19 أيار: يوم الانتصار لحرية الكلمة والبحث العملي في لبنان والعالم العربي مهدي عامل: ناقد الفكر اليومي شهيداً برصاصات قوى الظلامية

نشر بتاريخ: 22.5.16



19 أيار: يوم الانتصار لحرية الكلمة والبحث العملي في لبنان والعالم العربي
مهدي عامل: ناقد الفكر اليومي شهيداً برصاصات قوى الظلامية
مهدي عامل، حسن حمدان، هلال بن زيتون، الرفيق طارق، أسماء لمفكر شيوعي ناضل في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني وجسّد في نضاله مفهوم المثقف الثوري، بأن يكون العامل مثقفاً بأدوات إنتاجه وأن يكون المثقف عاملاً بأدوات إنتاجه الفكرية.
29 عاماً على اغتيال مهدي عامل في الثامن عشر من أيار العام 1987 في شارع الجزائر ببيروت الوطنية المقاومة، برصاصات غدر تحمل مشروعاً ظلاميّاً، وفي ظلاميّة مشروعها وجهت رصاصاتها ليس إلى مهدي عامل، وحسين مروه، وسهيل طويلة، وخليل نعوس، والمير الأيوبي، ونور طوقان.... وحسب، بل كانت موجهة في الأساس إلى مشروع الحزب الشيوعي اللبناني، مشروع التغيير الديمقراطي المرتبط بمقاومة الاحتلال. وعلى أثر اغتيال مهدي أعلن الـ 19 من أيّار من كل عام يوم الانتصار لحرية الكلمة والبحث العلمي في لبنان والعالم العربي.
في أيّار من كل عام نعود إلى مهدي عامل فلا نقع إلاّ على أثرٍ يجهدنا في نتاجه الفكري والممارسي، نقع على أثر مفكر أجاد التسابق والسير في الزمن المتقدم، مقهقهاً على اليومي من الفكر، هادماً أسسه انطلاقاً من المنهج الماركسي – اللينيني مميزاً كونية قوانينه.
في الذكرى الـ 29 لاغتيال الشهيد مهدي عامل تنشر مجلة "النداء" مداخلة لمهدي في الندوة اللبنانية – العربية – العالمية، التي كان عنوانها: حوار ديمقراطي من أجل التغيير، انعقدت في طرابلس – لبنان 9 – 12 كانون الأول 1986. وإعادة نشر المداخلة تكتسب أهمية في الزمن الحالي لراهنية تحليل مهدي للواقع وتحديد تناقضاته، في مواجهة طروحات تنبهر في اليومي وحدثه ولا تأخذ من التناقض سوى الشكل من دون تحديد حركته وأشكال ظهوره.
التيارات الدينية
أشار مهدي عامل في مداخلته بمحور التيارات الدينية إلى ضرورة القيام بنقد للفكر الديني، وأن مثل هذا النقد إن لم يكن غائباً، فهو نادر في الفكر الماركسي في عالمنا العربي. أريد أن أشير إلى ضرورة – إن لم يكن النقد على الأقل- مناقشة تيارات هذا الفكر سواء تلك التي تحدِّد نفسها كتيارات سياسية أم تلك التي تبتعد في تكوُّنها نفسه عن الصراع السياسي. وضرورة هذا النقد تأتي من ضرورة إفقاد هذا الفكر طابعه القُدسي الذي يضعه فوق النقد، وبالتالي، من ضرورة أن يكتسب طابعه الدنيوي التاريخي الاجتماعي الذي هو له فعلياً. عدد من الملاحظات أوردها تباعاً دون سياق بحثي:
الملاحظة الأولى: في تعريف الفكر الديني. الفكر الديني هو بشكل عام هذا الفكر الذي يربط الظاهرات والأحداث الطبيعية والتاريخية والاجتماعية بمبدأ غيبيّ هو مبدأ من خارجها ويردّها إليه في تفسيره لها. ولعلّ أفضل تعريفٍ لهذا الفكر الديني هو الذي نجده في فصل "المقال"، كتاب ابن رشد في تعريفه للحكمة، حين يقول:" إنها النظر في الموجودات من حيث تدل على موجدها أو على خالقها". وفي مناهضة هذا الفكر الديني نجد الفكر العلمي الذي ينظر في الظاهرات لذاتها، في استقلالها الكلِّي عن أي مبدأ من خارجها. وبالتالي ثمة صراعٌ بين هذين الفكرين يتجسد في صراعٍ بين قوى اجتماعية تحمل هذين الفكرين.
