16‏/10‏/2016

عاشوراء الدم ينتصر على السيف.. بقلم / عباس الجمعة



عاشوراء الدم  ينتصر على السيف..
بقلم / عباس الجمعة
نعيش اليوم ذكرى عاشوراء التي تجاوزت في معانيها ومدلولاتها الالم والحزن على هذه الفاجعة وهذا الخلل في التاريخ الاسلامي الذي اصاب الامة بجرح لازال ينزف حتى اليوم، ولكن عاشوراء باحداثها وتفاصيلها مرحلة التاسيس لثقافة الثورة وتصحيح المسار للامة عبر مفاهيم الحرية والتضحية من اجل العدالة ورفض الاستبداد، هذه المعاني والقيم التي خرج الامام الحسين عليه السلام من اجلها ، اليوم الشعب الفلسطيني لن يفقد البوصلة من خلال انتفاضته الباسلة التي تكتب حروف انتصارها بالدم، والجماهير العربية على امتداد العالم العربي تواجه اكبر مؤامرة في تاريخها الارهاب الصهيوني التكفيري بعد كل هذه القرون من تاريخ عاشوراء وموقعة كربلاء  وصولا الى هذه اللحظة التي نرى فيها هذه التضحية الهائلة في أيام عاشوراء، في أيام الفداء والشهادة .
من هذا الموقع ونحن في ذكرى عاشوراء نقول أثبت الشعب الفلسطيني من خلال انتفاضته البحث عن سبل جدية للتحرر، بدلا من انتظار تعاطف ما يسمى بالمجتمع الدولي، وها هم شباب وشابات فلسطين يرسمون طريق الحرية بدمائهم ، من خلال تعديل موازين القوى وجعل قضية التحرير الوطنى عنوانه، من خلال الصمود في الأرض، والدفاع عنها، وردع الاحتلال وعدوانه ومستوطنيه، وهذا ليس هدفا صغير، لهذا المطلوب إعادة انتاج الخطاب الوطني الفلسطيني، لان هذه الانتفاضة تتخذ أشكالا متعددة، وسوف يكون مدخلا للنضال في مواقع مختلفة، من دون أن يعني بالضرورة عملا شاملا وموحدا، حيث نرى الوحدة الشعبية من قلب قواعد الاشتباك الجديدة، فهي بحق انتفاضة الصمود، التي ترفدها هبات غضب متواصلة، وهي المدخل إلى إعادة بناء فكرة فلسطين، بصفتها فكرة أخلاقية ومشروع عدالة.
اليوم نحن امام منازلة بين الدم والسلاح تماما كما كانت المواجهه بين الدم والسيف في كربلاء ، من هنا كان اندلاع الانتفاضة، لأن الشعب الفلسطيني، الواقع تحت الاحتلال الصهيوني، وصل درجة بالغة من الإحباط واليأس، فجابه الشباب والأطفال، العدو الإسرائيلي المدجج بأحدث الأسلحة، وهم مجردون من أي سلاح إلاّ إيمانهم بارادة النضال ، وبعدالة قضيتهم، والسكين والحجر، غير عابئين بالنتائج، التي يمكن أن تسفر عنها هذه المجابهة الحتمية، وهي القتل، والتمثيل، والإصابات والاعتقالات، والتعذيب، وهدم البيوت، وقطع الأرزاق، ومن هنا أُطلق على الانتغاضة "انتفاضة القدس" ، مصطلح شباب وشابات السكين والدهس والحجر والمقلاع ، حيث قدمت صورة حقيقية لواقع الاحتلال وإجرامه وممارساته اللاإنسانية ووفرت للقضية الفلسطينية ولأول مرة حاضنا شعبيا متكاملا وموحدا داخل فلسطين المحتلة وحتى على مستوى شعوب العالم وقواها التقدمية واليسارية ، وعلى مستوى الشعوب العربية واحزابها وقواها ومقاومتها الحية التي تواجه الهجمة الاستعمارية الصهيونية الارهابية التكفيرية ، لتكتب مرحلة جديدة في تاريخ الامة ، انها كربلاء تستعاد في هذه المرحلة التاريخية الفاصلة في حياتنا ومستقبل منطقتنا تستعاد الارداة نحو التضحية من اجل مستقبل افضل للاجيال القادمة .
في ظل هذه الظروف تقف فلسطين عبر عملية القدس وما سبقها من عمليات نوعية لتعيد الى واجهة العالم القضية المركزية ، و قوى المقاومة في المنطقة رغم اختلال موازين بخندق المواجهة الهجمة الامبريالية الصهيونية الرجعية وارتكبت افظع المجازر بحق الشعوب التي تصدت لها بصدور عارية ، ندرك عندها ان ثورة الامام الحسين كانت ثقافة لكل انسان وملهمة كل طالب حق وحرية ، وان التنوير والنهضة والوصول الى الحرية قد تكون على حساب الجسد والدم..
