20‏/04‏/2016

عملية الخالصة البطولية نقشت صفحاتها في سفر التاريخ.. بقلم / عباس الجمعة



عملية الخالصة البطولية نقشت صفحاتها في سفر التاريخ..
بقلم / عباس الجمعة

إذا كان لكل مرحلة ظروفها الموضوعية والذاتية ، فإننا نرى هنا أهمية التأكيد على أن الظروف التي كان للعمليات البطولية لجبهة التحرير الفلسطينية وغيرها من الفصائل الفلسطينية ، كانت ظروفاً كونية تعج بالرؤى والحركات الثورية التحررية والتقدمية، التي ترى في هويتها الفكرية الثورية وجهتها وبوصلتها الرئيسية ، ارتباطاً بالحالة الثورية في فلسطين ، إلى جانب تفاعل المشاعر الثورية على المستوى الشعبي في كافة الأقطار العربية واحرار العالم في سبيل النضال ضد الاستعمار والقوى الرجعية من أجل تحرير فلسطين التحرر والاستقلال والتقدم والعدالة الاجتماعية.
وفي هذا السياق شكلت عملية الخالصة باكورة العمليات الاستشهادية النوعية في  مسيرة الجبهة وفي مسار نضالها من خلال اللغة الوحيدة التي يفهمها العدو هي لغة العنف الثوري بمواجهة العدو الصهيوني ،  حيث اشرف على تدريب هذه العملية قائدين بارزين وهما فؤدا زيدان ابو العمرين وحفظي قاسم ابو بكر ، وبعد استشهادهما اشرف على العملية الشهيد القائد ابو العباس الذي شكل من خلال مكانته الوطنية ، وتاريخه النضالي ومسيرته الكفاحية نموذجا للقائد الثوري  ،وخاصة بعد المؤتمر الصحفي الذي عقده عقب عملية الخالصة حيث تردد اسمه حباً وافتخاراً ، من قبل أحرار وثوار العالم ،وهتفت له وأشادت ببطولاته وجرأته غير المسبوقة في تحدي الاحتلال ومقاومته .
نعم اقول ذلك في ذكرى عملية الخالصة البطولية وعملية القدس الاستشهادية والعمليات البطولية للجبهة ، هذه العمليات التي حفرت اسم الشهيد القائد ابو العباس على صفحات تاريخها المضيء ، وحجزت له مساحة مرموقة على صفحات مجدها وعزها ، بجانب قوافل قادة عظام سبقوه في النضال والاعتقال والشهادة لانه كان  نداً للاحتلال ، وعصيٌ على الكسر ، يأبى الإنكسار أو الإعتراف بشرعية الاحتلال الذي لا بد وأن يزول ، فتم اغتياله في معتقله في سجون الاحتلال الامريكي في العراق من قبل الصهيو امريكي.
نقف اليوم امام مناسبات عظيمة كرسها مناضلونا عبر عملياتهم الجريئة ليكتبوا مجد فلسطين والامة العربية ، ومجد جبهة التحرير الفلسطينية وبطولاتها وعظمتها هذه الجبهة التي كان لها دورها المميز في الساحة الفلسطينية فكانت عملية الخالصة البطولية باكورة العمليات الاستشهادية، والتي اتت بعد الاستعداد العربي لعقد صفقة سياسية مع العدو الصهيوني، حيث بدأت الثورة الفلسطينية تتعرض لمضايقات عربية وأصبح من الضروري القيام بعمل عسكري يعطي الزخم المعنوي لجماهير شعبنا ويعبر عن الإصرار الفلسطيني لاسترجاع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ، فكانت عملية الخالصة، وهي باكورة مدرسة قتال بخط جديد أسس لها وعمل على تأسيسها بعد المؤتمر الرابع للجبهة ، وتم اختيار الكادرات والمدربين والمقاتلين الذين بإمكانهم تحقيق هذه الفكرة، وفي الخالصة تم اختيار الهدف بعناية ودقة وصدرت أوامر القتال بما يخدم الهدف السياسي الذي ستنفذ من أجله هذه العملية، هذا النهج اسس للعمل الفدائي الفلسطيني في تلك المرحلة التي كانت تتطلب أنماطاً وأساليب جديدة، ففي الساعة الخامسة من صباح 11 نيسان، ابريل 1974، اقتحمت مجموعة مكونة من ثلاثة من مقاتلي الجبهة ، مستعمرة " كريات شمونة "، الخالصة، بعد اختراقهم الحدود، واختراق أجهزة الأمن الصهيوني ، ونجح ابطال المجموعة حسب الخطة المقررة في الاشتباك مع العدو فتم احتجاز رهائن، وفي ظل عدم الاستجابة لمطالبهم فجر ابطال المجموعة انفسهم، وكانت خسائر الجبهة ثلاثة شهداء وهم ابطال العملية منير المغربي ( أبو خالد ) , فلسطيني من مواليد 1954 , احمد الشيـخ محمود , حلب , من مواليد 1954 , ياسين موسى فزاع الحوزاني ( أبو هادي) جنوب العراق من مواليد 1954, أما خسائر العدو فكانت بالعشرات وقد اعترف العدو بـ28 قتيلاً وعشرات الجرحى وبذلك تعتبر "الخالصة" من أنجح وأبرز العمليات القتالية في تاريخ العمل الفلسطيني حتى يومنا هذا، حيث اكدت الجبهة يومها على لسان القائد الشهيد ابو العباس باننا قادرون على ضرب "تل أبيب" .
