27‏/08‏/2016

سياسة إحراق أوراق القوة (3) [حصار قطاع غزة]



سياسة إحراق أوراق القوة (3) [حصار قطاع غزة]
معتصم حمادة
■ من بين القضايا الكبرى، التي تتقاعس السلطة الفلسطينية في تدويلها، ونقل ملفاتها في دعوى قضائية ضد المسؤولين الإسرائيليين، السياسيين والعسكريين، أمام محكمة الجنايات الدولية، وأمام مجلس الأمن الدولي، وعبره، إن تطلب الأمر، إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، قضية الحصار الإسرائيلي، المفروض على قطاع غزة، والذي يأخذ أشكالاً مختلفة، تصل إلى حد إختراق خطوط التماس («الخط الحدودي») وتدمير الزراعة، والإعتداء على المواطنين، والتوغل في المياه الإقليمية، ومطاردة الصيادين ومصادرة زوارقهم ومعداتهم، وإنتهاك أجواء القطاع، وفرض رقابة صارمة عليه. كذلك التحكم بمعابره كافة، وبحركته الإقتصادية، في الإتجاهين، الإستيراد والتصدير، وبالتالي التدخل في شؤون حياة القطاع كافة، وفرض إرادتها عليه، وتحويل حياة المواطنين فيه إلى جحيم لا يطاق، بما في ذلك سرقة مياهه الجوفية من خلال  الآبار الإرتوازية المزروعة في أنحاء المستوطنات المحيط به، والمسماة «غلاف غزة». كما يتمثل الحصار في قضم مساحات واسعة منه، شمالاً، وفي المنطقة الشرقية الشمالية، بذرائع أمنية، مما أدى إلى تراجع حاد في مساحة القطاع، بما في ذلك فرض السيطرة على أقسام واسعة في المنطقة الشمالية والجنوبية من ساحله، وإعتبارها منطقة عسكرية يحرم على أبناء القطاع التوغل في مياهها، إن للصيد، أو حتى للنزهة. وكل هذا بذرائع أمنية بحتة، في محاولة دائمة لشيطنة القطاع، وتحويله في نظر الرأي العام إلى مصدر خطر دائم على إسرائيل، وعلى المنطقة كلها، وتقديمه إعلامياً بأنه بؤرة تصدر الإرهاب الديني وغيره، وأن الحصار الإسرائيلي عليه، هو في خدمة المجتمع الدولي، كمن يحاصر منطقة موبوءة، إذا ما أطلق سراحها، إنتشرت منها الأمراض وإجتاحت الأوبئة العالم كله. وتراعي في سياسة إسرائيل هذه، وتؤيدها الولايات المتحدة، وكذلك اللجنة الرباعية الدولية، التي فرضت هي أيضاً حصارها على القطاع، مشترطة على حماس لفكه الإعتراف بحق إسرائيل في الوجود، والإعتراف بالإتفاقات الموقعة معها وكذلك إدانة «الإرهاب»، وتفكيك البنية التحتية للمقاومة. ولا داعي كذلك للتأكيد أن الإنقسام، وما جره على الفلسطينيين من ويلات، وأن الحروب الإعلامية الدائرة، بين فتح وحماس، والإتهامات المتبادلة بينهما، كلها عوامل إضافية أسهمت للأسف في تبرير الحصار الإسرائيلي الأميركي المفروض على القطاع. كذلك أسهمت في تبريره، سياسة العناد التي مارسها طرفا الإنقسام حين عطلا كل الآليات المتفق عليها لإستعادة المصالحة والإلتزام بآليات كان من شأنها كسر الحصار (أو بعض منه) عند فتح معبر رفح.
*   *   *
من السذاجة بمكان أن نعتقد، ولو للحظة واحدة، أن السبب الإسرائيلي وراء حصار القطاع، هو أمني. وإلا كيف نفسر إصرار إسرائيل على تقنين حتى الموارد الغذائية التي تدخل القطاع عبر معبر كرم أبو سالم، وترفض أن يتمتع القطاع بحقه في الإحتفاظ بإحتياط كبير لمخزونه الغذائي. والأمثلة مشابهة كثيرة. فضلاً عن أن القطاع، وعموم أبناء شعب فلسطين، ليس معنياً بكفالة أمن إسرائيل وحمايتها. وليس معنياً بتدبير شؤونه بما لا يتعارض مع المصالح الأمنية الإسرائيلية. الحصار على القطاع هو في حقيقته، إستعمار سياسي إقتصادي من الطراز الأول, وهو شكل من أشكال جرائم الحرب، لأنه عقاب جماعي تفرضه إسرائيل على جزء من الشعب الفلسطيني، بذريعة أنه المعتدي، وأنها المعتدى عليها، في سياسة تحاول أن تقلب الصورة رأساً على عقب.
جانب كبير من الحصار الإسرائيلي هو إستعماري إقتصادي، يهدف إلى إبقاء القطاع جيباً إقتصادياً تابعاً لإسرائيل بشكل كامل، منها، وعبرها يستورد حاجاته اليومية وإلا كيف نفسر أن إسرائيل رفضت أن تكون مصر، على سبيل المثال، معبراً آخر من المعابر التجارية للقطاع، وأن تقتصر مهمة معبر رفح على حركة المسافرين، ودوماً بمشاركة من الرقابة الإسرائيلية وإلا كيف نفسر أنها رفضت كل الحلول الأوروبية المعنية بتطوير الإنتاج الزراعي والصناعي (على قلته) الفلسطيني في القطاع، وأصرت على الإجراءات الهادفة إلى إبقاء هذا الإقتصاد في حالة تراجع دائم، وكلما أصابه التراجع، كلما إعتمد على الإستيراد، ما يوفر لإسرائيل، بإعتبارها مصدر البضائع، سوقاً دائمة، وبإعتبارها ممراً، ضرائب على المستورد من المنتج الأجنبي.
وهذا ما يدعونا لتكذيب المقولة الإسرائيلية بأن جنرالات العدو كانوا يتمنون أن يغرق القطاع في البحر لتتخلص منه إسرائيل.
*   *   *
الإجراءات الإسرائيلية، إن كانت تندرج في الجانب الأمني، والإقتصادي، ضد قطاع غزة، هي شكل من أشكال جرائم الحرب، التي يعاقب عليها القانون الدولي.

