"سياسة الإصلاح والانفتاح" الصينية تجربة اشتراكية مختلفة؟

نشر بتاريخ: 23.3.16

سياسة الإصلاح والانفتاح" الصينية
تجربة اشتراكية مختلفة؟
بقلم / د.ماري ناصيف - الدبس
منذ أن أطلقت الصين، سياسة "الإصلاح والانفتاح" ومعها نظرية "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، التي طرحها دينغ هسياو بينغ في أواخر سبعينيات القرن العشرين، والنقاش الفكري والسياسي والاقتصادي يدور حول ماهية هذه السياسة وهل ستؤدي فعلاً إلى الاشتراكية، بل هل يمكن لها أن تؤدي إلى التغيير الاشتراكي بفعل اقتصاد متحرر من الرقابة الصارمة للدولة وتوجّه براغماتي مستند إلى مثل صيني قديم يقول "لا يهم لون القط إن كان أسوداً أم أبيض، طالما أنه يصطاد الفئران"...
إلا أن الحكم على "سياسة الإصلاح والانفتاح" ومدى تماهيها مع النظريات الاشتراكية الكلاسيكية، أو بعدها عنها، لا بد وأن يقترن بدراسة التجربة الصينية وماذا أعطت حتى الآن، دون أن يتغاضى عن طرح الأسئلة الضرورية حول مآلها في نهاية المطاف.
فالصين، كما الاتحاد السوفياتي في أوائل عهد انتصار الثورة البلشفية، انطلقت، في سياستها الإصلاحية تلك، من منطلق أن الفقر ليس مرادفاً للاشتراكية، وأن الخروج من الضعف والتعثّر في المجال الاقتصادي وتطوير القاعدة المادية التي سيبنى عليها الاقتصاد الاشتراكي، ومعها القوى المنتجة، لا بد وأن يمرّا عبر إعادة النظر بالسياسات الاقتصادية لجهة التوازن بين جميع القطاعات الإنتاجية وبين المدينة والريف، خاصة الريف الذي كان، في الحالتين، يضم العدد الأكبر من السكّان ويعاني من التخلف والفقر. وإذا ما حاولنا القيام بمقارنة سريعة مع "السياسة الاقتصادية الجديدة" التي وضعها لينين في العام 1921، لقلنا أن السياستين لم يتبعا القواعد الماركسية الصارمة. فالسياستان، مع اختلاف التجربتين، استندتا إلى إعادة توزيع الأراضي على الفلاّحين، وغيّرتا في أشكال الإنتاج، ووازنتا بين الصناعات الثقيلة (التي أعطيت الأولوية بداية) والصناعات الخفيفة، وعملتا على جذب الرأسماليين للتوظيف في القطاعات الإنتاجية المختلفة من خلال شركات مختلطة بين الدولة والقطاع الخاص... وصولاً إلى تحرير الأجور. وتجدر الإشارة إلى أن كلتا السياستين أدتا إلى تطور كمي ونوعي على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. ولو لم يقطع تطور "السياسة الاقتصادية الجديدة"، في العام 1927، في الاتحاد السوفياتي لكان الوضع، ربما، مختلفاً اليوم...
كيف تبدو الصين، بعد سبعة وثلاثين عاماً على التطبيق التدريجي لسياسة "الإصلاح والانفتاح"؟
لقد حققت الصين، دون أدنى شك، قفزة كمية ونوعية في المجالات كافة جعلت منها ثاني بلد في العالم من حيث الناتج المحلّي، ومكّنتها من تطوير أدواتها العلمية والتكنولوجية الخاصة (إلى جانب استمرارها في الحصول على التكنولوجيا من خارجها) وكذلك صناعاتها عبر استحداث مناطق خاصة لتطوير التصنيع والتصدير وجذب الاستثمارات الخارجية؛ ولا ننسى التطور النسبي للدخل الفردي، والتحسينات التي أدخلت على معيشة السكان في مجالات الغذاء والكساء والتعليم والصحّة والسكن، في بلد يقارب سكانه المليار وأربعمائة مليون نسمة ولا تزال الملكية العامة فيه هي الشكل الرئيسي.
غير أن كل هذا التقدّم لم ينه التفاوت في عدد من المجالات المهمة، إذ لا زالت هناك فروقات كبيرة بين تطور المدينة وتطور الريف، مع وجود ما يقارب سبعين مليوناً يعيشون تحت خط الفقر وعدد مماثل على حافته. ولا يزال التلوّث يشكّل آفة كبيرة رغم التدابير الكثيرة والمهمة المتخذة في هذا المجال. ولا يزال التوجّه الأساس يكمن في كيفية إقامة توازن بين "المناطق الاقتصادية الخاصة" وسائر المناطق عموماً وبين الصناعات المعدّة للتصدير وغيرها، علماً أن التطوّر التكنولوجي في المجال الاقتصادي لم يؤد بعد إلى تحويل القسم الأكبر من الإنتاج من "مصنوع في الصين" إلى "مصنوع من قبل الصين"... أي أن الاقتصاد لا يزال بحاجة ماسّة، مالياً وتقنياً، إلى الرأسمال الخارجي الذي يتحكّم، بنسبة مهمة، بالتوجه العام للإنتاج، دون أن ننسى التأثيرات السلبية لأزمة هذا الرأسمال على عدد من القطاعات الإنتاجية الصينية وما أدّت إليه من إقفال مصانع وتحويل عمالها إلى عاطلين عن العمل، ولو مؤقّتا. ولا ننسى، أخيراً وليس آخراً، أن الناتج الفردي لا يزال ضعيفاً بالنسبة لإجمالي الانتاج.