ان ذكرى مأساة يوم عاشوراء الأليم ووقائع ملحمة ألطف الخالدة وفواجعها، مما يجعلنا ان نأخذ جميعاً من مناهجها الدرس تلو الدرس والعبر برشاقة ألقيمه إلايمانيه ومناهج تطور الفكر الإنساني لإرساء عالم متحضر متآخي لدحر الاستبداد والظلم والإرهاب الأسود مستلهمين ذلك من مواقع وسلوك ومنهج ثورة الأمام الحسين، ونستمد من واقعة الطف التاريخية معاني الحياة وفلسفتها وما رسمته للمستقبل خطوط خارطة الطريق الواضح للأجيال ،كون ملحمة الإمام الحسين أبو الأحرار أوقدت شعلة في أعماق التاريخ ولم تنطفئ جذوتها على مدى الزمن وحتى يومنا هذا مستمرة تجلت فيها ثورة الفكر الإنساني بعيدا عن الترهيب والترغيب متلازمة مع مبادئ الإسلام والتزاماته في المساواة وضمان حقوق المستضعفين القائم على أساس التحرير من العبوديه ومقارعة الظلم والفساد.
امام كل ذلك ندرك جيدا شرعية المقاومة في ممارسة حقوقها وواجباتها ، تلك الحقوق التي كفلتها كل الأنظمة و الشرائع و هي حقوق تولّدت من معاناة طويلة لآثار احتلال طارد قادة وكوادر ومناضلي المقاومة والشباب والشابات ، لهذا نؤكد ان الشعب الفلسطيني شعب النضال و التضحيات ، انه لم يهن ولم يستسلم ، و لم يتوقف شلال الدم على أرض فلسطين على الرغم من كل المحاولات و الانهيارات، فهذا الشعب الفلسطيني العظيم يخرج دائما من تحت الأنقاض كطائر الفينيق فيعيد الروح ليس فقط إلى الانتفاضة بل وإلى كل الأمة العربية و إلى كل الشعوب المحبة للسلام و العدالة.
ان ذكرى عاشوراء ملهمة للشعب الفلسطيني بمواجهة العدوان والارهاب الصهيوني في الضفة الفلسطينية والقدس وقطاع غزة في مواجهة سيف الاحتلال المدعوم من الامبريالية الامريكية ومعاقل الظلم التي ساندته في الغرب وكانت قيم كربلاء حاضرة في انتفاضته الشعبية ، كما كانت حاضرة في مقاومة فلسطين وانتصارات المقاومة في لبنان ، حيث تتواصل راية الشهادة من اجل نيل الحرية وتقرير المصير، من خلال الصوت الفلسطيني الحر الذي استلهم من ثورة الحسين وثورات الاحرار في العالم الصوت المقاوم الذي يتحدى جبروت الاحتلال من اجل تحقيق اهداف الشعب الفلسطيني الوطنية المشروعه، ليثبت للعالم انه شعب العطاء والتضحية .
في يوم عاشوراء نقول ان الالم الذي تحمله والمعاني التي لابد من استلهامها في مواجهة ما تتعرض له المنطقة اليوم من هجمة امبريالية صهيونية ارهابية  وظاهرة ما يسمى بقوى الارهاب التكفيري التي ترتكب المجازر ضد شعوب المنطقة وعلى الاخص في سوريا والعراق واليمن وليبيا هي نتيجة مباشرة للتدخل الامبريالي الاستعماري منذ احتلال العراق بهدف الوصول الى تقسيم دول المنطقة إلى دويلات وكنتونات طائفية ومذهبية وعرقيه ، وان قدرة المقاومة والصمود لدى شعوب المنطقة ونخبها، ستبقى هي الاساس في مواجهة هذه المؤامرة الكونية على الامة العربية ، فان ملحمة اسشهاد الامام الحسين عليه السلام  تتجاوز الفئوية و الطائفية والمذهبية لانها فاجعة لكل المسلمين والعرب والاحرار والشرفاء في العالم، وهي ذكرى تأمل ومراجعة الذات ، والوقوف مع الحق بعيدا عن العصبيات والنظرة الفئوية الضيقة .
لهذا نقول في ذكرى ثورة الامام الحسين عليه السلام ، إذ لا مهادنة ولا ضعف في وجه قوى الارهاب التكفيري المدعوم من الرجعية العربية والقوى الامبريالية والصهيونية، مهما كان الثمن ، فلنزرع فينا جميعا روح المقاومة لأنها حاجة موضوعية تفرضها طبيعة المرحلة، من خلال تصعيد وتيرة الكفاح والنضال بمواجهة هذه الجرائم ، حتى تتمكن الشعوب من العيش حرة كريمة.
وامام ذكرى عاشوراء نرى مجالس العزاء ونستمع جيدا للكلمات المؤثرة في هذه الذكرى لنؤكد على المواقف التي اطلقتها ايضا حركة امل وحزب الله في ذكرى عاشوراء دعما ومساندة للانتفاضة الشعبية على ارض فلسطين ، وهذا يؤكد  بأن الدم  سينتصر على السيف مهما كانت الصعوبات.
ختاما : ان الإمام الحسين كان رمز الثورة وجذوتها المشتعلة ، ولهذا نقول أن الثورة عمل غير مؤجل حيث نعيش كل يوم كربلاء ، وأن فلسطين ستبقى قضية الامة الاولى ومهما تطورت الاحداث ، فان وحدة الموقف الفلسطيني وتمسكه بخيار المقاومة بكافة اشكالها هي الطريق حتى زوال الاحتلال وتحقيق اهداف وحقوق الشعب الفلسطيني باقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة بعاصمتها القدس وضمان حق العودة لشعبنا اللاجئ والمهجر الى دياره وممتلكاته وفق القرار الاممي 194 .

كاتب سياسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Developed by: Hassan Dbouk