16‏/03‏/2014

رسالة عملية وادي الزينة إلى المقاومة (تحية الى كمال جنبلاط في ذكرى استشهاده السابعة والثلاثين) د. خالد حدادة



رسالة عملية وادي الزينة إلى المقاومة
(تحية الى كمال جنبلاط في ذكرى استشهاده السابعة والثلاثين)
د. خالد حدادة
بالتزامن مع جريدة السفير
في منطقة "وادي الزينة" التي أطلق عليها العدو إسم "وادي الموت" وأطلق عليها المقاومون، كما الصحافة المقاومة اسم طريق "هوشي مينه"، أوقعت مجموعة من مقاومي "إقليم الخروب" تضم عدداً من الأبطال المتعددي الانتماء القروي والموحدين في انتمائهم الحزبي، للحزب الشيوعي اللبناني، برتل مؤلل من قوات العدو الإسرائيلي صبيحة الثالث عشر من آذار 1983 فأوقعوا بالعدو خسائر كبيرة اعترف العدو بسبعة قتلى وعشرات الجرحى والحقيقة كانت أكبر من ذلك. وجرح عدد من المقاومين، وحملت العملية حينها اسم القائد الشهيد كمال جنبلاط الذي أحيا المقاتلون ذكراه بهذه العملية...
ولاستكمال الصورة، استطاع المقاومون سحب أحد الجرحى المقاومين "ستالين" ونقله إلى منطقة آمنة، أما الجريح الثاني قاسم والذي كان مصاباً بحروح خطيرة فاستعمل ذكاءه الذي لم تصبه الجراح، لينتقل إلى أحد مستشفيات بيروت، العاصمة التي ظن يومها انها قد تكون آمنة، لأن المقاومين حرروها وأصبحت تحت سلطة "الدولة اللبنانية"!!...
وجرى ما تخطى التوقعات، من دولة تباهت بضعفها ورهنت نفسها للقرار الأميركي- الغربي وأمنها للقوى المتعددة الجنسية، وباشرت بالبحث عن أطر التطبيع مع العدو...
اعتقلت القوى الأمنية الجريح المقاوم وهو على حافة الموت ووضعت دورية من الأجهزة الأمنية لحراسة غرفته قبل تقديمه للمحاكمة... نعم المحاكمة لأنه قاوم العدو...
ولكن كما أنتج الشعب مقاومته، هنالك في أجهزة الدولة والأمن مقاومون وليست الدولة هي المقاومة... تعاونت المقاومة مع بعض عناصر الدولة، قضاء وأجهزة أمنية، وجرى تهريب "قاسم" الى منطقة آمنة هو الآخر...  نستعيد هذه التفاصيل، لإحدى عمليات المقاومة الوطنية، ليس لأهميتها فقط، بل للاستفادة من تفاصيلها، في النقاش الذي بدأ مهزلة في صياغة "البيان الوزاري" ويتحول مع الوقت  الى جريمة...
 *******
إن هذه التفاصيل، تجيب بشكل واضح على عدد من الأفكار- المشاريع الواردة في تصريحات القوى السياسية حول البيان الوزاري، وآخرها ما أبدعه أحد الوزراء المنتمين إلى الدولة التي اعتقلت "جريح المقاومة"... بأن ما من مقاومة في العالم إلا عبر الدولة ومؤسساتها ... طبعاً  لا نلومه فلديه موقفه السياسي التاريخي والواضح تجاه مقاومة العدو، ولكن يحق لنا، الضحك بألم، ونحن نذكره بفرنسا فقط، وهو فرنكوفوني المزاج، هل هذا يعني أن المقاومة الفرنسية، كان يجب أن تمرّ تحت عباءة حكومة فيشي مثلا؟ أو أن المقاومة الفلسطينية كان يجب ان تستظل عباءات الملك عبدالله والحسين بن عبدالله والحكومة اللبنانية؟!... أو ان تستأذن قوى المقاومة في فيتنام حكومة "سايغون"؟ ما هذا التزوير المشبوه لمنطق المقاومة وتاريخها... والى هذه التجارب في التاريخ، نسأل هذا الوزير ومن يشبهه، أليست نقطة الضعف الرئيسية اليوم في القضية الفلسطينية، هي إصرار السلطتين في رام الله وغزة على احتواء المقاومة بوجهيها الشعبي والمسلح، ووضعهما في إطار المصلحة المباشرة لهاتين السلطتين؟
لقد نشأت المقاومة الشعبية في لبنان منذ الأربعينيات، كرد على تقصير الدولة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، وهي على الدوام مقاومة شعبية لم يشترك فيها "البكوات"  ورجال الدولة، بل القوى السياسية والاجتماعية المعارضة للنظام... وهذا التقصير سواء كان ناتجاً عن "ضعف وعدم قدرة" أو كان ناتجاً عن اتجاه سياسي منضوٍ في مشروع سياسي عالمي هو المشروع الأميركي (والأوروبي قبله) وهذا هو واقع الدولة اللبنانية، هو تقصير مستمر  في واقع الدولة اللبنانية اليوم....
وهنا لسنا مضطرين للتذكير في مواقف القوى (المنضوية في حكومة المصلحة الوطنية) في التجارب السابقة، سواء في الخضوع لمنطق الاعتداءات والمجازر الإسرائيلية ضد شعبنا، أو في موقفها على الأقل في موجات الاحتلال من عام 1978 الى 1982 وصولاً الى حرب تموز 2006.....
