11‏/09‏/2016

اين اخطأنا واين اصبنا في مسيرة نضالنا.. بقلم / عباس الجمعة



اين اخطأنا واين اصبنا في مسيرة نضالنا..
بقلم / عباس الجمعة
في يوم صباحي حسبته بلا منغصات او مواجع، نهضت من فراشي مبكرا نشطا على غير المعتاد، لاقف وانا اشرب فنجان قهوتي ، لاستعيد بها سنوات عمري ، بعد ان وهبت عمرا كبيرا في مسيرة النضال الوطني على مدار ثلاثة واربعون عاما  ، وفي قضية من انبل القضايا العربية ، فانتميت لفلسطين ، وحملت راية الثورة كأي مناضل عربي  لا يشترط ان ينقش اسمه في التاريخ النضالي، يكفي ان يكون للإنسان هدف واضح محدد، يمضي كل حياته في سبيله فلا يأكل ولا يشرب ولا يتعاطى في الحياة، إلا وهذا الهدف ملء جوارحه وحواسه، ماثل أمامه في كل كبيرة وصغيرة من شؤونه وشجونه.
من هنا يكسب المناضل حياته ، ويجعل لوجوده قيمة وهو قد يعيش فترة طويلة أو قصيرة من الزمن، ليس ذلك مهما على الإطلاق، المهم، أنه قدم شيئ في سبيل قضية مقدسة ,كما ساهم كل المناضلين والاحرار في العالم ، من هنا تقاس مرحلة نضاله بالقيم التي زرعها في حدائق الإنسانية لتفيض على إخوته في الإنسانية بالخير والجمال والعطاء لتعطي الدفء والحنان ، فالعطاء قيمة عظيمة من القيم التي طغت المفاهيم المادية والحسية عليها.
ومن موقعي أثق تماما بإدراك ان ما تعرضت له في مسيرة نضالي المستمرة هي انني تمكنت من العمل على بناء علاقات صداقة مع اخوة ورفاق  , وحافظت قدر المستطاع على  موقع الجبهة التي انتمي اليها ، لانها تحمل هوية فكرية تنسجم مع الاهداف الوطنية والديمقراطية والقومية التي امنت بها  ، وهذا التنظيم التي سيبقى صمّام أمان الثورة الفلسطينية، وبوصلته حيث تتجه الجماهير الفلسطينية وطموحاتها، وهنا اعني جبهة التحرير الفلسطينية التي منذ انطلاقتها تُعتبر صاحبة التاريخ العريق ، حيث جمعت بين صفوفها مناضلين من المحيط إلى الخليج،حافظت على منطلقاتها وخطها السياسي ووفائها لتاريخها ولشهدائها وفي مقدمتهم الامين العام للجبهة الشهيد القائد ابو العباس ورفاق دربه الامناء العامون طلعت يعقوب وابو احمد حلب، رغم محاولات التآمر عليها الا انها اجتازت المرحلة، حيث شكلت في لبنان مسلكية ثورية متميزة  في التعامل مع الأحزاب والقوى الوطنية اللبنانية والأهم مع الجماهير اللبنانية  , قاتلت واستشهد وفقد مسؤولها العسكري القائد سعيد اليوسف والعشرات من مقاتليها وابطالها في التصدي للغزو الصهيوني للبنان صيف عام 1982، وهي معروفة للقاصي والداني عن بساطة حياة أعضاء الجبهة, وتحديدا من يحمل امانة شهداءها وفي مقدمتهم الامين العام الدكتور واصل ابو يوسف وقيادة الجبهة الذين يتعاطون مع الجميع ببساطة حياة كل منهم وابتعادهم عن كافة مظاهر الفخفخة والاستعلاء وكافة المظاهرالأخرى ومعروف عنهم التواضع والالتصاق بالناس العاديين .
وفي ظل هذه الظروف اقول أن غياب الديمقراطية كان سببًا في اخطاء وجدت بسبب وجود بعض الاشخاص وحبهم  الانتهازي للقيادة ، بدلا من القيام بوقفة مراجعة مع الذات، ليروا الأمور على حقيقتها، فالتأسيس لبنيان ديموقراطي يتطلب وجود قوى تؤمن بالديموقراطية كمبدأ ومنهج عمل شامل، رغم اننا كنا نقف امام الأخطاء والتجاوزات السابقة في مسيرة النضال بشكل عام ، ولكن نتيجة التخلف الاجتماعي، وغياب الوعي الثقافي في ترسيخ وتطبيق الديمقراطية ، ونتيجة غياب الوعي بأهمية الذي كان حاصل على مختلف الصُعد السياسية والاجتماعية وغيرها ، الا انها تمكنت من تجاوز ذلك رغم المعاناة من خلال الإرادة والتصميم ، لان دوما هي الأقوى ،ولذلك دائما علينا استخلاص الدروس والعبر، وتقديم قراءة علمية للتجربة باخفاقاتها وانجازاتها، وبما يفيد ويخدم مسيرة المستقبل ويجنبها العثرات التي رافقت مسيرة الماضي ويعزز من الايجابيات.