ومنذ انطلاقة جبهة التحرير الفلسطينية قامت الجبهة بالعديد من العمليات العسكرية الناجحة، على العدوّ، في الأرض المحتلة , وكانت اولى عملياتها بمهاجمة مستعمرة ديشوم في الجليل الأعلى، ونسف خزان للمياه ومحطة للكهرباء، واستشهد شهيدها الاول في هذه العملية الجريئة خالد الامين عام 1967 ، وبعد هذه العملية ومشاركة الجبهة من خلال مقاتليها بمعركة الكرامة التي شكلت اول انتصار بمواجهة العدو الصهيوني بعد الهزيمة العربية في حزيران ، وما جرى بعدها من احداث في الاردن ، وعودة ثقل الثورة الفلسطينية الى لبنان، استطاعت الجبهة من استقطاب مقاتلين ثوريين من مختلف الدول العربية واحرار العالم بأعتبار القضية الفلسطينية قضية قومية وأممية، وان تحرير فلسطين هي مسؤولية كل الاحرار فكانت عملياتها البطولية تنطلق من اكثر من دولة عربيه ،حتى يكتمل حلم الشعب الفلسطيني بالخلاص من نير الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس .
ومن هنا كان الشهيد القائد ابو العباس ورفاقه يعطون الاولوية الى خيار المقاومة ، باعتباره الخيار الذي تلتف الجماهير حوله ،من خلال عمليات بطولية ونوعية والحفاظ على مستوى النضال الوطني بكل أبعاده ومضامينه .
وفي انتفاضة الاقصى كان الرد من خلال كتائب طلائع التحريرالفلسطينية حيث قامت مجموعة شهداء فلسطين بتنفيذ عملية القدس الاستشهادية ، بعدما قررت الصبية الجميلة عندليب طقاطقة ، ابنة بلدة بيت فجار التي تقع على تلال تتوسط محافظتي بيت لحم والخليل ، أن تضحّي بروحها فداء لتراب فلسطين وشهدائها وهواء الخليل والقدس وانتفاضة الاقصى ، صباح يوم الجمعة 12 / 2 / 2002 عقدت العزيمة على الشهادة، وفي عينيها ألق لا يفقد لمعانه، وفي قلبها حرارة للقاء تراب القدس عبر عمليتها الاستشهاديه في القدس الغربية ، مؤكدة الرد على جرائم الاحتلال والدماء التي كانت تراق على ارض فلسطين ، حيث أنبتت فيها روح الانتقام للشهداء والجرحى، وبعثت عبر أشلاء جسدها المتفجر الذي لا يزيد عن 40 كلغ رسالة إلى قادة الأمة العربية ليتحركوا لنجدة شعبنا الفلسطيني، مؤكدة لهم أن جسمها النحيل قادر على أن يفعل ما عجزت عنه الجيوش العربية، فكانت "عندليب طقاطقة" رابع شابة فلسطينية تفجر نفسها في قلب مناطق الاحتلال الصهيوني؛ انتقاما لأرواح الشهداء ، حيث قال عنها الشهيد القائد الامين العام ابو العباس ان عندليب صاحبة القلب الكبير قرّرت ونفّذت واعتبرت أن الطريق الوحيدة لتحقيق النصر والتحرير، لا تكون إلا بالمقاومة الباسلة، فهي عروسة فلسطين ونعاهدها على المضي في درب النضال حتى تحرير الارض والانسان.
