموعات للناس بان الأمور أخلاقية وإنسانية فقط، ممّا يجعل الظلم يقع دون ظالم، والحروب "مآس" تماماً كالزلازل والأعاصير، لا مسؤول عنها ولا مجرم حرب ولا طاغية. كما أنّها تقسّم كل قضية على حدى، فبدلاً من أن نرى أن المشكلة الأساس هي النظام الرأسمالي، المنتج لكل أشكال القمع والظلم والاستغلال، تجزّئ الجمعيات القضايا وتجعل لكل واحدة منها عدواً مختلفاً، وتحاول حلّها بمال المانحين. هذه هي مشاكلنا مع الجمعيات الأهلية والجمعيات غير الحكومية، وتزداد طبعاً، عندما يكون التمويل خارجياً وموجّها للسياسات والاقتصادات.
5-   الانتاج الاقتصادي\تطبيق البديل: نحن نعترض على الموجود، ونقول بأن لن يستمرّ وبأنه غير قادر على الاستجابة لحاجات الناس ونطرح العديد من البدائل. لكننا في معظم الأوقات، نتوقّف عند النظري. نحن نقول بأن الشكل الرأسمالي لإنتاج العمل مأزوم ومدمّر، فأيننا من إثبات أن البديل موجود وممكن؟ أيننا من مؤسسات صغيرة تتعامل مع العاملات والعمّال بعدل وتعمل بمسؤولية بيئية، ثقافية، اجتماعية، سياسية؟ أيننا من تعاونيات تعمل في المناطق الزراعية، مع النساء، مع اللاجئات واللاجئين، مع العاملات والعمال المهاجرين، مع الأضعف في كل بلد ومنطقة، لنثبت بأن المنافسة والربح الشخصي ليسا حقيقةً الطريقة الوحيدة لنمط الانتاج، وبأنهما ليسا بنيويين في الطبيعة الانسانية؟
6-   الفكر النسوي وتسييسه.إن النظام البطريركي الذكوري الأبوي جسم سياسي لا يجب أن يتمّ التعامل معه إلا بالشكل السياسي، من داخل أحزابنا ومجموعاتنا ونقاباتنا...وخارجها. نحن نريد استرجاع مفاهيمنا من الليبرالية والجمعيات غير الحكومية. والفكر النسوي هو أحد تلك المفاهيم التي استولت عليها الليبرالية، وعلينا استرجاعه، وجعله أكثر راديكالية وقرباً من الناس وخدمة لأكثر من يستضعفهم\ن النظام. ليس من الصعب أن نلاحظ قلّة مشاركة النساء في أحزابنا، والسبب ليس في النساء أو عدم قدرتهن على المشاركة السياسية، بل في المجتمع البطريركي الذي يعتبرهن غير قادرات على العمل السياسي ويحتقرهن إذا قرّرن المشاركة. إذا ما أردنا حقّا أن نكون أحزاباً شيوعية ماركسية لينينة حقيقية، فلن نكون كذلك والنساء غير مشاركات في العمل السياسي. لن نكون كذلك ونحن لا نخلق مساحات آمنة لهن للمشاركة دون أن تعتبر مشاركتهن صورية، ودون أن نجعلهن يشعرن بأنهن منظر جميل في القاعة، دون أن نخلق مساحات خالية من التحرّش والتشييء...دون أن تفكّر أحزابنا باهتمامات النساء ومخاوفهن والخطورات التي يتعرَضن لها والممنوعات التي تفرض عليهن.
إذا أردنا أن نسمّي أنفسنا حقاً، أحزاباً شيوعية ويسارية، لا يمكننا أن نعيد إنتاج المفاهيم الاجتماعية المتخلّفة التي تقمع النساء وتشيّؤهنّ وتحتقرهن. نريد أن نخلق بديلاً؟ فليكن البديل على كل الأًصعدة، وليكن الفكر النسوي الراديكالي المدافع عن كل المستضعفين، من نساء ورجال ومثليات ومثليين، جزءاً لا يتجزّأ من عملنا.
7-   التثقيفثم التثقيف ثم التثقيف. أعتقد باننا متفقات ومتّفقين بأن الانتاج العملي لا يحصل دون إنتاج فكري. وإن أحد مجالات البحث والتثقيف والانتاج المعرفي التي يجب أن نركّز عليها، هي دراسة تاريخنا والحركات التحررية في مناطقنا وفي الجنوب العالمي ككل. وأرى بأننا يجب أن نركّز، منهجياُ في تثقيف على ثلاث جبهات: ذاتي، داخلي، وخارجي.