أذكر كلمات قالها القائد الشهيد ابو العباس على امتداد التاريخ استقطبت فلسطين كل المناضلين من العالم العربي واحرار العالم ، ولن يتوقف الفداء الفلسطيني رغم تعاظم القوى الغاشمة الصهيونية وتعالي جبروتها ، ولن تتوقف المقاومة حتى تحرير فلسطين وانتزاع كامل حقوق الشعب الفلسطيني ، لهذا ما زالت الجبهة على  نفس النهج التي ارساه الشهيد القائد وترسيه اليوم قيادة الجبهة في الساحتين الفلسطينية والعربية ، بل هي دائما امام مراجعة التجربة النضالية بين الفينة والأخرى من خلال نقد الذات وترسيخ الديموقراطية , والمزاوجة بين الفكر والخط السياسي والممارسة العملية, الانتماء لفلسطين قبل التنظيم , وإتاحة المجال للكفاءات الجديدة من جيل الشباب، رغم ان الظروف العربية والدولية ووضع الانقسام الكارثي والامكانيات المادية ما زالت تحول دون عقد مؤتمرها العام .
ان استمرار النضال ومواصلة المقاومة الوطنية واستمرار الصراع هو الموقف المبدئي الرافض للصراعات المذهبية, والطائفية , والإثنية في الوطن العربي, الربط بين الخاص الوطني والعام القومي , وتعزيز العلاقة مع كافة القوى الديموقراطية على الصعيد العربي والعالمي وتحديد معسكر القوى الصديقة والحليفة, وتحديد معسكر الأعداء، ومن هنا نعتبر ان حق العودة , وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على كل الأراضي المحتلة عام 1967 هو حل مرحلي على طريق استعادة وتحرير كامل الارض الفلسطينية ، وهذا يتطلب تعزيز التلاحم مع حركات المقاومة العربية والعالمية والقوى الديموقراطية والتقدمية والاشتراكية على الساحة العربية والدولية, وتعزيز وحدة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والمرجعية الوطنية للشعب الفلسطيني, والتمسك بالأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني.
وامام كل ذلك اقول ان جبهة التحرير الفلسطينية حافظت على علاقاتها العربية والدولية وخاصة مع العديد من الأحزاب الشيوعية العالمية والاحزاب اليسارية والقومية العربية ومع القوى الوطنية والاسلامية اللبنانية, حيث ادرك الجميع أنها تنظيم يسعى لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني وطموحاته، هذه هي أسس علاقة الجبهة مع أي طرف.
ومن هنا نرى ان الانتفاضة الراهنة والمقاومة الشعبية يشكلان وحدة للنضال الفلسطيني المبني على الارتباط بالأرض والانسان، رعم ما تتعرض له المنطقة ، الا ان المعير الوطني والقومي والديمقراطي في الوطن العربي الآن، هو التجاوب مع الانتفاضة الفلسطينية، والتضامن مع الحركة الاسيرة في سجون الاحتلال .
لم يخطر في بالي، في اي يوم من الايام، انني سأعيش لحظة ارى فيها بعض العرب والمسلمين يطبعون العلاقات مع كيان الاحتلال، او اسمع من قائد فلسطيني  يصف المسيحيين بأنهم "جماعة ميري كريسماس" فهو لم يعلم انه بفلسطين لا فرق بين مسيحي ومسلم وكلهم شعب واحد ، وهو لم يعلم ان  الثورة الفلسطينية أنجبت من قادة وعظماء كتبوا بأحرف ساطعة بالقلم والدم تاريخيا لفلسطين ومن بينهم، كمال ناصر، توفيق زياد، فؤاد نصار، أميل توما، أميل حبيبي، توفيق طوبي، جورج حبش ونايف حواتمة، وديع حداد، عطاالله حنا، الأب عياد، حنا مقبل، وناجي علوش ، فالثورة الفلسطينية والحركة الوطنية الفلسطينية وفصائلها انتمى وما زال في قيادتها مناضلين من كل الجنسيات ، يرفضون كلمة الجنسية والمذهب والديانة من اجل فلسطين وهكذا نعتقد ونؤمن.
نحن نعيش مرحلة الفتن والتقسيمات الطائفية التي تمزقنا ودولنا ومذاهبنا وتغرقنا في حروب دموية تصب في مصلحة الاحتلال الاسرائيلي، حتى بات بعضنا يشكك في دماء شهدائنا، ويمجد بالاعداء  وهذه قمة المأساة والهوان والاحباط معا،انه وضع بائس ومؤلم بكل المقاييس، وضع انقلبت فيه القيم، واختلطت فيه المعايير، وضاعت البوصلة، لهذا يجب علينا قراءة المرحلة والعمل على استعادة روح النضال في مواجهة ما نتعرض له .
ختاما : إن الوعي المطلوب هو كيفية التعامل بعد هذا المخاض الطويل والشاق رغم كارثية اللحظة وقساوة التحديات، ونحن ما زلنا نمسك بخيط الأمل، ليس من منطلقٍ عاطفي، وإنما لأننا ندرك طبيعة الصراع، وندرك أصالة الشعب الفلسطيني وشعوب الامة العربية واحرار العالم ، كما نعرف دروس التاريخ، وبأن الهزائم والإحباط ومهما امتدت زمنياً فإنها تبقى مؤقتة وعابرة، فالشعوب في نهاية المطاف هي صاحبة الكلمة والفصل، وهي قادرة على أن تطلق أحلامها وآمالها مقاومةً وصموداً ودفاعاً عن حقوقها المشروعة وستنتصر .

كاتب سياسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Developed by: Hassan Dbouk