تركيا: مكتسبات وخسائر العلاقات مع السعودية وقطر

نشر بتاريخ: 12.1.16



تركيا: مكتسبات وخسائر العلاقات مع السعودية وقطر

د. هدى رزق

قصد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اللاهث خلف مصالحه الاقتصادية كلاً من «إسرائيل» وقطر والسعودية. هو يعي أنّ العقوبات الروسية على بلاده يمكنها أن تؤثر ليس فقط في الاقتصاد التركي بل أيضاً في شعبيته إنْ لم يجد بدائل عملية، لا سيما أنّ إنجازات العدالة والتنمية تركزت على الاقتصاد والاستقرار.
يستمرّ أردوغان في الادّعاء بأن لا مسألة كردية في تركيا بل إرهابيون، فيما يردّ عليه حزب الشعوب الديمقراطية بضرورة إطلاق سراح أوجلان المسجون في جزيرة اميرلي. تدلّ تصريحات أردوغان في الشأن الكردي على أنّ الرجل سيكمل حربه ضدّ حزب العمال الكردستاني ما قد يضرب استقرار البلاد.
أما مشروعه الرئاسي فيتعرّض لنكسات على يد الأحزاب التركية، اذ اتخذ حزب الشعب الجمهوري قراره بالوقوف ضدّ النظام الرئاسي، ولفت الى أنّ هذا الموقف ليس موجهاً ضدّ أردوغان رغم الانتقادات الموجهة إلى سياساته، فيما يتهمه حزب الحركة القومية بالميول السلفية.
أردوغان المطمئن الى اتفاقاته مع السعودية وقطر طرق باب هاتين الدولتين من أجل تعويض خسارته الاقتصادية، فوجد نفسه أمام إشكالية في علاقته مع السعودية، إذ أتى إعدام السعودية للشيخ النمر بعد عودة أردوغان بيومين من المملكة مطمئناً إلى اتفاقه على عقد صفقات تجارية والمشاركة العسكرية في الحلف الاستراتيجي. اعتبرت السعودية أنها بإعدام الشيخ النمر، تخدم مصالحها وتقوّض العلاقة مع إيران. ارتبك كلّ من أردوغان وحكومته لا سيما أنّ الصحافة التركية وقفت ضدّ هذا الإعدام، حتى أنّ أحد المعلقين الإسلاميين البارزين اعتبر أنّ المملكة العربية السعودية بلد يفتقر الى الرؤية السياسية، وهي تلعب لعبة خطيرة لأنها لا تملك سلاحاً سياسياً تواجه به إيران.
تجدر الإشارة الى أنّ الإسلاميين الأتراك لا يدعمون العربية السعودية بسبب موقفها ضدّ «الإخوان» في مصر، ولأنها تقف الى جانب «إسرائيل» بشكل سرّي، وتلعب على وتر التقارب الإيراني مع واشنطن… وقفت الصحافة العلمانية أيضاً ضدّ اتخاذ تركيا موقفاً في النزاع الإيراني- السعودي، والتورّط في التحالف ضدّ الإرهاب برئاسة السعودية لكونه «تحالفاً سنياً ضدّ الشيعة».
وضعت السعودية أردوغان ورئيس وزرائه داوود أوغلو في موقف صعب، فتركيا عبر ما سُمّي بالعلاقات الاستراتيجية كانت تعوّل على الاستفادة اقتصادياً ومالياً، وكانت تريد عبر السعودية استعادة النفوذ الإقليمي الذي فقدته بسبب أخطائها في السياسة الخارجية.
انتظرت انقرة ثلاثة أيام قبل أن تصدر بياناً حول نبذ الإعدام وشجب الهجمات على السفارة السعودية في طهران. أظهر هذا الموقف مأزق تركيا التي وضعت بين السعودية وإيران. فقلب الحكومة مع السعودية لكن عقلها لا يستطيع قبول تفاقم العلاقة مع إيران لأسباب عديدة، ومنها الضغط الداخلي الذي لا يريد معاداة ايران. اختارت الحكومة التركية الوقوف في وسط آمن، لام الناطق باسم الحكومة إيران بسبب الهجوم على السفارة، كذلك أعلن أنّ تركيا تقف ضدّ الإعدام السياسي.
أما الإشكالية الكبرى فهي قبول أردوغان بمشاركة تركية عسكرية تحت قيادة السعودية ما يعني أنّ الحكومة التركية ستقف ضدّ إيران، الأمر الذي سيظهرها في صورة سلبية أمام كلّ الشيعة في الشرق الأوسط وخارجه.
في هذه الأثناء اعترضت الخارجية التركية على لسان وزير خارجيتها على ربط الصحافة الإيرانية زيارة أردوغان الى السعودية بتنفيذ الإعدام بالشيخ النمر، واعتبر أردوغان أنّ هذا الاتهام يقوّض صورته عند الإيرانيين، الذين بدأوا يغيّرون وجهة زياراتهم السياحية من تركيا الى دبي وبلدان آسيا الوسطى بسبب سوء المعاملة في تركيا ومراقبة السلطات لعدد كبير من شركات السياحة الإيرانية في تركيا.
ستتعامل السعودية مع تركيا كتعاملها مع مصر، فهي تساعد اقتصادياً لكنها تريد ثمناً سياسياً، وتريد من تركيا أن تكون خصماً لإيران ليس في سورية او العراق فقط فحسب إنما في مجمل سياساتها.
لا تشبه السعودية قطر شريكة أردوغان وعائلته، فهي لم تستطع الوقوف في وجه قرار الجامعة العربية في شأن وجوب انسحاب تركيا من الأراضي العراقية، لكنها فتحت أبوابها لأردوغان الذي يبدو كأنه أجل مطالبته بالعثمانية الجديدة والقيادة الإقليمية واتجه الى الانضمام الى «التحالف الاسلامي الذي تقوده السعودية ضدّ الإرهاب. اقترب من قطر إذ وقع الطرفان اتفاقاً لاستيراد تركيا الغاز الطبيعي، وقال أردوغان إنّ قطر تخطط للدخول في قطاع الغاز الطبيعي المسال في تركيا، وهي تقوم باستكشاف ما إذا كان يمكن أان تستثمر في تركيا في مجال تخزين الغاز الطبيعي، واتخذت خطوة الى الأمام في هذا الشأن، كذلك تعهّدت تركيا بإقامة قاعدة عسكرية لحماية قطر من أعدائها، لكن لم يجر تحديد العدو.
جاءت الاستثمارات القطرية في تركيا بعدما عانت الأخيرة من هروب بعض رؤوس المال الأجنبية، فمنذ انتخابات الأول من تشرين الثاني الماضي قدّرت انسحابات المستثمرين الأجانب بـ 5,1 مليار دولار، كذلك انسحبوا من سوق الأسهم التركية، لكن قطر وضعت 2.7 مليارات دولار في خامس أكبر بنك في تركيا. كما قام البنك الوطني القطري بخطوات ذات أهمية اقتصادية ومالية لتركيا، إذ أتت خطوة دعم البنك كدعم معنوي لكلّ من الحكومة والأسواق عندما انخفضت الثقة بالليرة التركية وزاد التضخم… في عام 2013 قام البنك التجاري القطري بشراء أسهم وقروض البنك التركي أ بنك A bank بمبلغ 460 مليون دولار اعلنت قطر أنها تتطلع الى المساهمة في المستقبل الاقتصادي لتركيا. كذلك دخلت قطاع الإعلام في تركيا حيث بدأ وجودها في هذا القطاع منذ 2008 لكنه آخذ اليوم بالتوسع.