ومن هنا نؤكد بان عملية الخالصة التي شكلت باكورة العمل الاستشهادي ، وكان فيها مناضلون من البلدان العربية، اعطت اثر وعلامة، ودلالة، وكانت كل عمليات الجبهة التي قام بها مناضلون ومناضلات، عملياتٌ نوعية، قوية ومؤثرة، حيث يفخر بها كل المناضلين والشعب الفلسطيني والشعوب العربية واحرار العالم ، التي تشكو مرارتها وتعاني من قسوة العدو المحتل، فجبهة التحرير تعلم ان الطريق قاسية و صعبة و محفوفة بالمخاطر ، ولكن العزيمة كانت هناك في الصدور التي أقسمت على اقتحام المصاعب فداءً لفلسطين، حيث استطاعت مع فصائل العمل الوطني والقوات المشتركة ان تخوض معارك ضارية في مواجهة العدو الصهيوني منذ وجودها على الارض اللبنانية وصولا للغزو الصهيوني للبنان عام 1982 حيث صمد فيها المقاتل الفلسطيني واللبناني ثلاث أشهر أمام آلة الحرب الصهيونية ، وكبدت العدو خسائر فادحه عسكريا ومعنويا وسياسيا،ورغم اصابة الشهيد القائد ابو العباس في بيروت اثناء تفقده لمواقع الجبهة والقوات المشتركة وفقدان القائد العسكري للجبهة سعيد اليوسف اثناء تفقده لمواقع الجبهة في الجنوب والجبل بعد اشتباك مع قوات العدو عند مثلت شملان بحمدون ،واستشهاد العديد من مقاتليها وكوادرها الابطال في الجنوب وبيروت والجبل ، لقد مثلت الجبهة من حيث الامتداد الجماهيري نموذجا نضاليا ، واستطاعت بناء قواعد حزبية وتنظيمية وسياسية في شتى الساحات العربية والاممية ، واكتسبت التعاطف الجماهيري من خلال سياستها النضاليه وعملها العسكري ومبادئها وثوابتها ، وكانت لعملياتها الجريئه في البر والبحر والجو صدى لدى شعبنا الفلسطيني والعربي ، الذي تعود على هذا النوع من العمليات البطولية التي قام بها مقاتلي جبهة التحرير الفلسطينية .
ان مسيرة جبهة التحرير الفلسطينية الطويلة وتاريخها الساطع ، وارثها النضالي والكفاحي العريق ، ومؤسسوها وقادتها ، اسم غني عن التعريف ، في ساحة النضال الأرحب ضد الإحتلال والظلم والإضطهاد ، وفي عالم الصمود والكفاح ، فهي شكلت رافعة أساسية هامة للنضال الوطني الفلسطيني ، وفي منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، واستطاعت بتميزها الفكري والسياسي والعسكري أن تسطر لنفسها ولشعبها وقضاياه العادلة تاريخا مشرقا ، حافلا بالعطاء المتميز والمواقف البطولية والعمليات الفدائية الجريئة النوعية ، وقدمت خلال مسيرتها العريقة آلاف الشهداء والجرحى والأسرى في كافة الميادين والأزمنة والمواقع هذا النهج في العمل النضالي الفلسطيني الذي كان يقوم به الشهيد القائد ابو العباس ورفاقه القادة طلعت يعقوب حفظي قاسم وابو العمرين وابو احمد حلب وسعيد اليوسف وابو العز ، حسب المرحلة التي كانت تتطلب أنماطا وأساليب نضالية جديدة .
وعندما نكتب عن عمليات بطولية في تاريحنا، نحاول أن نقترب من توثيق الفعل، و تدوين مسيرة شعب مكافح على طريق الحرية والاستقلال، وفي الكتابة نضيء شمعة متواضعة أمام وهج العطاء المستند إلى التضحيات المتواصلة منذ ليل النكبة الطويل، ومن اجل مواصلة طريق النضال الطريق الحقيقي نحو الانتصار.
نكتب وندون، عن عمليات هزت كيان العدو، وعن قادة ومناضلين بعضهم عاش وبعضهم غادر الدنيا دون ضجيج، وبعضهم ملأ الكفاح الفلسطيني صخبا وحضورا فقدموا حياتهم من اجل فلسطين، رغم غياب اسماء مجهولين ممن عبدوا الطريق بصمت فغادروا حياة الشعب وفلسطين في قوافل الشهادة.