ما تقوله التقارير الصادرة عن الحزب الشيوعي الصيني، خاصة إبان المؤتمر الثامن عشر الأخير وبعده، أن الصين قد أنجزت الإصلاحات الأسهل وبقيت المهمات الصعبة، أي أنها أمّنت الخدمات الاجتماعية الأساسية ووضعت الأساس المادي للتغيير؛ وهذا يعني أنها لا زالت في المراحل الأولى من بناء الاشتراكية. ودون إنجاز هذه المهمة طريق طويل وتحدّيات لا بد من دراسة تأثيراتها الآنية والمستقبلية على صيرورة الاشتراكية في الصين.
أول هذه التحدّيات يكمن في كيفية إعادة التوازن بين الزراعة والصناعة، وخاصة أن هذه الأخيرة تشكّل اليوم تسعين بالمائة من مجموع الإنتاج. وفي ضوء مفاعيل الأزمة الرأسمالية الأخيرة، والبطالة التي طالت قسماً من القادمين من الريف واضطرار الحكومة المركزية لتنظيم عودة هؤلاء إلى مناطقهم، وفي ضوء زيادة السكان المتوقعة، بعد إيقاف العمل جزئياً بتدابير تحديد الإنجاب السابقة، وما سيؤدي إليه ذلك من طرح مسألة الغذاء، تكمن الحاجة إلى وضع خطط جديدة مناسبة تأخذ بعين الاعتبار الالتزامات الخارجية وتطوير الإنتاج الصناعي والتكنولوجيا، من جهة، وكذلك، بل وخاصة، نقل قسم من العائدات باتجاه الزراعة، الأمر الذي يثبّت الفلاحين في أرضهم ويطور الإنتاج الزراعي ونوعية الغذاء، من جهة أخرى.
ثاني هذه التحدّيات يكمن في الرأسمال الخاص، بعد أن أصبحت نسبة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الصيني تقارب الستين بالمائة وبعد أن أصبح هذا القطاع يشكّل حالياً أكبر مصدر للتوظيف. في ظل هذا الواقع، ما هي الأسس التي تساعد على تطوير التجربة المسماة "اقتصاد السوق الاشتراكي" وكيف يمكن إظهار الدور المختلف، الايجابي، لتلك السوق؟ وما سيكون عليه دور التوظيفات الخارجية والديون في التطور الاقتصادي على المستويين المتوسط والبعيد؟
ثالث هذه التحدّيات يكمن في علاقة الحزب الشيوعي الصيني بالجماهير، تلك العلاقة التي شبهها الرئيس ماو بأنها علاقة السمك بالماء، وفي كيفية قيادة الحزب الشيوعي الصيني للمجتمع من أجل الاطلاع على المشاكل الفعلية التي يعاني منها الشعب وكذلك من أجل تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية الضرورية.
رابع هذه التحدّيات يكمن في الجمع بين الكفاءة والنزاهة، ومحاربة الفساد والبيروقراطية والانتهازية داخل صفوف الحزب الشيوعي الصيني الذي يعد 87 مليوناً. وإذا ما نظرنا إلى التدابير المتخذة في هذه المجالات كافة، إن لجهة تطهير الحزب والإدارة، ومحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين في المستويات العليا للدولة (وبعضهم كان قد استفاد من موقعه لجني الأموال وسرقتها)، والتركيز على الوحدة الفكرية للشيوعيين ومنع التيّارات داخل الحزب، وإعطاء أهمية استثنائية للبناء الذاتي، خاصة لجهة بناء الكوادر والمسؤولين، يمكننا أن نقول إن الحزب الشيوعي الصيني استفاد، بالتأكيد، من بعض الظاهرات السلبية التي أسست لها قيادة غورباتشوف وسياسة "البيريسترويكا" في الاتحاد السوفياتي. غير أن ذلك لا يعني أن أحداً باستطاعته الجزم في أن تلك الاستفادة تعني تخطي كل العقبات.

بكل الأحوال، لا بد من القول بضرورة وأهمية متابعة هذه التجربة "الاشتراكية" التي تسير في الصين، كونها – في حال نجاحها وتطورها – يمكن لها أن تعطي آفاقاً جديدة للنضال من أجل تغيير المجتمع البشري على الأسس التي وضعها ماركس وانجلز ولينين وماو وغيرهم. وإذا كانت التجربة الصينية، التي قامت على مبادئ العدالة والوفرة والتنمية، إلى جانب الانفتاح على العالم، قد جعلت من النظرية الاشتراكية نظرية أكثر التصاقاً بالواقع الذي يعيشه ربع سكان العالم اليوم، فإن نجاحها يرتبط بمدى قدرتها على التعبير عن الجماهير التي تعمل لأجلهم...