مؤخراً جرى بيع جريدة «صباح» إلى أحد أصدقاء أردوغان في معاملات مثيرة للجدل، إذ أنّ الجريدة كانت قد احتلت مكاناً بارزاً في فضيحة الفساد والرشوة التي هزّت الحكومة الحكومة في كانون الأول 2013، كذلك قام صندوق التوفير وإيداع التأمينات الذي يدير الشركات التي تضع الدولة التركية يدها عليها عبر الحراسة القضائية ببيع صحيفتين وقناة فضائية وشركة مصنّفة للمركبات إلى قطر التي اشترت «ديجيتورك» وهو أكبر استثمار في قطاع الإعلام التركي. لدى هذه الشركة 239 محطة تلفزيونية، كذلك اشترت وسائل الإعلام منها محطة أ.ت.في. ATV التي كانت تحت الحراسة بسبب ديون المصارف غير المسدّدة، وكانت تحت إدارة صهر أردوغان بيرات البيرق، وهو وزير الطاقة في الحكومة اليوم. حصل القطريون على 25 في المئة من أسهم المجموعات الإعلامية واستثمروا في قطاع الألبسة. وهكذا تكون استثمارات قطر في تركيا قد بلغت حوالى 6 مليارات دولار، ووفق التقارير يمكن أن تصبح 10 مليارات دولار.