الملاحظة الثانية: هي في تحديد الإطار التاريخي لمشكلة التيارات الدينية، وبسرعة كبيرة وبايجاز كلي، مع أن المشكلة شائكة ومعقدة، أقول: إن الإطار التاريخي الراهن الذي فيه تنطرح هذه المشكلة، هو أزمة الامبريالية بما هي أزمة النظام الرأسمالي العالمي في زمن الانتقال الثوري إلى الاشتراكية. في هذا الإطار التاريخي تُطرح المشكلة وتطرح في إطار الأزمة المزمنة المتجددة التي تعاني منها برجوازياتنا العربية مثلاً، وضرورة – بالطبع- التغيير الثوري، بما هو سيرورة انتقال إلى الاشتراكية. إذن هذه المشكلة تُطرح على أرض الصراع الطبقي وفي حقله بشكل عام بين قوى الثورة والقوى المضادّة لها، وبالتالي السؤال هو التالي: ما هو الموقع الذي تحتلّه هذه التيارات في حقل هذا الصراع في شروطه التاريخية المحدَّدة؟ هذه التيارات تختلف إذن باختلاف موقعها هذا في هذا الحقل، وباختلاف موقعها من الثورة. هكذا كانت دوماً تاريخياً منذ فجر الإسلام حتى اليوم. هذا يعني أنّ الفكر الديني لا يتحدد دينياً أو غيبياً بل مادياً، تاريخياً بموقعه في ذلك الحقل وبموقفه من الحركة الثورية التاريخية. هذا يعني أيضاً – إذن- أنْ ليس ثمة دينٍ واحد، ليس من إسلامٍ واحد، في الكلام على الإسلام أو المسيحية، أو أي دين، يجب تحديد هذا الإسلام الذي يجري الكلام عليه.
أإسلام الإشراق مثلاً أم التصوف، أم إسلام الشريعة أم إسلام الفقه أم إسلام الاستبداد، أم إسلام الزنج القرامطة؟ أإسلام الاخوان المسلمين أم إسلام المجاهدين في الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، أإسلام الخميني أم إسلام مجاهدي خَلْق، على أي إسلام يجري الكلام؟ الإسلام متعدد بتعدُّد القوى الاجتماعية الطبقية المتصارعة باسمه وفي أشكال منه. إذن الإسلام نفسه بات حقلاً لصراع طبقي. ومن الخطأ -بالتالي- طرح المشكلة وكأنها تناقض قائم بين الإيمان والإلحاد يجب طرحها كمشكلة مادية تاريخية.
وجه آخر: التيارات الدينية – ينتج عن هذا- أنها ليست واحدة، بل متعدِّدة، وأريد هنا أن أركز في مداخلتي على التيار الذي يطرح نفسه رداً تاريخياً حضاريّاً على الغرب، في مواجهة الماركسية في الدرجة الأولى، لأن التيار الماركسي هو التيار التاريخي المحتضن للحركة الثورة في انتقالها إلى الاشتراكية.
