11‏/09‏/2016

كمال البقاعي: مقاوم تجاوز الخط الأحمر



كمال البقاعي: مقاوم تجاوز الخط الأحمر
حسان الزين

بات كمال البقاعي نائباً للأمين العام للحزب الشيوعي في المؤتمر الحادي عشر (2016)، فيما انتُخب حنا غريب أميناً عاماً. وبهذا جمع الشيوعيّون على رأس قيادتهم البعدين اللذين يرسمان صورة حزبهم منذ مؤتمره الثاني عام 1967، أي الوطنيّ ومقاومة الإحتلال الإسرائيلي، والاجتماعي والعمل النقابي من أجل حقوق العمال والفلاحين وذوي الدخل المحدود. وإذا كان حنا غريب معروفاً للبنانيين بنضاله النقابي بين المعلّمين والموظفين وعلى رأس هيئة التنسيق النقابيّة، فإن البقاعي أتى من العمل الحزبي العسكري والسرّي. ويعرفه الشيوعيّون وأبناء البقاع الغربي وحاصبيا ومرجعيون والعرقوب وراشيا مقاتلاً ومسؤولاً عسكرياً للحزب والمقاومة الوطنية منذ 1977.وقد تكوّنت مكانته المعنوية داخل الحزب خلال هذه المسيرة النضاليّة الطويلة، لكنّها حُفِظت أكثر لكونه لم يغادر الحزب. وهذا اعتبار قيّم لدى الشيوعيين الذين لا ينفكّون يدعون من غادروا الحزب إلى العودة إلى التنظيم.فبعد انتهاء الحرب وحل الأحزاب، ومنها الشيوعي، المليشيات، آثر البقاعي الابتعاد عن العمل الحزبي المثقل، آنذاك، بالخلافات الشخصيّة والسياسيّة. وإذ حافظ على علاقته المميزة بالأمين العام الأسبق للحزب جورج حاوي، أبقى على الحرارة نفسها مع الحزب. ويدرك رفاقه أنّه "لم يلتصق بحاوي على نحو تبعي أو أبوي. فالأب كان بالنسبة إلى البقاعي هو الحزب، أما حاوي فرمز لذاك الأب، وقد عرفه كمال وعمل تحت قيادته لسنين طويلة، فتشكلت بينهما صداقة وثقة"، يقول رفيق تاريخي للبقاعي. لكن هذا الرفيق لم يلتقِ كمال في الآونة الأخيرة، مع اشتداد المرض الذي ألمَّ به: "لم أقدر على أن أرى كمال الحيوي وصاحب القامة المتينة الطويلة بجسم ضعيف يكافح المرض". وإذ يلوم الرفيق نفسه على ذلك، مثل كاتب هذه السطور، يبرر ذلك بأنّه فضل الاحتفاظ بصورة كمال جميلاً وأنيقاً وهادئاً. وكأن لسان حال هذا الرفيق الشكوى من توالي الخسائر والنكسات السياسيّة والحزبية والشخصيّة.وكمال البقاعي الذي توحي شهرته بأنها اسم مركّب يستعير الانتماء إلى البقاع ضمن الانتماء إلى المقاومة والعمل السرّي، لمع اسمه بين المقاومين والحزبيين في الثمانينيّات. فبعد مشاركته في تنفيذ العمليّات العسكرية ضد الاحتلال ومليشياته اللبنانية بين عامي 1982 و1985 في القطاع الشرقي (مرجعيون وحاصبيا والعرقوب وراشيا والبقاع الغربي)، تحوّل إلى التخطيط والإشراف بعد الإنسحاب الإسرائيلي من معظم تلك المناطق منتصف العام 1985. واستطاع من موقعه هذا بقيادة توجيهية وسياسية من حاوي، مع مجموعة من الفدائيين مندفعين، ومعظمهم استُشهد أمثال جورج نصرالله وكمال الحجيري ومحمود الحجيري ومخايل حنّا وإيلي الحداد وجمال الساطي ووفاء نورالدين ولولا عبود، من إشغال الاحتلال وتوجيه ضربات قاسية لقواته.