إن نظاماً يستقوي أطرافه على بعضهم بعلاقات إقليمية ودولية ولا يستطيع، تشكيل حكومة أو صياغة بيان وزاري إلاّ بإذن خارجي لا يمكن له أن يحمي المقاومة بل لنكن واضحين، هو بطبيعته متآمر على المقاومة ومحاصر لها...
 *********
يردّ آخر، أننا سايرناكم كثيراً فسايرونا... ساومنا معكم على الثلاثية فاقبلوا معنا بهذه "الصيغة- الوسط"... إن في هذا المنطق الذي نقل على لسان الرئيس بري وبعض قيادات حزب الله، الوجه الآخر للمأساة- الملهاة...
نعم إن في هذا الأفكار، وجهاً آخر لأزمة "المقاومة" ذاتها ولطبيعتها ولبنيتها...
فالمساومة هذه في عمقها،  لم تأت حفاظاً على المقاومة، فهذه لا تقبل بأنصاف الحلول، ليس هنالك نصف مقاومة أو مقاومة نصف مدجنة من الدولة... إن المساومة المذكورة، هدفها الأساسي هو المحافظة على النظام  الطائفي ومنعه من الإنهيار، وهذا يعكس أولوية مطلقة عند البنى الطبقية المسيطرة على الطوائف والناطقة باسمها، بالحفاظ على النظام أولاً وما يخشى منه أن تصبح المقاومة في هذا المجال جزءاً من أدوات تعزيز منطق المحاصصة وقيمتها....
إن هذا الواقع، يستدعي بحثاً جدياً مشتركاً عند قوى المقاومة بطبيعة عمل المقاومة ومهامها وبنيتها... وفي هذا الإطار إن تحول المقاومة من الرصيد الأكبر للشعب اللبناني، الذي حرر البلد منذ 1982 وحتى الآن وحماه، في غياب الدولة أحياناً وتآمرها أغلب الأحيان، الى "كلمة في بيان" تجري المساومة على  "الـ التعريف" فيها مسار لم يبدأ اليوم، بل كان نتيجة طالت فيما طالته بنية المقاومة ذاتها...
نعم، لم يعد قابلاً للشك أن "بنية المقاومة" هي نقطة ضعفها الرئيسية... نفهم جيداً الواقع الديمغرافي الذي ساعد في التحولات التي طرأت على بنية المقاومة وقيادتها وهي تحولات لم تأت بفعل عوامل داخلية  فقط، أو حتى بفعل الواقع الديمغرافي للمناطق المحتلة، بل أتت في آن معاً من خلال الرعاية والاحتضان، أو في أوجه التآمر والعداء اللذين أخذا طابعاً مذهبياً، أديا الى إضعاف تدريجي للبنية الوطنية المتنوعة والديمقراطية والتحول الى بنية مذهبية خالصة... وحتى الذين يتآمرون على المقاومة اليوم ويرفضون حتى وضع اسمها في بيان وزاري، لم يكن يوماً إلاّ حبراً على ورق، كما إعلان بعبدا وبدون إذن من فخامة الرئيس، هؤلاء يميزون بين "حزب الله" و"المقاومة" فيصبح الأول مقبولاً ببنيته وبما يمثل، والثانية مرفوضة بوظيفتها في وجه العدو، أياً كانت بنيتها... ومثال المقاوم الجريح في عملية وادي الزينة وملاحقته كما آخرين، من قبل الدولة، خير مثال على أن من يعترض اليوم إنما يعترض على مفهوم ووظيفة المقاومة وليس على "حزب الله" وإلاّ لماذا تراجعت قوى 14 آذار عن شروطها الأولى التي لها علاقة بالحزب ودوره الداخلي والإقليمي واستشرست في رفضها لمنطق المقاومة في البيان؟
نعم إن قوى المقاومة مدعوة اليوم لمراجعة جدية، في نظرتها لدور المقاومة الذي لا يكتمل، بل هو دائماً معرض للانتكاس، إذا ما استمر هذا الفصل بين مهمتي التحرير والتغيير الديمقراطي، وهذا التغيير لكي يصبح ممكناً باتجاه نظام ديمقراطي، عروبي، ومقاوم، لا بد أن يطال العلاقة بين البنية والوظيفة وبالتالي البحث في مشروع متكمل للمقاومة، يتكامل فيه النضال  من أجل تحرير الأرض بالنضال من أجل العدالة الاجتماعية بالانحياز إلى مصالح الفقراء الذين كانوا وما زالوا ذخر المقاومة والدم النابض في عروقها إلى النضال  من أجل التغيير  الديمقراطي...

إنطلاقاً من ذلك، تأتي ذكرى عملية وادي الزينة، وبشكل خاص إهداؤها لذكرى الشهيد الكبير كمال جنبلاط، ليطال جانب التغيير الديمقراطي ورمزه وليعيد الى الأذهان كامل المشروع الذي  حمله هذا القائد والحركة الوطنية والذي ما زال المشروع القادر على نقل الوطن باتجاه المستقبل والقادر على الحفاظ عليه...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Developed by: Hassan Dbouk