... خانة واحدة هي خانة الغرب يكون الطرف النقيض الآخر هو الشرق وروحه الإسلام. وتكون الثورة عند هذا الفكر الغيبيّ استعادةً للذات وتحريراً لها من اغترابها التاريخي، وتكون، وهذا ما أود الوصول إليه- تكون الثورة عندهم حينئذٍ عودةً إلى ماضٍ هو نموذج كل مستقبل. والماضي هذا – بدوره- هو وهمي وأسطوري. إذن من الطبيعي – إذا كان من الطبيعي، أن يكون الفكر الديني فكراً غيبياً- فهو بالدرجة الأولى فكر ماضويّ وهو كذلك – لأنه كذلك- فكر ظلامي. وفي هذا استعادة للمقولة الاستعمارية الممجوجة التي تؤكد بأن القلب للشرق والعقل للغرب ولن يلتقيا. مأزق هذا الفكر وتياراته السياسية هو بالضبط في أنّ الماضي عنده الوهمي الأسطوري نموذج للمستقبل.
ملاحظة أخرى في ضرورة نقد مفهوم الاقتصاد الإسلامي. يجابه الفكر الإسلامي ومشروعه السياسي الراهن بإقامة الدولة الإسلامية بضرورة إرساء هذه الدولة إلى قاعدة مادية اقتصادية، أي إلى اقتصاد إسلامي، لا يمكن أن تبرِّر وجود الدولة الإسلامية في مثل هذا المشروع السياسي إلاّ إذا تمكنّا من تبرير شرعية الكلام على اقتصاد إسلامي، وهذه معضلة هائلة تصدّى لها ممن تصدّى السيد الإمام محمد باقر الصدر، لا سيما في كتابه "اقتصادنا"، المؤلف من حوالى 700 صفحة، فإذا قرأنا هذا الكتاب نجد أنه في نهاية الأمر أن هذا الاقتصاد الإسلامي ليست له أية علاقة بالإسلام لأنّ الإسلام ليس اقتصاداً، الإسلام هو نوع من التوفيق، لا بين رأسمالية واشتراكية بقدر ما هو بين رأسمالية ليبرالية ورأسمالية دولة. إنه تجسيد لوهم الطريق الثالث وما هذا بجديد. لكن ثمة مَلمْحيْن أساسيين على الأقل لهذا الاقتصاد الإسلامي هو أنّ هذا الاقتصاد المزعوم هو الفقه نفسه، أو وجهٌ منه، ليس الاقتصاد الإسلامي بنمطٍ معيَّن من الإنتاج، ليس بعلاقاتِ إنتاجٍ ولا بقوىً منتجة، ليس إذن باقتصاد – هذا الاقتصاد الإسلامي- إنه قواعد فقهية تشريعية لضبط آليّة الإنتاج الرأسمالي أو إنتاجٍ آخر، حسب العصر الذي يجري الكلام عليه، من خارج هذه الآليّة، إنه قواعد أمريّة، أخلاقيّة، هدفها – كما يقول باقر الصدر- إقامة التوازن في الإنسان والمجتمع بين الغريزة والعقل ومن خارج الإنسان أمريّاً أي غيبياً.
ملاحظة أخرى في مفهوم الدولة الإسلامية: لا يتحدَّد طابع الدولة إلاّ بردِّها إلى نمطٍ معينٍ من الإنتاج. بانتفاء وجود نمط إسلامي من الإنتاج يَنْتَفي وجود دولةٍ إسلامية وتنتفي شرعية هذا المفهوم نفسه. وما وُجِدتْ هذه الدولة الإسلامية في التاريخ ولا مرّةً واحدة. هذا مثلاً ما يؤكده الشيخ علي عبد الرازق – من الأزهر- سنة 1925 في كتابه الجميل "أصول الحكم في الإسلام" حتى في الدولة الخلافية، لا توجد دولة إسلامية هذه الدولة الإسلامية تاريخياً هي بالضبط الدولة الاستبدادية ولقد سُمِّيتْ إسلاميةً بسببٍ من طغيان تأويل معينٍ من للإسلام، هو تأويله الفقهي، الدنيوي، التشريعي، أي بالتحديد تأويله السياسي من قِبَل فقهٍ كان دوماً في خدمةِ السلطةِ الاستبداديةِ القائمة. أخيراً – الملاحظة الأخيرة – في أسباب انتعاش التيارات الدينية المعاصرة. وهنا – صحيح أن المشكلة صعبة ومعقدة جداً، ولا يكفي تعداد الأسباب، الأهم من تعدادها هو إظهار كيفية الترابط والتمفْصل فيما بينها في إطار الحركة التاريخية الشاملة. ولكن لن أقوم بهذا العمل، بل سأكتفي بتكرارها. من هذه الأسباب:
سبب أساسي أول: فشل البرجوازية، التي أٌسميّها كولونيالية في تحقيق ثورتها. لم تكن عندنا ثورة برجوازية مثل ما جرى في أوروبا تستطيع أن تحمل العقل ضد الدين وتهدم الكنيسة وتؤلِّه العقل. لم توجد برجوازية قامت بثورتها، وبالتالي، ليس هذا فحسب، بل سعت دوماً برجوازياتنا العربية، تاريخياً إلى هدم النقيض الثوري، البديل الثوري، نقيضها الطبقي أي بتعبير آخر إلى منع نقيضها الطبقي من أن يتكوَّن في قوة سياسية مستقلة، لا تتم له إلاّ بتكوّنه في حزب ثوريّ.
