23‏/10‏/2016

قراءة في كتاب امرأة من فلسطين




قراءة في كتاب امرأة من فلسطين
بقلم / عباس الجمعة
في كتاب السيدة ريم النمر "امرأة من فلسطين" ، متاهة حروب وجبهات الصادر (دار رياض الريس)، تقف ريم رفعت النمر، على الحبل الفاصل بين حياتها وحياة القائد الشهيد محمد زيدان (أبو العباس)، الامين العام لجبهة التحرير الفلسطينية  وزوجها في آن معا، هذا القائد الذي استشهد في معتقلات الاحتلال الامريكي في العراق ، وبظروف غامضة وفجائية.
وتقول السيدة ريم النمر، من بين ما تقول، أن الشهيد القائد أبو العباس درّب باسل الأسد على القفز بالمظلات، بناء على طلب الرئيس الراحل حافظ الأسد، وفوق ذلك، تعترف ريم النمر بأنها كتلة من التناقضات، فدائية وتخشى القطط، وتكره الديكتاتوريات على غرار زوجها الشهيد أبو العباس، اضافة الى اقوال كثيرة ، ولكن ارى في كل الاحوال ، ان هذا الكتاب تعطي فيه السيدة ريم نفسها مكانة نضالية وثورية كبيرة علما ان هناك مناضلات ومناضلين كانت لهم تجاربهم ومواقعهم النضالية وزوجات قادة لم يتحدثوا بما تتحدث فيه السيدة ريم ، وفعلا الكتاب، هو قصة من قصص بنات الأثرياء الفلسطينيين اللواتي انخرطن في النضال .
صحيح ان الكتاب يعيد مسيرة نضال لثلاثة عقود تقريباً، بالتنقلات المستمرة والملاحقات، والتهديد بالاغتيال، والمضايقات أحياناً من قبل الدول للشهيد القائد ابو العباس، قبل اعتقاله واستشهاده في معتقلات الاحتلال الامريكي في العراق .
ولكن هذا الكتاب يغفل الكثير من الحقائق، ويأتي بقضايا ليست دقيقة ، لأن تجربة الشهيد القائد ابو العباس من محطات النضال المميزة التي انتصرت فيها إرادة الشعب الفلسطيني على صلف الاحتلال وعدوانيته،اما تجربة ريم النمر اشترك فيها كثيرون ، ولكن الشهيد ابو العباس ترك قبيل رحيله ما يؤكد حضوره العملي والفعلي في مسيرة نضال الشعب الفلسطيني ، وهذا يتطلب وجوب استعادة تاريخه ومواقفه ،قد لا يكون في هذه القراءة جديداً فيما يخص دور القائد الشهيد، ولكن الجديد أن دوره يفرض نفسه علينا، لا سيما في الزمن الصعب.
فكان الاجدى في هذا الكتاب ان يكون عنوانه مختلف ، وان يقترن  بقراءة التجارب جيدا، لأن الشهيد ابو العباس هو جزء من حركة ثورية على الصعيدين الفلسطيني والعربي ، وحتى يطلع الجيل الجديد من اجل امتلاك نظرة شاملة  عن الدور الكبير الذي شكله الشهيد القائد ابو العباس ،وكيف ادار الصراع بطريقة شمولية على المستوى السياسي والعسكري  والاجتماعي الديمقراطي.
ربما سيكون من الصعب جدا  اختصار تاريخ رجل، أمضى سنوات عمره في معمعان النضال الوطني الفلسطيني، في بضعة صفحات، فالإيجاز مهما كان بليغا ومكثفا يظل قاصرا عن إعطاء الرجل حقه، وإظهار صورته الحقيقية بكل أبعادها , فالشهيد القائد الامين العام  ابو العباس ، كما اعرف ويعرف الكثيرون، أمضى العمر كله في الكفاح من أجل القضية الوطنية، من أجل استعادة الحقوق الثابتة والمشروعة للشعب الفلسطيني، الذي هجر عن ارضه ، وعانى مرارة التشرد، وذل العيش في المنافي والمخيمات.
ومع وقوع هزيمة الخامس من حزيران عام 1967، ودخول الصراع مع العدو الصهيوني مرحلة جديدة، كان الشهيد القائد، أحد أبرز مؤسسي جبهة التحرير الفلسطينية، التي حملت على كاهلها مسؤولية المساهمة في النضال الوطني الفلسطيني المسلح، لاسترداد الحقوق الوطنية الفلسطينية، والحقيقة أن الشهيد ابو العباس، كان من أوائل الذين تنبهوا لدور الشعب الفلسطيني الخاص، في إطار المعركة القومية الأوسع.