نكتب عن عمليات الخالصة والقدس الاستشهادية ما استطعنا كتبته من رحلة من اجل بناء الوعي للأجيال الذين تفتحت عيونهم على الحياة بين أزقة وجواري المخيم والقرية والمدنية ، عن رحلة الكفاح الطويلة من الشقاء من أجل البقاء، واليوم نقول أن ساحة الصراع، تدور فوق الأرض الفلسطينية المحتلة من خلال انتفاضة باسلة يقودها شابات وشباب فلسطين وترسم خارطة الوطن بدائهم ، والتي هي بأمس الحاجة إلى وحدة وطنية فلسطينية حقيقية ، تعيد الاعتبار لنضالنا الوطني بعيدا عن حالة الانقسام الكارثي المدمر من اجل الحفاظ على المشروع الوطني والتمسك بالثوابت الفلسطينية واعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل مؤسساتها ورسم إستراتيجية وطنيه، تنبع من أهمية الحفاظ على ديمومة تعزيز الانتفاضة والمقاومة بكافة اشكالها مع مواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية .
ان فلسطين بهذه العمليات البطولية التي اكد فيها المناضلين العرب والاحرار من اصقاع العالم، اكدت على اهمية العمق العربي للثورة الفلسطينية، وكان هذا ينعكس إيجابا على معنويات المقاتل الفلسطيني، عندما يرى ان الشعوب العربية ومناضليها مستعدون للتضحية في سبيل فلسطين ، ونحن نتذكر ان كافة الثورات والانتفاضات العربية قبل النكبة شارك العرب جميعاً، كمواطنين، في الدفاع عن عروبتهم، فقصدوا فلسطين ليحاولوا إسقاط المشروع الاستعماري الذي يستهدفهم جميعاً في أوطانهم التي يريدون تمزيقها اليوم الى كانتونات طائفية ومذهبية ورسم سايكس بيكو جديد او شرق اوسط من خلال تعميم الفوضى الخلاقة التي تقوم بها ادوات هذا المشروع من قوى ارهابية وتكفيرية ، الا ان صمود المقاومة العربية في مواجهتها بكل تأكيد سيفشل هذا المشروع وتنتصر ارادة المقاومة على هذه المؤامرة .
ومع ذلك، ورغم كارثية اللحظة وقساوة التحديات، إلا إننا ما زلنا ندرك طبيعة الصراع، وندرك أصالة هذا الشعب وهذه الأمة، ونعرف دروس التاريخ، وبأن الهزائم والإحباط ومهما امتدت زمنياً فإنها تبقى مؤقتة وعابرة، فالشعوب في نهاية المطاف هي صاحبة الكلمة الفصل، وهي قادرة على أن تطلق أحلامها وآمالها مقاومة وصموداً ودفاعاً عن أهدافها ومصالحها، وشعب فلسطين بما يمثل من حقيقة ديموغرافية وتطلعات تحررية وعدالة قضية وبما له من عمق حضاري وإنساني، ومن تجارب وتراث نضالي وتضحيات، فأن انتفاضته  نقشت صفحاتها في سفر  النضال مهما حاول البعض اجهاضها .
سلام على شهداء الخالصة ، وعروسة فلسطين عندليب طقاطقة ، وكل شهداء فلسطين ولبنان والامة العربيه، ونحلق في فضائهم ، نستدعي ما جسدوه من جميل المعاني ، لتبقى وترتفع الراية عالية خفاقة ، هذه الراية التي رواها رفاق مناضلون بدمهم من اجل تحرير الأرض ، فقالوا لكل العالم انهم قرروا الاستشهاد ليحيا أطفال فلسطين وكل أطفال الأمة العربية، وحتى تتحرر آخر حبة من تراب من ارض فلسطين والاراضي العربيه المحتلة.
ختاما : طريق النضال قاسية ، لكن العزيمة قادرة على المضي رغم المصاعب ،وان تاريخ جبهة التحرير الفلسطينية تاريخ ساطع وإرث عريق حمل في ثناياه تجارب عميقة يجب الحفاظ عليها ودعمها ومساندتها بما يخدم المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني وقضاياه العادلة ونحن نتطلع لدور الجبهة حتى تبقى قوية ، لأن عملياتها شكلت نموذجا فريدا على مستوى النضال التحرري، من حقها علينا أن نحثها ونستنهض عزائم قادتها بأن يحملوا تاريخ عمد بآلاف الشهداء من قادة وكوادر ومقاتلين وأعضاء ، ومسيرة مجد رسمت بآهات وآلام الأسرى والجرحى والمعذبين ، حتى تساهم مع باقي الفصائل الفلسطينية بفاعلية أكثر لإستعادة وحدة الشعب الفلسطيني ، وفي الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية وحمايتها ، وفي صون المشروع الوطني الفلسطيني والتمسك بالانتفاضة والمقاومة على طريق تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني المشروعة في العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس .

كاتب سياسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Developed by: Hassan Dbouk