هذا ما أكدته الدراسات القانونية الدولية المحايدة، وما تكشفه دائماً الدراسات الغربية التي نتمكن من الوصول إلى المعلومات الدقيقة من مصادرها الحقيقية بعيداً عن التزوير الإسرائيلي. لكن المعضلة أن السلطة الفلسطينية، ودوائرها الإعلامية، لا تحمل نفسها أعباء تعميم هذه الدراسات، وترجمتها إلى اللغات الضرورية ومطالبة الأمم المتحدة بإعتمادها كوثائق رسمية تدين السياسات الإسرائيلية ضد قطاع غزة. حتى حماس نفسها تتقاعس في أداء هذه المهمة، رغم أنها تملك الإمكانيات المالية الضرورية لمثل هذا العمل. فحماس تدرك في قرارة نفسها أن جزءاً من تعقيدات الوضع في القطاع تتحمل مسؤولياته إجراءاتها وسلوكياتها. لذلك تراها تتجه أحياناً إلى خوض معركتها ضد الجانب المصري، بإعتباره هو المسؤول الأكبر عن حصار القطاع، من خلال إغلاق معبر رفح للسكان. (ونعتقد أن معالجة معبر رفح تحتاج إلى وقفة خاصة يضيق المكان الآن لتناولها) وتتجاهل بالمقابل الإجراءات الإسرائيلية، في باقي المعابر، إن تلك الخاصة بالمواد الغذائية وسواها (ككرم أبو سالم) أو تلك المعنية بإستيراد الوقود والمحروقات. ولا داعي للتذكير أن «إدارة» أو «حكومة» حماس، في قطاع غزة، تستفيد من الإجراءات القائمة، من خلال ما تجنيه من ضرائب على البضائع المستوردة، وما تفرضه من رسوم على البضائع المصدرة. لذلك يتبين للدارسين أن أسعار المواد الغذائية والملابس، وغيرها، في غزة أعلى منها في إسرائيل، رغم الفارق الكبير والكبير جداً، بين دخل الفرد هنا، ودخل الفرد هناك، ونسبة العاطلين عن العمل هنا، ونسبة العاطلين عن العمل هناك. خلاصة القول إذا كان جزء من حل معضلة القطاع، يتمثل في إنهاء الإنقسام، فإن هذا لا يعفي السلطة مسؤوليتها عن التقاعس في تدويل قضية الحصار، في المحافل المعنية، في إطار سياسة عزل الكيان الصهيوني ونزع الشرعية عن الإحتلال وإجراءاته■

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Developed by: Hassan Dbouk