إن إيمان الشهيد القائد بأن فلسطين جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، وأن الشعب الفلسطيني جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، هو الذي يفسر مواقفه وممارساته التي ربطت بشكل عضوي وجدلي، بين العاملين الوطني والقومي، فقد قادته خبرته وتجربته الطويلة في معمعان النضال، إلى استخلاص العبر والدروس، التي يأتي في مقدمتها، أن البعد الوطني الفلسطيني ليس نقيضا للبعد القومي، بل يشكل حلقة أساسية في معركة المواجهة والتحرير، تتوسط سائر الحلقات الأخرى، التي بدونها يصعب إحراز النصر على القوى المعادية.
وفي كل مراحل النضال، لم يفقد أبو العباس البوصلة السياسية، فقد حافظ على إيمانه وتمسكه بالمبادئ الثورية الأساسية، وظل عصيا على السقوط في مستنقعات ردات الفعل القطرية الضيقة، فالمرارات التي أثارتها الهجمات والحصارات التي تعرضت لها الثورة الفلسطينية، على العديد من الساحات العربية، لم تفسد ايمانه بأمته، وإلى الفكر الوطني القومي الديمقراطي التقدمي، المستند إلى ثقافة عربية أصيلة وتاريخ عربي مجيد. ومن هذا المنطلق، كان الشهيد ابو العباس ، دقيقا في التعبير عن الأسباب التي توجب إبراز الشخصية الوطنية الفلسطينية، وحماية القرار الوطني المستقل ومنظمة التحرير الفلسطينية، من كل محاولات الوصاية أو الاحتواء، ففي مواقفه كان يتحدث عن مفهومي الشخصية والاستقلالية الوطنيتين، كان يشير على الدوام، إلى أنهما مفهومان وطنيان بأبعاد قومية، وكفاحية وأممية وإنسانية، ومشبعان بكل معاني ودلالات النضال من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
من هنا كان الأجدى ان يسلط الكتاب عن تصدي الشهيد ابو العباس لكل الاتجاهات التي حاولت استغلال إبراز الشخصية والحفاظ على الاستقلالية، لتعزيز مفاهيم قطرية ضيقة وخاطئة، ففي جميع مواقعه في جبهة التحرير الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وفي المنتديات السياسية والفكرية والمحافل العربية والدولية، كان الشهيد واحدا من أبرز المدافعين عن العلاقة العضوية بين البعدين الوطني والقومي للصراع الفلسطيني / العربي- الصهيوني، إلى درجة باتت معها هذه العلاقة، أحد أهم السمات التي تطبع شخصيته ومواقفه، وإلى جانب اهتمامه بتصعيد كافة اشكال النضال ضد الاحتلال حتى من الجغرافيا البعيدة عن فلسطين ، وكانت عمليات جبهة التحرير الفلسطينية تفتخر فيها كافة الشعوب المناضلة، وليس كما ورد في كتاب ريم النمر قد تكون حكاية أبو العباس، الأكثر مأسوية وعزلة، بعد أن كانت عملياته العسكرية تمنى بالفشل دوماً، ليتحول في آخر سنوات حياته إلى رجل لم يعد لديه ما يفعله سوى زراعة قطعة أرض عراقية صغيرة، باسم فلسطين، فهذا بحق شيئ معيب من اي انسان يكتب تاريخ نضالي يسيئ فيها الى رجل عظيم كانت حياته مليئة بصفحات المجد والبطولة وكل العالم يعترف بها .
ولذلك لم يتحدث الكتاب الى تجربة ودور الشهيد القائد بتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وفي صفوف الشعب ومجمل قواه وفعالياته السياسية والاجتماعية، حيث كان يؤمن إيمانا عميقا، بأن سلاح الوحدة، هو أحد أهم الأسلحة لمعركة المواجهة وتحقيق الأهداف الوطنية العليا، وأستطيع القول بتجرد وموضوعية، أنه لعب على الدوام، دورا أساسيا في الحوارات الوطنية الفلسطينية -الفلسطينية، والفلسطينية- الوطنية الفصائلية، لتوحيد الصفوف ورصها بمواجهة التحديات الكبيرة التي تعرضت لها الثورة على امتداد سنوات السبعينات والثمانينات، وكان قادرا بحكم تجربته ونزاهته وعلاقاته الواسعة، على إدارة الحوار مع الجميع، مع كل الاتجاهات السياسية الوطنية والقومية واليسارية والإسلامية التنويرية ، وقد ساعدته صفاته الشخصية ومكانته السياسية ومجمل صداقاته، على إدارة حوارات معمقة، على مستويات مختلفة، صبت جميعها في مصلحة العمل الوطني والقومي، وعلى المستويين الفلسطيني والعربي.