العامل الثاني: ينتج عن فشل الثورة البرجوازية عندنا، وعجزها عن القيام بثورتها، سعة انتشار علاقات ما قبل الرأسمالية في مجتمعاتنا العربية المعاصرة، وذلك بسبب من علاقة التبعية البنيوية بالامبريالية اللاّجمة لتطور الرأسمالية، والفارضة نعت هذه الرأسمالية الملجومة تبعيّاً بالامبريالية، بكونها رأسمالية كولونيالية. وبالتالي السمّاح لعلاقات ما قبل الرأسمالية بالتجدد بشكل دائم. هذه العلاقات – بتقديري- هي القاعدة المادية الأساسية – وليست الوحيدة – لانتعاش التيارات الدينية.
العامل الثالث: ضعف الحركة الثورية وقصورها عن تعبئة الجماهير الشعبية الكادحة في حركة ثورية وفي مشروع ثوري لتغيير المجتمع في خط الانتقال إلى الاشتراكية.
العامل الرابع: ديمومة تجدد علاقة التبعية البنيوية بالامبريالية.

العامل الخامس: (وهذه نقطة مهمة جداً): احتلال فئات وسطية، غير هيمميّة، موقع الهيمنة الطبقية، سواءً في السلطة أم في التحالف الطبقي الثوري. لماذا؟ لأنه كلما كانت القيادة لهذه الفئات انسدّ أفق السيرورة الثورية وانجرفتْ جماهير هذه الفئات وغيرها في تيارات دينية طائفيةٍ، بل فاشيةٍ، أي مناهضة للثورة، هذا يؤكد عجز هذه الفئات الوسطية في قيادة السيرورة الثورية، وضرورة أن تكون هذه القيادة بيد الطبقة العاملة وحزبها الثوري في إطار التحالف الطبقي الثوري. لا أقول بأن هذه الفئات الوسطية ليست ثورية لا، بل أقول إنها رجعية إذا كانت قيادة السيرورة لفئات وسطية، لكن لا تستطيع أن تكون ثورية إلا إذا كانت قيادة الثورة ليست لها، بل للطبقة العاملة وحزبها الثوري في إطار هذا التحالف الطبقي الوطني الثوري. مهمة الحركة الثورية الأساسية، إذن، تحرير هذه الجماهير لأنها جزءٌ أساسي من الثورة، من قياداتها الدينية الفاشية الوسطية...، ووحدها الطبقة العاملة – بتقديري- قادرة – إذا توفر لها حزب ثوري- على نهج سياسة ثورية وإذا أحسنت سياسة التحالف، على تأمين انفتاح أفق السيرورة الثورية على الانتقال إلى الاشتراكية، وحينئذٍ بالإمكان أن تتحول هذه الفئات – الجماهير الدينية- إلى قوة ثورية بالفعل بقيادة الطبقة العاملة.