تثقيف "الكادرات"، والـ"مسؤولين"، وال"قيادات" ومثقفات ومثقفي أحزابنا اللواتي والذين ننتظر منهم\ن الانتاج الفكري. وعلى تثقيف القواعد أن يضرب في صميم العمل السياسي. فعلى القواعد أن تستطيع الإجابة على الأسئلة البديهية: ما هو اليسار، ما هي الشيوعية، ما هي الماركسية، ولماذا قرّرت أن تكون\ي ماركسية؟ أما الخارجي، فهو يتطلّب تكتيكات وأشكالاً أخرى من التواصل وتفنيد الحجج. ونركّز هنا على التبسيط، لتكون أيديولوجيتنا متاحة للمثقفين\ات وغير المثقفات\ين. كما أن على نظرياتنا أن تترجم عملياً: كيف أفسّر لمزارعة في قرية بعيدة، أن الماركسية أداة لتحرير الإنسان، إذا لم أربطها باستغلال المزارعين الكبار، وغياب الدولة، وتعطيل أولادها عن العمل واضطرارهم للذهاب إلى المدينة من أجل العلم ولقمة العيش؟ كما أنه من الضروري أن نظوّر موقفنا من الدين. فباعتبارنا للدين ظاهرة ثقافية، تتعلّق بخيارات الانسان وحده\ا، باستطاعتنا أن نعيد تموضع الماركسية كأداة غير عدوانية تجاه الانتماءات الثقافية. ما أريده هو مجتمع يختار إن يؤمن بإله أو آلهة أو لا... لكنّه غير عنصري أو طائفي، يطالب بالعلمانية ويضغط على الدولة لتكون موجودة في كل القطاعات، ويعي ماهية الصراع الطبقي ويحارب الاستعمار.
8-   التنظيم. آخر الأدوات، أهمّها. لا أعتقد أن أي شكل من أشكال العمل الجماهيري/السياسي يمكن أن يكون فاعلاً ومؤثّراً حقاً، إذا لم يدخل ضمن تنظيم سياسي. لا أرى أي تأثير حقيقي، على المدى القريب أو البعيد، لعمل سياسي لا يعتبر التراكم وعمل المجموعات عبر التنظيم، هدفاً من أهدافه. نحن لسنا أفراداً نعمل كلٌ لوحده\ا دون تنسيق، فهذا ليس عملاً يستطيع خلق تغيير الحقيقي أمام الماكينة الهائلة المسمّاة نظاماً رأسمالياُ. نحن لسنا "ناشطات وناشطين"، بل منظّمات ومنظّمين سياسيين. نحن لا ننشط سياسياً بحسب أوقات فراغنا بسبب انتمائنا السياسي-الاقتصادي للبورجوازية. نحن الذين وعينا لامتيازاتنا، وقررنا بأنه لا خيار غير العمل اليومي والانخراط التام بالقضايا التي تمسّ أكثر المستضعفين والمهمشين. ننتمي للمجتمع ونتشارك معه في أخذ القرار الذي يمسّ مصالح الطبقة العاملة والفئات المهمّشة. وللتنظيم أشكال كثيرة...ومن المهم اليوم أن نركّز على الأشكال التي لا تسعى إلى خلق أيقونة أو "قائدٍ". فنحن بحاجة إلى قواعد، مجموعات تعمل على الأرض، تنتج فكراً وعملاً. وهذا يتطلّب منّا كسر الشكل الكلاسيكي للمهدي\المسيح\المخلّص المنتظر. اليوم، لا ننتظر شخصاً واحداً "يقود" عمياناً، بل علينا أن نسعى لكي تتكاتف الفئات المهمّشة كلّها، وتعمل مع بعضها من أجل تحرير ذاتها، من أجل أن نُبصر جميعاً.
إن التفكير بأن الهدف هو الوصول إلى السلطة هو واجب علينا اليوم. لسنا طوباويات وطوباويين. عبر العمل على انتاج معرفة ماركسية محلية بديلة، وعبر كسر العلاقة الفوقية مع "الشعب"، نريد أن تصل أيديولوجيتنا إلى السلطة. نحن هنا لنطوّر النص...ونطوّر الأداة. وذلك لن يحصل سوى في الشارع: مع من يرفضهم\ن النظام ويستضعفهم\ن ويستغلهم\ن.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Developed by: Hassan Dbouk