وفي مواجهة كافة المشاريع التأمرية، رفع الشهيد القائد ابو العباس الصوت عاليا، داعيا إلى التمسك بالثوابت الوطنية، واستنهاض القوى والطاقات الوطنية، وحماية المشروع الوطني الفلسطيني وكان يرفض بشكل قاطع كل الذرائع التي يجري سوقها لتبرير السياسات التراجعية ، كما عارض اتفاق اوسلو ، واكد على التمسك بالحقوق الثابتة والمشروعة والتاريخية، وكان يدعو الى رفع وتائر النضال والتحدي السياسي، وتجاوز الصعوبات المحيطة بالثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية  وللحقيقة فقد كان الشهيد، في طليعة أولئك الناس الذين يدعون إلى قراءة الواقع وفهم صعوباته، وكان يؤمن بأن شعبنا يختزن من الطاقات والإمكانات، ما يجعله قادرا على ابتكار الوسائل والأساليب الكفاحية الكفيلة بتغيير الواقع، وفتح الآفاق أمام إجبار العدو والعالم على الاعتراف بحقوقه.
لم يكن ذلك غريبا ولا مستغربا، على رجل جعل النضال نهجا وأسلوبا حياتيا، يعيشه يوميا، في الجبهة، وفي منظمة التحرير الفلسطينية، وفي علاقاته مع القوى والناس ،وفي بيته ، وبدون أي مجازفة أو مبالغة، يمكن القول أن سلوك الرجل كان نموذجا يحتذي به فقد تمتع بقدر كبير من النزاهة الأخلاقية، تجاه رعاية عوائل الشهداء والأسرى، وتجاه واجب الاهتمام بهم وتكريمهم، وتقديم كل احتياجاتهم في حدود الإمكان ، فلم ينس يوما، التذكير بواجب الوفاء للأهداف التي من أجلها قضى الأوائل نحبهم، ومن أجلها يعاني القابعون في الزنازين وخلف القضبان أشد أنواع المعاناة الإنسانية.
لذلك نقول صحيح ان الشهيد القائد ابو العباس الذي سعى جاهداً وراء فلسطين، فالعدو وضعه نصب أعينه بعد سلسلة عمليات بطولية للجبهة في السبعينات والثمانيات والتسعينيات، وتعرَّض لأكثر من محاولة اغتيال قبل الخروج من بيروت  وخلال اجتياح بيروت وبعد خروج الثورة الفلسطينية ، ووقف الى جانب منظمة التحرير الفلسطينية بعد الخروج من بيروت وخاصة الى جانب الرئيس ياسر عرفات ولم يكن على خلاف مع الرئيس الشهيد وهذا ما اغلفه الكتاب ،هذا الكتاب التي ارادته السيدة ريم النمر يطوي أكثر من مجرد قصة حب أو ملامح من أسرة فلسطينية،وتستعرض فيه وبكثير من الدقة، والإيجاز أحياناً، الهزّات السياسية التي ضربت الشرق الأوسط، والتي أصبحت داخل بيتها الزوجي مجرد "ظرف اجتماع" سيحدد أسلوب حياتها وحياة أسرتها الصغيرة مع الشهيد أبو العباس، لتصبح عمود يومياتهما الفقري.
ختاما : أنّ ما مثله الشهيد القائد ابو العباس من قيمة كبيرة على الساحة الفلسطينيّة، من الصلابة ووضوح الفكرة، واستعداده للتضحية، إضافةً لإيمانه العميق بخيار المقاومة بكلّ ما يُتاح من وسائل، وعلى رأسها العمل المسلّح، جعل من ذلك سببًا هامًا لعملية اغتياله في معتقلات الاحتلال الامريكي، وأنّ خسارة قائد بحجم ابو العباس أثّر على انتفاضة الاقصى بشكلٍ كبير، لكن عملية الاغتيال كانت في ذروة الانتفاضة، مما جعله حافزًا على استمرارها، وكان دليلًا على أنّ القيادات أيضًا تدفع الثمن ، وهذا ما سببه غياب شخص مثله، مما لا يمكن تعويض وجوده.

كاتب سياسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Developed by: Hassan Dbouk