وفيما يفخر الشيوعيّون والمقاومون بالعديد من العمليّات العسكرية المميزة التي حملت توقيع البقاعي ورفاقه، وبعضها لم يخلُ من اللّمسة الأمنية الدقيقة التي استهدفت ضباطاً كباراً في الجيش الإسرائيلي وإستخباراته، إلا أنَّ الأبرز والأخطر في مسيرة البقاعي ورفاقه هو ما نُفِّذ في مزارع شبعا. وأهمية هذه المجموعة من العمليّات ليس في وصول المقاومين إلى تلك المساحة الخطرة فحسب، ولا من تنبؤيتها وتأكيدها أن المزارع أرضٌ لبنانية فحسب، أي قبل أن تؤكد المقاومة الإسلامية ذلك بعد الإنسحاب الإسرائيلي من الشريط الحدودي عام 2000، إنما أهمّيتها من الرد السوري عليها. فقد اعتبر النظام السوري أن وضع مقاومة الشيوعيين مزارع شبعا ضمن خريطة أعمالها تجاوزٌ للخط الأحمر وإحراجٌ لـ"سوريا الأسد" التي تلتزم "الهدوء" في الجولان المحتل المجاور للمزارع. وقد أبلغت الاستخبارات السورية حاوي بذلك وطلبت منه وقف ذلك بلهجة صارمة.هكذا، بدت مقاومة الشيوعيين مكشوفة أكثر من أي وقت مضى. فمع بدء تداعي الاتحاد السوفياتي ومنظومته الإشتراكيّة، ومع الإنزعاج السوري، ومع تقدّم حزب الله نحو "احتكار" مسرح مقاومة إسرائيل، ومع أسوأ العلاقات مع حركة أمل، ومع الإفتراق عن القيادة الفلسطينيّة إنسياقاً مع السياسة السورية والسوفياتية، وفي ظل مساعي القيادة الحزبية، ولاسيما حاوي، لاستثمار المقاومة في الداخل اللبناني وفي العلاقة مع سوريا، إذ صارت العمليات تُطلب وتُنفذ بناءً على الأجندة السياسيّة، هبّت عاصفة الإغتيالات التي استهدفت كوادر في الحزب ومقاومته. وتقاطعت فيها أجهزة استخبارات محليّة وإقليمية عدة تريد التخلّص من الحزب ومقاومته.ولعل إسرائيل وجدت في هذا الظرف الذي شهدت فيه مقاومة الشيوعيين نموّاً كميّاً ونوعيّاً، فرصة للانقضاض. فنفّذت، إضافة إلى عمليّاتها السريّة، إنزالاً على موقع لقيادة المقاومة في النبي صفا بالبقاع الغربي، في 26 كانون الأول 1989. وفي اليوم نفسه دمّرت بقنبلة فراغيّة من طائرة حربيّة مقر اللجنة المركزية للحزب في الرميلة. وإذ تصدى المقاومون للإنزال في النبي صفا، أصابت الغارة الجويّة على الرميلة القيادة والقاعدة بالذهول والصدمة، إلى درجة يمكن معها اعتبار تلك اللحظة مفصلية وتاريخية في مسيرة الحزب التي بدأت الانحسار مذّاك.وسط هذه الأزمة الوجودية كان المقاوم كمال البقاعي، ابن التاسعة والثلاثين، يحاول استئناف حياته، وهو الذي يحفظ له العديد من رفاقه حرصه على سلامة الرفاق وحياتهم. أنهى هذا المثابر الدؤوب دراسته في العلوم السياسيّة (الجامعة اللبنانية في زحلة). وتزوّج (أغنار عواضة) وأنجب ثلاثة أولاد (مروان ورامي وإليسا). وبقي هذا العسكري الصارم بوداعة خلف متراسه، ليبقى آخر المسرّحين من العمل المقاوم. ووجد لنفسه وظيفة في وزارة المهجرين.وبقي حزبيّاً في تفكيره وعقيدته وسلوكه حتى وهو خارج التنظيم. فلم يتجاوز نقده الحزب "ملاحظات بسيطة على ما يعوّق العمل"، يقول رفيق تاريخي. ويقول رفيق آخر إنه "لم ينظر بعين العداء إلى مقاومة حزب الله، بل كان حريصاً على كل مقاومة للاحتلال. والسياسة أمر آخر".وبالقدر نفسه من الهدوء والثبات والعادة حافظ على إبتسامته ووداعة وجهه وعلاقاته الرفاقيّة وصداقاته وصوته المبحوح الذي زاده العمل السري خفوتاً ورقّة. وواصل نظام حياته المتقشّف الريفي ونظامه الغذائي الصحي "المتنأنف"، الذي لطالما استغرب رفاقه أن يكون سلوك قائد عسكري لم يعش في كنف والديه إلا قليلاً قبل أن يشرد في الوعر والمواقع العسكرية. ولا يقل عن ذلك غرابة ألا يكون هذا الوسيم الملتحي "دونجواناً"، رغم أنه "يُعجِب النساء". فقد اكتفى بسعادة وشقاء بصورة الثوري في إنعكاسات صورة غيفارا في الكتب الأيديولوجيّة والأحلام. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Developed by: Hassan Dbouk